كتاب 11

01:03 مساءً EET

قصة إعفاء وزير!

قبل أسبوعين من الآن، ذهب المهندس إبراهيم محلب، رئيس مجلس الوزراء، لافتتاح محطة مياه كبيرة في بلبيس تكلفت 570 مليون جنيه، وتخدم 600 ألف مواطن، وما إن وضع رئيس الوزراء يده على زر الافتتاح حتى تدفقت المياه من كل جانب، فغمرت أرضية المحطة كاملة، وسط دهشة وذهول من الحاضرين!

ولم يكن رئيس الوزراء، والحال هكذا، في حاجة إلى ذكاء كبير لكى يدرك أنه أمام قضية فساد من النوع الثقيل، في عملية إنشاء المحطة، خصوصاً أن عمله، قبل الوزارة، وقبل رئاسة الحكومة، كان قريباً جداً، بل في عمق مثل هذه المحطات والعمليات!

قيل يومها إن رئيس الحكومة قد راح يوبِّخ ويعنف المسؤول عن المحطة، وإنه أعطى رئيس الشركة القابضة مهلة أسبوعاً، ليضع أمامه تقريراً عاجلاً عن حقيقة ما جرى وأسبابه، وأنه كذلك، أي المهندس محلب، قد أمر بتشكيل لجنة في مجلس الوزراء للوقوف على أسرار الموضوع من أوله إلى آخره، وبسرعة!

مر أسبوع، ثم أسبوعان، ودخلنا الأسبوع الثالث، دون أن يكون هناك حس ولا خبر، لا عن المهلة المعطاة لرئيس القابضة، ولا عن تقرير لجنة مجلس الوزراء، ولا عن أي شىء!.. رغم أننا نتحدث عن 570 مليون جنيه في بلد الله وحده أعلم بمدى بؤس فقرائه!

وإلى أن نعرف ماذا بالضبط جرى في محطة مياه بلبيس، وإلى أن نعرف كم بالضبط أيضاً من الـ570 مليوناً تم إنفاقه على المحطة، وكم بالتحديد استقر في جيب هذا، أو في جيب ذاك، فإننى أهدى القصة التالية للمهندس محلب، ثم لكل مسؤول يعنيه أن يقطع بلدنا خطوات إلى الأمام!

ففى نفس التوقيت الذي كان رئيس الوزراء يفتتح فيه المحطة، كانت المغرب تتحدث عن قصة مماثلة تماماً هناك، مع اختلاف جذرى في نهايتها سوف نراه حالاً، وكانت القصة عندهم قد جرت على أرضية ملعب المجمع الرياضى في العاصمة الرباط.

كانت المغرب تستضيف بطولة كأس العالم لأندية كرة القدم، وكانت المباراة على أرضية الملعب تجرى بين فريقين أحدهما مكسيكى والآخر أسترالى، وما إن بدأت المباراة وهطلت الأمطار، حتى امتلأت الأرضية، كأرضية محطة بلبيس، بالمياه، وانطلق العمال يجففون العشب الصناعى بطريقة يدوية، كانت مثار تعليقات واسعة في صحافة العالم، وفى مواقع التواصل الاجتماعى، وصارت العملية شهيرة في أنحاء المغرب، بأنها «فضيحة العشب».

على الفور، أمر الملك محمد السادس بتعليق عمل محمد أوزين، وزير الرياضة والشباب، إلى حين معرفة الحقيقة في القصة كلها!

وتشكلت لجنة من وزراء الداخلية والمالية والاقتصاد، وتبين لها أن فساداً من نوعٍ ما، قد شاب عملية زرع العشب في الملعب، وأن هذا هو السبب!

في هذه الأثناء، كان الوزير محمد أوزين قد أحس بمدى مسؤوليته عما حدث، فطلب من رئيس الحكومة، عبدالإله بن كيران، رفع طلب إلى الملك، بإعفائه كوزير للرياضة والشباب من منصبه!

وفى صباح أمس الأول، قرر الملك إعفاء الوزير، لأنه، كما جاء في تقرير الوزراء الثلاثة، مسؤول مسؤولية سياسية وإدارية مباشرة عن تلك الحكاية التي صارت حديث المغرب كله، ثم حديث الأوساط الرياضية كلها بشكل خاص!

هنا.. نحن أمام قضية فساد، شأن أي قضية في أي بلد، في أنحاء الدنيا، غير أن هناك دولاً تضع المسألة تحت تحقيق جاد وفورى، وتواجه الفساد وتردعه، كما حدث في موضوع أرضية الملعب المغربى، حتى ولو أدى ذلك إلى إعفاء وزير من منصبه فوراً، ثم إن هناك دولاً، في المقابل، تعمل على «الطرمخة» على القضايا التي هي من هذا النوع!

الحكاية بكاملها مهداة إلى المهندس محلب، وإلى كل مسؤول في بلدنا يعنيه أمر المال العام، ولا تعليق آخر عندى!

التعليقات