مصر الكبرى

12:36 مساءً EET

أم الدين وأم الضمير…. وأم العمل السياسي

أم الشيء في لغة العرب هي رأسه ومنبته وفي قول آخر مأواه ومستقره
في الجيش يرصون الجند في طوابير ويأمرونهم بفتح أرجلهم وخبطها في الأرض ثم اقفالها مع ارتطام آخر بالأرض…

أفعال سهلة بلا معنى أو هدف الا ترويض الإرادة الفردية لصالح التناسق الجماعي أو سلوك القطيع أو بتخريج آخر ترويض التقييم المتعقل الواعي لصالح الطاعة التلقائية العمياء
وهذا أصل هام من أصول العسكرية التي لا فعالية فيها بدون الطاعة والعمل الجماعي الأعمى وأصل السلطة والسياسة ربما لأنهما ولدتا على يد أصحاب القوة الأكثر بغيا وما أدراك ما بغي السلاح والجيوش…
هي هكذا صفا فانتباه ثم صفا ثم انتباه من أجل "التمكين" والسيطرة كأساس لما قد يليه من الأعمال
تلك هي السياسة وهذا هو العمل السياسي والحكم ولذلك يحدث للسلطة تداول قهري أو اختياري ولذلك تنهض الأمم وتموت ولذلك هناك دائما خلاف واختلاف
لكن
أم الدين ..علاقة الإنسان بربه ومجتمعه
وأم الضمير ..علاقة الإنسان بذاته
وأم العمل السياسي ..علاقة السلطة بالشعب
السلطة جبروت وسلاح وسطوة ومقاليد حكم ومفاتيح أرزاق …ومهما تكن النظم فالشعب أضعف حيلة من السلطة
في أي دولة أعني في أي تجمع بشري معقد كبير تتحرك الأمهات الثلاث ورغم أنهن متداخلات متفاعلات إلا أن كل منهن عنوان لعالم كبير مستقل بذاته تفاعلهن ضرورة واستقلالهن ضرورة أكبر ويبقى الضمير على رأس القائمة ربما لأن الضمير موضوعي بلا شكل أو لأنه الوحيد بينهم الذي يتميز بأنه فردي صرف بلا طقوس جماعية ولا أهداف مشتركة ولا مخططات استراتيجية ..الضمير تلقائي وآني وفردي كما أنه يؤثر في الدين والعمل السياسي تأثيرا كبيرا مباشرا يتجاوز أثرهما فيه رغم فداحة أثرهما فيه
سأحكي لكم حكاية رغم أن لي عليها تحفظات كثيرة لكني سأسلم بصحتها مؤقتا لأنها في كل الأحوال تراث انساني… حكاية النبي سليمان عليه السلام والنملة (ان صحت)
عندما حبس النبي سليمان نملة في صندوق مع المؤونة التي حددتها لنفسها لمدة عام ثم فتح بعد العام فوجدها قد استخدمت نصف ما ادعته لأنها خافت سهوه ونسيانه
في سجنها امتنعت عن مجتمعها وعن رزق الله الذي يباشرها أي أنها فقدت شطرا من دينها العملي وبقي لها ضميرها وسلطة سليمان التي حبستها قهرا (بغض النظر عن عدالة ومنطقية الحبس) فلجأت النملة لضميرها الذي قيض لها سلطانا إضافيا على نفسها منعها من الاستهلاك العادي للطعام خشية أن ينساها سليمان …وهو نبي معصوم لا ينطق عن هوى ولا يعبث
من الممكن جدا أن تبقى الحياة في وجود الضمير حتى لو نقص فعل الدين
لكن في حكاية أخرى وهي قصة السامري الذي تركه موسى مع أخيه هارون لرعاية بني إسرائيل في غيبته فقد اليهود سلطة موسى عليهم وبقي لهم الدين وضمائرهم التي أمرضها قهر الاستعباد ومذلته على يد آل فرعون …وفي ظل قيادة السامري ذو الضمير الميت أساسا ضاع الدين رغم حداثة عهدهم به وسخونة أثره عليهم فما تركهم موسى الا لأسابيع أو شهور على أقصى تقدير… قاموا على عبادة العجل الذي صنعوه مع السامري بأياديهم ومن ذهبهم وحليهم حتى عاد موسى من جديد واستعاد سلطته فبسط دين الله مرة أخرى
من الممكن جدا أن يضيع الدين ويضيع الحكم في غيبة الضمير
أما عن السياسة بلا دين أو ضمير فحدث ولا حرج ..القصص كثيرة ومتعددة لعل اقربها قصص الفاشية وفشل موسوليني أو ربما حكايات قساوسة أوروبا في العصور الوسطى أو قصة أي نهاية لأي دولة عندما يسود الفساد ويعم الظلم والجهل والظلام
من الضمير تنبع الأخلاق وبالأخلاق تعيش الأمم … والضمير هبة الهية للبشر مثل الأيدي والأرجل والعيون نولد به نستخدمه قبل أن ندركه ..الضمير هو الفطرة وهو الهداية من الله.
الضمير هو الضامن الوحيد لسلامة البشر فرادى وجماعات والضامن لسلامة أجهزة الدولة وجودة العدل والضامن لأمانة تداول الدين
ستنحرف السياسة وينحرف الدين بلا أخلاق والأخلاق ضمير
أنزل الله الدين متمما لمكارم الأخلاق متمما لبراعة الضمير ويقظته لكي يكون للناس مرجعا ودليلا ونبراسا لكي يستعيدوا رشدهم اذا عبثوا بضمائرهم وأنزله أيضا ليكون وسيلة يتقربون بها الى الله في أنفسهم وفي بعضهم وفيما خلق
في مجتمع بلا ضمير لن يكون هناك بشر فرادى أصحاء يملؤون الروح والعقل ولن يكون هناك دين حتى لو نزل عليهم الف قرآن ومليون انجيل وتوراة وزبور
بلا ضمير لن يكون هناك دين مهما كان عدد المساجد والمصلين ومهما طالت اللحى وكثرت طبقات القماش على النساء لأن تفسير النص الديني يخضع خضوعا تاما للضمير قبل منهجية العلم ودقته بل أن هذه النصوص أغلبها ينقل شفاهه أو كتابة على يد آخرين لو ضاعت ضمائرهم لكتبوا دينا من عند أنفسهم
الضمير الضائع ثقب أسود لا عمار بعده فهو يسحب كل الأشياء بما فيها الدين الى العدم.

التعليقات