كتاب 11

12:55 مساءً EET

أول جاسوس مصرى منتخب!

من الأستاذ محمد سلماوى تلقيت الرسالة التالية: تابعتُ مقالاتك الأخيرة حول ضرورة مخاطبة الغرب بحقيقة ما يجرى عندنا، وهى القضية التى فجرتها افتتاحية «نيويورك تايمز» المغرضة، والتى تقوم على مغالطات مقصودة، تتجاهل فعل الإرادة الشعبية، وتصب فى النهاية فى مصلحة فصيل سياسى واحد، ارتاحت الإدارة الأمريكية لخدماته، التى فاقت ما قدمته الأنظمة المصرية الحاكمة السابقة، ذلك هو تنظيم الإخوان الذى لفظه الشعب المصرى فى أكبر تظاهرة احتجاجية عرفتها الإنسانية!

ويقول: ولا شك أن ذلك يفرض علينا أن ننشط فى مخاطبة الرأى العام العالمى، حتى تكون الحقيقة واضحة أمامه، ولا تقتصر معرفته بنا على ما تقدمه أجهزة الإعلام ذات الأجندات المعروفة، وربما تذكر أننى كنت قد بعثت بخطاب يشرح حقيقة ما حدث يوم 30 يونيو، إلى بان كى مون، سكرتير عام الأمم المتحدة، كما أننى وزملائى الأدباء عقدنا مؤتمراً صحفياً عالمياً بمقر اتحاد الكتاب، قدمنا فيه شهادتنا أمام الصحفيين الأجانب بأن ما حدث يوم 30 يونيو كان، بجميع المقاييس، ثورة لا يمكن وصفها زوراً بالانقلاب.

 

على أننى رغم اتفاقى معك حول ضرورة الرد على مثل هذه المغالطات المستمرة، منذ قيام ثورة 30 يونيو، إلا أننى، فى بعض الأحيان، أجد أن الخطأ يقع على الجانب الآخر، وليس كله فى جانبنا نحن، أى أن المشكلة لا تكمن فقط فى التقصير من جانبنا فى الرد على ما ينشر من أكاذيب، وإنما تكمن أيضاً فى إصرار الجانب الآخر على نشر تلك الأكاذيب وفق أجندة سياسية يلتزم بها لأسباب يطول شرحها، منها، كما قلت، ارتياحهم للتعامل مع الإخوان، لكن منها أيضاً الأموال الطائلة التى ذهبت إلى تعاقدات مع بعض أكبر شركات العلاقات العامة الأمريكية والأوروبية التى تخصصت فى الحملات السياسية، والتى أصبحت قوتها تفوق قوة العمل السياسى نفسه، وبعض هذه الشركات استطاع أن يأتى بأكبر الصحفيين إلى اعتصام رابعة، وأن ينتزع من بعض أعضاء الكونجرس التصريحات المؤيدة للإخوان، ولمحمد مرسى الذى مازال اسمه لا يذكر فى معظم المحافل السياسية الأمريكية، إلا مقروناً بوصف «أول رئيس مصرى منتخب ديمقراطياً»!!

 

ثم يقول الأستاذ سلماوى: ولعلك تذكر ما نشرته «المصرى اليوم» بعد ثورة 30 يونيو، حول المقال الذى طلبته منى «نيويورك تايمز» عن الجانب الإنسانى فى الثورة، وحين كتبته خلال ساعات وأرسلته لهم، وجدوا فيه إدانة واضحة للإخوان، فامتنعوا عن نشره، ونشرت «المصرى اليوم» ترجمته العربية كاملة، وخلال زيارة الرئيس السيسى الأخيرة إلى نيويورك، لإلقاء خطابه أمام الأمم المتحدة، اتصل بى من هناك الزميل العزيز ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم» ورئيس تحرير «الأخبار»، قائلاً إنه تقرر عمل بيان ينشر فى «نيويورك تايمز» موقعاً باسم بعض الشخصيات المعروفة فى الولايات المتحدة، مثل د. بطرس بطرس غالى، د. أحمد زويل، د. فاروق الباز، عمر الشريف، وشخصى المتواضع، وآخرين، وقال إنه قد وقع الاختيار علىَّ لأكتبه بلغة تخاطب العقل الغربى، فقلت إن «نيويورك تايمز» لن تنشره إلا كإعلان مدفوع الأجر، ومع ذلك يظل من صلاحيات تحرير الجريدة رفضه، ولذلك ينبغى الاتفاق أولاً معها، لضمان نشره فى نفس يوم إلقاء الرئيس خطابه.

 

ويكمل الأستاذ سلماوى رواية ما حدث فيقول: طمأننى الزميل إلى أن بعض رجال الأعمال على استعداد لدفع أجر مثل هذا الإعلان، وخلال ساعات كنت قد كتبت البيان بالإنجليزية، وبدأت فى الاتصال ببعض الكتاب والمثقفين من ذوى السمعة الدولية، لإضافة أسمائهم للشخصيات التى ذكرها ياسر رزق، الذى اتصل بى بمجرد أن وصله البيان، واصفاً إياه بأنه «رائع».. لكن الزيارة انتهت، وعاد الرئيس إلى أرض الوطن، دون أن تنشر الجريدة الأمريكية أى بيانات!!

 

وأخيراً يضيف الكاتب الكبير فى رسالته: عندى من هذه الأمثلة التى كنت طرفاً فيها ما يصنع كتاباً كاملاً حول انحياز الإعلام الغربى وأسبابه غير الخفية، وأقول الإعلام الغربى، لأن المشكلة لا تقتصر على الإعلام الأمريكى وحده، فمنذ شهور كتبت مقالاً لجريدة «التايمز» البريطانية حول القفزة الديمقراطية التى تحققت فى مصر، بعد إقرار الدستور، وانتخاب رئيس الجمهورية، لكن الجريدة رفضت نشره، فتدخل السفير المصرى هناك، وانتهى الأمر بأن فوجئت بنشر مقالى كإعلان سدد أجره أحد رجال الأعمال المصريين!

 

وفى الآخر يقول كاتبنا الكبير: الصديق العزيز، لقد أثرت موضوعاً غاية فى الأهمية فى مقالتيك الأخيرتين، فأرجو أن ينال حظه من البحث والمناقشة، فهناك بلا شك تقصير من جانبنا فى الكثير من النواحى الرسمية، وغير الرسمية، لكن هناك أيضاً سوء نية مبيتة على الجانب الآخر، وهى لا تعفينا فى جميع الأحوال من معالجة القصور من جانبنا نحن!

 

انتهى الخطاب، ولا أعرف لماذا حين قرأت فيه عبارة «أول رئيس مصرى منتخب ديمقراطياً» عن مرسى، تذكرت على الفور العبارة التى يطلقها عليه الدكتور عمرو عبدالسميع دائماً فى مقالاته اليومية بالأهرام وهى: أول جاسوس مصرى مدنى منتخب!

 

وإن دل ذلك على شىء، فإنما يدل على أنهم هناك لايزالون مصممين على حجب أعينهم عن رؤية الحقيقة الساطعة هنا، أقصد الحقيقة التى تقول بها المحاكمات التى تجرى له ولآخرين فى جماعته حالياً، بكل ما فيها من أوراق، ووثائق، وحقائق، ومفاجآت مروعة، وسوف أعود للخطاب، لأن فيه بالفعل ما يستحق أن نتوقف أمامه طويلاً، ونتأمل معانيه.

التعليقات