ثقافة

10:16 صباحًا EET

إبراهيم القاضي يكتب : القرية المذعورة (قصة قصيرة)

هذه الحكاية الغريبة و العجيبة و ربما المضحكة و فى نفس الوقت كئيبة عن قريتى ، قريتى التى كانت يوما جميلة ، لست أدرى بالضبط ماذا جرى لها ؟؟ و لا متى اصيبت قريتى العزيزة بذلك المرض اللعين ؟يقولون عدوى حملها الهواء الى قريتنا التعيسة ،و أخرون يقولون أنها ولدت هكذا، بينما البعض ليس مهتما بمتى اصيبت ؟؟و لا لماذا اصيبت ؟؟قدر اهتمامه بمحاولة شفاءها .. فمريض السرطان وهو يصارع على فراش الموت ،لا يعنيه إن كان ذلك المرض الخبيث، نقله الهواء اللعين ام ورثه .. قصة قريتى يا سادة لها العجب العجاب .

قبل ذهاب الشمس الى الراحة لتنام فى حضن السماء، و تسقط بعيدا عن قريتنا ، كانت مازالت ترسل بعض اشعتها المريضة ذات اللون الأصفر ، الفلاحون و من خلفهم بهائمهم يجرونها عائدين الى ديارهم ،بعدما ظفرت بهائمهم بخير الأرض فى انتظار أن يظفروا بخيرها .. النسوة فى ديارهن يجهزن لمبات الكشف ،لتشق بنورها الضعيف عتمة ليل القرية الطويل شديد البؤس .
فجأة صاح رجل مسن أكل عليه الدهر و شرب بصوت واهن
    الحقوا يا أهل البلد .. الحقوا يا أهل البلد  
هرع الناس ناحية الشيخ رجب ، كان جسده النحيل يرتجف كأنه ألقى به عنوة عاريا تحت ماء مثلج ،صاح ياسين فزعا
    خير ياشيخ رجب ؟
زاد اصطكاك أسنان الشيخ رجب ،وهمهم بكلمات غير مفهومة ،و هويشير بيديه المرتعشتين ، نظر الناس الى حيث يشير الشيخ لكن الليل قد اسدل ستاره، و تمكن من سماء القرية ، ضحك درويش ساخرا محاولا التمرد على الخوف الذى بدا يسيطر عليه و قال
    لا شىء يدعو للقلق .. لقد كبر الشيخ واصابه الخرف
ضحك الجميع ، و انصرفوا الى ديارهم ، و هم يحملون الشيخ رجب ،الذى لم تمكنه ساقيه المرتعشتين على المسير.
و مات الليل و ولد من رحمه نهارجديد ليموت و يولد من رحمه ليل جديد .
إذا بدرويش يصيح مرتجفا
    الحقوا يا أهل البلد .. الحقوا يا أهل البلد
هرع الناس كعادتهم لنجدة درويش ، وجدوه و قد أصابه ما أصاب الشيخ رجب سأله أحدهم مرتبكا
    خير يا درويش ؟؟
لم يجب درويش و حملوه الى داره ،و سط سخرية بعضهم ،و قلق البعض
و مات الليل و ولد من رحمه نهار جديد ليموت و يولد من رحمه ليل جديد .
و إذا بياسين يصيح مرتجفا
    الحقوا يا أهل البلد .. الحقوا يا أهل البلد
هرع أهل القرية ناحية ياسين ، وجدوه كما وجدوه سابقيه ، لم يسألوه و قال أحدهم
احملوه لنذهب الى الشيخ رجب، فالرجل مر بهذه التجربة ،و قد بدأ لسانه فى التعافى
ذهبوا الى الشيخ رجب الذى بدا أحسن حالا ،و سأله أحدهم بصوت جهورى قوى يخفى اضطرابه وجزعه
    ماذا جرى ياشيخ رجب ؟
جدد السؤال حالة الهلع لدى الشيخ رجب ، و لم يجب ، بل ساءت حالته ،و تجمع الجميع ،و قال أحدهم إذن فلنأتى بالعرافة ،فقد ترشدنا و تنير لنا ظلام ذلك اللغز المرعب، على الفور جاءت العرافة ، طلبت منهم أن يتركوها فى العراء ،حيث كان المجنى عليهم ،و بالفعل تركها الناس لكنها صرخت مستغيثه بعدها
    اغيثونى .. اغيثونى
هرع الناس ناحيتها ،و سيقانهم ترتعش ،و وجدوها كما وجدوه سابقيها
اللغز خطير، اللغز مخيف ، لغز مقلق ..حتى العرافة قد مسها الضر، يالحظ قريتنا السىء !!   قال أحدهم و عينيه زائغتين من الرعب
    يبدو أنه عفريت ،يأتى الى قريتنا متخفيا خلف ستار الليل المخيف
و قال أخر و عينيه تلمعين بدموع الخوف
    لا هذا حيوان متوحش ، يأتى بالليل ليلتهمنا على حين غفلة
و قال أخر و هو يعبث بأنامله فى لحيته
    لا هذا شيطان رجيم يوسوس لنا فى الظلام
فشل أهل قريتى فى حل ذلك اللغز المخيف ، اجتاحهم الهلع ،كأنه ريح عاتية ، ضربت قلوب أهلها فأصابتهم جميعا بالذعر و القلق .
لم يعد أمامهم سوى المبيت معا تحت سقف دار واحدة ، ليساند بعضهم بعض .. ما أقسى لحظات الخوف و الأضطراب ،لكنها قد تمر عندما نكون جميعا متحدين ،و ما أتعسها حين يواجها كل منا وحيدا ، فقد يصاب بما اصيب الشيخ رجب و رفقائه
عندما يحل الظلام ، يهرع أهل القرية الى دار مسعود الغلبان، يحتمون بجدرانها،  و يشد بعضهم أزر بعض ، يسمعون صيحات من الخارج كانت مزيج من أصوات مرعبة كأن الريح و الذئاب و الغربان و الكلاب تحالفت على البؤساء ،الذين ترتعش سيقانهم خوفا ، ظلوا يتخيلون بأصوات مخنوقة مرعوبة ، هذا الشبح المخيف الذى يطاردهم ،وهم لا يستطيعون تحديد هويته .. من يدرى فقد يقتحم عليهم دار مسعود ، و قتها سوف يتراصون بجوار بعضهم .. لكن لم يسلم الأمر من هواجس تعصف برؤوس تكاد تفتك بها .. ماذا لو تخلوا عنى و تركونى وحيدا اصارع الشبح وحيدا ؟؟ هكذا كان كل منهم ينظر بريبة الى من بجواره  و يكاد يجن ..
وسط الجمع المذعور صاح أحدهم منتفضا
    الى متى سنبقى هكذا ؟؟ نفد من العمر سنوات عدة ،و نحن على حالنا
رد آخر بصوت واهن مرتجف
    لن نبرح أماكننا حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا  
    لن نخسر الكثير إذا خرجنا سويا  لنرى ذلك الشبح المرعب ، فهو لن يستطيع قهرنا إن كنا جميعا
صاح الجميع بصوت متوتر قلق
    يكفى ما حصل للشيخ مرزوق و الآخرين .. دعنا و شآننا
رد الرجل المنتفض بصوت يعلن التمرد على الخوف
    طالما كان الآخر بعيدا عنا، قد نراه مخيفا مرعبا ، لا قبل لنا على  مقاتلته ، فهو وحش كاسر يستطيع أن يأكل أخضر قريتنا المسكينة و يابسها .. لكننا إذا دنونا منه ، ربما نكتشف أنه ما هو إلا خواء ، أوهام عقولنا المغيبة و قلوبنا المرتجفة
بينما هم ينهرون الرجل المنتفض على حديثه ، دنت منهم الأصوات المخيفة .. هم الرجل خارجا ، و الناس فى قريتى يمسكون بتلابيب جلبابه حتى لا يخرج، لكنه أعلن العصيان .. ليطارد ذلك الشبح المخيف ، حتى ظهرت ملامح النهار ، و أهل القرية فى دار الغلبان ، غير مصدقين طلوع النهار ، حتى و الرجل المنتفض ينادى عليهم مقهقها ..أن لاشىء فى القرية يدعو للخوف ، فلا أشباح إلا من توهماتنا  
 
إبراهيم القاضى..روائى و قاص شاب..صدرت له اول رواية مطبوعة فى 2012 بإسم "القرية "

التعليقات