كتاب 11

10:53 صباحًا EET

يرحمه الله.. جمع الحُسنيين!

أثبت الدكتور عبدالعزيز حجازى، يرحمه الله، أن الإنسان يمكن أن يكون مسؤولاً كبيراً فى هذا البلد، ثم يكون موضع احترام فى الوقت نفسه.. غير أن هذا الشىء، الذى أثبته الرجل، يظل نادراً للغاية!

وسوف يبقى له أنه خاض معركتين كبيرتين فى حياته، وانتصر فيهما، إلى جانب معارك أخرى بالطبع.

 

كانت معركته الكبرى الأولى، التى توج بها حياته كمسؤول كبير، أنه صار أول رئيس وزراء بعد انتصار 1973، وأنه هو الذى قاد البلد فى اتجاه التحول من اقتصاد القطاع العام، الذى هو بلا صاحب، إلى اقتصاد القطاع الخاص، الذى يظل للمال فيه صاحب، يسأل عنه، وينميه، ويحاسب عليه.

ذلك أن السادات العظيم، حين خرج من حرب 73 مزهواً بما حققه من انتصارات، قد راح يتلفت حوله باحثاً عن رجل يأخذ بالاقتصاد المصرى إلى عبور يتوازى مع عبور الحرب، لينتقل به إلى حيث يجب أن يكون، فلم يجد حوله مَنْ هو أجدر، ولا أكفأ من الدكتور حجازى، فكانت تلك هى الخطوة الأولى نحو اقتصاد وطنى متوازن لا يصرف الأرباح للعاملين فى شركات خاسرة، ولا يتستر – إلى الآن – على قطاع عام، لابد من نسفه، لا بيعه فقط!

كانت تلك هى معركة الدكتور حجازى الأكبر، والأهم، وإن لم تكن الأولى، بحكم أنه كان قد خاض معارك كثيرة قبلها، وزيراً، ونائباً لرئيس الوزراء معاً.

وبطبيعة الحال، كانت هناك ملاحظات على عملية تحول اقتصادى من هذا النوع، وبهذا الحجم، وعلى هذا المستوى.. بل كانت هناك أخطاء.. ولكنها فى النهاية، كأخطاء وملاحظات، تظل واردة، ومتوقعة، بل تظل هى الثمن الذى لابد من دفعه، إذا ما أرادت أن «تفطم» اقتصاد بلد بكامله عن الرضاع، ليصبح اقتصاداً مسؤولاً، إذا جاز التعبير، بدلاً من أن يبقى اقتصاداً قاصراً يعيش فى رعاية الدولة.. ولو أن الذين جاءوا بعد السادات، ثم بعد الدكتور حجازى، قد بنوا على التجربة، فتخلصوا من أخطائها وعيوبها، وأقاموا الجديد فوق مميزاتها، لكنا اليوم، كوضع اقتصادى، فى حال غير الحال!

إننى إذا نسيت فلا أنسى أبداً ما سمعته من الرجل، ذات يوم، من أنه عندما كان وزيراً لخزانة عبدالناصر، ثم رئيساً لوزراء السادات، فإنه كان يضع الإنفاق العام فى قبضته شخصياً، وكانت تلك القبضة، على حد تعبيره دائماً، قبضة حديدية، بحيث لا يجرى صرف مليم.. نعم مليم.. من المال العام، فى غير مكانه!

وإذا كان للمهندس محلب، الذى صلى على الدكتور حجازى، أن يأخذ شيئاً من سيرته، فأرجوه أن يأخذ هذه القبضة، وهى تكفى وتزيد.. إذ لايزال المصريون يشعرون بأن المال العام مال سايب، وأن ضبط إنفاقه العام بجد كفيل بأن يحقق لغلابة هذا الوطن الكثير والكثير جداً.

أما معركته الثانية، التى ختم بها حياته، والتى سوف يلقى وجه ربه، وهو راضٍ عن أنه ختم أيامه بيننا بها، فهى نضاله، رغم أنه كان فى هذه السن المتقدمة، من أجل أن يعيد جامعة النيل لأساتذتها، وطلابها، وأهلها، من مغتصبيها.

أعاد الجامعة، التى كان رئيساً لمجلس أمنائها، ثم جلس ليستريح قليلاً، فمات.. ولكنه، حين ذهب إلى خالقه، كان قد ذهب وهو مرتاح الضمير، لأنه لم يسكت على ظلم ولا على اغتصاب، فى حالة الجامعة، ولم يدخر جهداً، فى حالة رئاسة الوزارة، فى سبيل أن يكون لكل قرش فى المال العام، قدسيته الواجبة.

يرحمه الله.. لقد جمع بين الحسنيين: أن يكون مسؤولاً كبيراً، وأن يكون محترماً فى آن واحد!.. وهو ما لا يتحقق لمسؤولين كثيرين وكبار، يتصورون أن الوجود على الكرسى وحده يمكن أن يجلب الاحترام!.. أى احترام!

التعليقات