كتاب 11

11:48 صباحًا EET

الظاهر والباطن في السياسة التركية

خبر صغير رقميا في عالم الاقتصاد لكن دويه أكبر في عالم السياسة الإقليمية والدولية مما دفعني لاسترجاع مقولة ثعلب السياسة الدولية العجوز الدكتور هنري كيسنجر بأن الدبلوماسية أداة للسياسة الخارجية في إطار استراتيجية حماية المصلحة القومية.

الخبر عن رفض وزارة الصناعة والتجارة المصرية تجديد اتفاقيات مرور البضائع التجارية مع تركيا، عند نفادها بعد 5 أشهر.

فسر المراقبون الأمر بأن مصر تعاقب تركيا لوقوفها مع الخصم في حرب مصر وحلفائها العرب على الإرهاب.

الاقتصاد يحتل أولويات قائمة المصلحة القومية بجانب الظروف الاستثنائية كالحرب على الإرهاب التي فرضها الإخوان المسلمون وحلفاؤهم على الشعب المصري.

اتفاقية الـ«رو – رو» وقعتها القاهرة مع أنقرة في مارس (آذار) 2012 بعد إغلاق سوريا منافذها الحدودية مع تركيا.

الاتفاقية لتمرير البضائع عبر خط ملاحي بري يخفض تكاليف شحن ونقل المنتجات التركية إلى الخليج عبر أقصر الخطوط الملاحية لتصل إلى ميناء دمياط والنقل برا إلى السويس ومنها إلى موانئ السعودية والنقل برا إلى بقية بلدان الخليج. المسافة أقصر زمنيا وأرخص من ناحية التكلفة.

حجم التجارة المصرية التركية من 2009 حتى توقيع الاتفاقية 4 مليارات و200 مليون دولار، والخلل في الميزان التجاري 13 مرة لصالح تركيا، (3.9 مليار دولار صادرات تركيا لمصر مقابل 300 مليون دولار وارداتها من مصر).

قال المسؤولون المصريون إن الاتفاقية لم تعد تفيد مصر اقتصاديا خاصة أن المصانع المصرية تنتج الصادرات التركية بجودة أفضل وبتكلفة أقل. الاتفاقية منحت الأتراك امتيازات بعدم تفتيش بضائعهم في الموانئ وتوفير رسوم مرور السفن في قناة السويس.

تعامل المسؤولون المصريون مع الصحافة بنضج بقصرهم أسباب عدم تجديد الاتفاقية على الأرقام الاقتصادية فقط؛ فإقحام خلافات السياسة في اتفاقيات حرية التجارة التي تعتبر واقعا في زمن العولمة أمر سلبي؛ رغم أن حراس العولمة الساهرون على حرية التجارة في واشنطن وبروكسل ولندن رسموا ونفذوا مقاطعات تجارية وعقوبات اقتصادية على روسيا لأسباب سياسية.

أنقرة انتهجت سياسة تستهدف المصالح القومية المصرية، وليس مجرد واجهة دعائية مثل الخطاب البروباغندي الذي ألقاه رئيسها رجب طيب إردوغان في الأمم المتحدة ضد مصر، وبدا استفزازيا في رفعه أصابعه بعلامة معروفة في تحدٍ لم نره منذ خطابات الراحل الكولونيل القذافي بأزياء اقتبسها من مصمم ملابس مسرحية الزعيم للكوميديان المصري عادل إمام.

احتضن إردوغان التنظيم الدولي للإخوان لأكثر من عام ويستضيف اجتماعاتهم التآمرية (ويحضرها بعض المطلوبين للعدالة في بلدانهم في قضايا جرائم خطيرة). في مطلع الصيف دعم إردوغان تأسيس واجهة للإخوان (بدعم أثرياء من دولة خليجية) لتنظيم يدعي أنه حكومة مصرية في المنفى. إيواء أعداء أي بلد ودعم نشاطهم غير الشرعي هو عدوان على البلد، مما يمنح مصر الحق في اتخاذ الإجراءات المناسبة حسب المادة 51 من القانون الدولي لأن الإخوان (تحت تسميات أخرى) يمارسون العدوان على الشعب المصري، ومشاركة تركيا لهم عدوان في إطار هذه المادة.

موقف تركيا من حلفاء مصر لا يمكن وصفه في إطار الصداقة أو العلاقات الطبيعية.

تركيا يفترض، بحكم معاهدة حلف شمال الأطلسي (وجيشها ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الولايات المتحدة) أن تكون في خط المواجهة الأمامي مع سرطان الإرهاب المتمثل في «داعش»، أو خلافة البغدادي المهزلة المأساوية لما بعد «داعش».

فما هي مساهمة تركيا أو تكتيكاتها في استراتيجية تبدو غامضة أو متناقضة مع أهدافها (بافتراض حسن الظن في النيات الإردوغانية)؟

طيران التحالف (أميركا، بريطانيا، فرنسا، أستراليا، السعودية والإمارات) يقلع من قواعد في الخليج ومن حاملات الطائرات في المتوسط، والخيار إما حمل خزانات وقود إضافية مع بعد المسافة أو حمل ذخيرة إضافية والتزود بالوقود في الجو. في كلتا الحالتين يحرم الطيار من البقاء فوق أهداف الإرهابيين لمدة تسمح بجمع المعلومات أو تصيد الأهداف بدقة. لكن قاعدة الناتو في جنوب تركيا على مسافة دقائق بسيطة بالطيران مما يعطي طيران التحالف مدة مناسبة من الناحية العسكرية لإنجاز المهام المطلوبة. إردوغان يرفض السماح بإقلاع طيران التحالف من تلك القاعدة.

تقارير «بي بي سي» انتقاء المعلومات وانتقاء من يجرون المقابلات وزوايا التغطية وكليشهات المراسلين تحتاج دراسة كاملة لفهم سبب سياسة تحريرية محصلتها قلب المعلومات للتعاطف مع «الإخوان» و«داعش» والمتطوعين برغبتهم لدعم الإرهاب تتساءل عن سبب بقاء الدبابات والمدفعية التركية مكتوفة الأيدي على الحدود بينما يحاصر إرهابيو «داعش» بلدة كوباني داخل الحدود السورية مهددة أمن تركيا نفسها. لكنها نادرا ما تذكر أن ما يريده الأكراد المدافعون عن البلدة ضد الإرهابيين هو الذخيرة والمؤن ودعم إخوانهم من ميليشيات الأكراد التركية والعراقية، لكن إردوغان أغلق الحدود أمام البيشمركة فلا يستطيعون المرور لإنقاذ إخوانهم في كوباني من الهلاك.

نشرت صحيفة «حرييت» التركية قبل 3 أسابيع انتقادا للحكومة ورئيسها بعد فتح مكتب اتصالات لـ«داعش» (بصلاحية قنصلية تمنح التأشيرات وتسهل الدخول والسفر لـ«الدولة الإسلامية») في إسطنبول بينما يقيم قادة الإرهاب في الفنادق الفخمة في جنوب تركيا لتجنيد الشباب للالتحاق بصفوفهم وهم قادمون عبر الحدود التركية.

هذه الاستراتيجية التركية تضر مباشرة بالعراق وسلامته لأنها تدعم دولة البغدادي التي تشن حربا على العراق والسعودية والإمارات وتستهدف الأردن وهي بلدان حليفة لمصر ليس فقط في معاهدة الدفاع العربي المشترك للجامعة العربية لعام 1964 بل هي مشارك فعلي لمصر في الحرب على الإرهاب. البلدان الحليفة لمصر والعراق يمنحها القانون الدولي الحق كدول فردية أو كتجمع إقليمي مؤقت (حاليا) أو دائم (معاهدات الجامعة العربية) في اتخاذ أي إجراءات مناسبة ضد تركيا في إطار المادة 51.

هل الأمر مجرد سوء اختيار من تركيا أم أن لها أهدافا من هذه الاستراتيجية خاصة أن إردوغان يقدمها كظاهرة للسنة العرب في العراق كأنها دولة إسلامية سنية مقابل الجمهورية الإسلامية الشيعية في إيران، لكن في باطنها أطماع إحياء الخلافة العثمانية في شكل معاصر هو «الإسلام السياسي المعتدل» الذي لا يزال تيارا لا يستهان به فإدارة أوباما والاتحاد الأوروبي يريدان فرضه على المنطقة بحكم الإخوان. المفارقة أن إردوغان يدرك ما أغفله الغرب بعيون النعامة لعلاقة الإخوان كأصل بـ«داعش» وبالتالي يراهن إما على صفقة مع «داعش» أو بإضعاف وهدم البلدان العربية القوية للتحول إلى ولايات إردوغانية.

التعليقات