مصر الكبرى

01:03 مساءً EET

حاتم ندا يكتب : عفوا .. الثوررة ليست مستمرة

دائما ما تساءلت بينى وبين نفسى عن ماهية الثورة ومعناها مقالات ولقاءات لا تنتهى تحدثنا عن الثورة وعبقرية المصريين التى حقيقة لا اراها سوى فى التحمل والتكيف مع القهر وكلما الح السؤال  كلما تحايلت عن مواجهته قد يتعلق هذا برابط شخصى ونفسى عميق يشاركنى فيه كثيرون عبر مشاركة اوحلم كبير واحداث تاريخية كان لى فيها مثل كثيرين نصيب ودور دوما مافتقدناه زمن مبارك الاسود التساؤل مؤلم حقا فبقدر الحلم كان الالم اذ يبدو ان الحلم كان كبيرا لدرجة اعقد من ان يستوعبها عقلى وعقول كثيرون لم يعتادوا على المقاومة والتصدى ولم يقنعوا بثورات كاملة فى تاريخهم من قبل فقد اعتدنا دائما كشعب ان نسلم عقلنا وقلبنا لمن ينوب عنا مكتفين بالاحلام والمشاعر المتناقضة والفعل المتردد دوما .قد يبدو الكلام فلسفيا بعض الشئ لكن أوليست الفلسفة هى اصل التحرر العقلى والاستنارة , هنالك الكثيرون ممن حاولوا تعريف الثورة كما كتب الكثير عن ثورات المصريين وغيرهم من الشعوب لكن وبعيدا عن الاكاديمية والتنظير فاننى اؤمن ان لكل منا حقه فى استخلاص مفاهيمه التى يبنى عليها اراؤه فمن الغبن الارتكان تماما الى اراء السابقين فالشخصنة مطلوبة احيانا خاصة اذا اقترنت برؤية عين وتجربة شخصية لكن بالطبع هنالك اسس ومفاهيم اولية يمكن الوقوف عليها خاصة عند مقارنة الثورات تاريخيا .بالطبع هناك ثورات غيرت مجرى التاريخ فالثورة الفرنسية مثلا  هى النموذج الاساسى قياسا فهى صاحبة السبق والريادة بامتياز والتى اسست لمبادئ حقوق الانسان كما نعرفها الان وهناك الثورة الانجليزية البرلمانية التى دشنت الملكية الدستورية والثورة الامريكية العسكرية التى وضعت مبادئ الدولة الرئاسية الجمهورية  فى شكلها المتواتر كذا ثورات  اخرى هى خليط كالثورة الروسية والصينية بخلاف حركات تحرر ذات صبغة عسكرية كالكوبية وغيرها ايضا كثير وبقدر اكتمال وعى كل شعب بقدراكتمال ثورته وبقدر استحقاقه لثورة لها مكانتها التى يمكن ان تحوز نتائج مؤثرة وعظيمة وبغض النظر عن شعبوية الثورات او عسكريتها وسواء كانت ضد محتل او ضد مستبد داخلى فلكل  شعب ثورته وصبغته الخاصة ويأتى اختلاف الزمن والظروف الدولية بصيغ متعددة لكن الاصل يبقى واحدا.هذا ويتحايل الكثيرون فى تمييع هذا التساؤل والتهرب منه حجة ان لثورات الربيع العربى حالة خاصة جدا و أولية لم تألفها الثورات من قبل فى العصر الحديث كونها تعتمد أليات جديدة مغايرة عما عهدوه من حراك ثورى تقليدى اهمه غياب قيادات خططت واستعدت لذلك الحراك وتوقيتاته الفارقة ومن كونها كانت حركات شعبية جماهيرية ذات عمومية بامتياز أملين ان تكشف السنوات القادمة عن ماهيتها وعن كيفية تبلورها وتصاعدها لكن و بما اننى من المؤمنين بأن العلوم الانسانية قد بلغت نهايتها فى العموميات وان التاريخ يعيد نفسه وان تعددت صيغه المختلفة فاننى  اختلف تماما مع هذا الطرح فالتاريخ دوما يخبرنا بكل الاشياء  فاللشعوب خصائصها وتمايزها الاصيل خاصة الدول والشعوب ذات التاريخ الموغل فى القدم والحضارة عبر خصائص اصيلة تحدد خطوطها العريضة لذا لاجديد تحت شمس العلوم النظرية فتاريخ كل امة يعبر بحق عنها وكأنه يرسم خارطة طريق تحدد جيناتاها الاجتماعية والثقافية , والمدهش وقد اكون مخطئا اننى لم ارى محاولات جادة لتنظير تلك الحركات والغوص فى اعماقها فالكل يتكلم عن القشور فقط وعن ماهية الحالة السياسية الراهنة فقط دونما عمق حقيقى ومازلنا فى انتظار مؤرخين ومفكرين على قدر المستوى والظرف التاريخى الكبير.هنالك نقاط ارى انها مبدئية وتثير الانتباه قد يكون اولها أن الشعب المصرى لم يعرف فى تاريخه الممتد طويلا تلك الثورات المكتملة فقد قامت الكثير جداا من الهبات والتحركات الشعبية الناقصة النمو قد يتجاوز بعضها الخمسون فقط منذ دخول العرب مصر كما كانت هناك هبات اخرى فى عهد الفرس والرومان ,كما تبلورت بها حركة تبدو كاصلاح دينى فى عهد اخناتون اختلف حولها المؤرخون لكنها انتهت بعصر اضمحلال وعلى كل حال فتاريخ المصريين ملئ بالكفاح والهبات الثورية عكس مايعتقد البعض وعكس مايصنفنا الغرب من كوننا تنويعات لما يسمى الاستبداد الشرقى المستسلم للطغيان وهناك محطات جد هامة كثورة البشموريين فى سمنود كذا الثورة ضد الوالى العثمانى وتنصيب الالبانى محمد على واليا وثورات ضد المستعمر الفرنسى الخ وقد حصل المصريون على الكثير من المكاسب الاصلاحية لكنهم ابدا لم يستطيعوا ان يتصدوا لثورة مكتملة و لا اعلم السبب تحديدا لكن كان لثقافة القهر المتواترة دور رئيسى بالطبع كما كان لطبقة رجال الدين هيمنة كبرى فى تقويض تلك الثورات حدث هذا من كهنة امون ضد اخناتون وممن يسموا علماء دين اثناء التمرد ضد المماليك والاتراك ومن على شاكلتهم كما قدم عمر مكرم ورفاقه الملتزمون الاقطاعيون حكم مصر على طبق من ذهب الى محمد على بعد ثورة اخرى كبيرة حتى ثورة عرابى والتى اراها من اعظم حركات التحرر والاستقلال الوطنى رغم مايشوبها من التباسات وتداخلات وقفت لها ثقافة القهر العميقة ورجال الدين الموالسين بالمرصاد ثقافة القهر تلك التى تحول الانسان الى الة مستعبدة ذات خصائص سيكولوجية نفسية منحطة تتجسد اسمى معانيها فى الشعب المصرى المستعبد عبر تاريخه حتى انه عند الغاء قانون جلد الفلاحين عند جمع الضرائب منهم والذى اقره مجلس شورى النواب سابقا بضغوط اوربية تعجب الفلاحين كثيرا وتساؤلوا ساخرين كيف يمكن للجباة تحصيل الضرائب منهم دونما جلدهم بالكرباج ويذكرنى هذا بموقف الكثير من عبيد امريكا الرافضين لقانون الغاء العبودية والمنخرطين فى صفوف جيش الجنوب والمصرين على التمسك بعبوديتهم فى مفارقة تاريخية عجيبة جدااا.حتى ثورة 19 والتى يعتبرها الكثيرون اعظم حركة تحرر مصرية وهى حقا كذلك فلم تكتمل وضلت الطريق مكتفية بكونها حركة اصلاحية كبرى افرزت اهم دستور احتكمت اليه مصر فى العصر الحديث فلم تسفر فى النهاية عن الاستقلال الكامل او اقامة حكم دستوري مكتمل واكتفى قياديوها بمكاسب جزئية فقط على عكس عرابى  الذى اصر على ثورة مكتملة الاصلاحات لم يتسنى لها ان تنتصر  وان كان يحسب له انحيازه الكامل للشعب وفق الظرف التاريخى الدينى وذلك عكس طنطاوى ورفاقه الذين التفوا على الثورة وقوضوها تماما وتلك مفارقة دراماتيكية اخرى تحتاج مقال مستقل  وملغم بذاته ولهذا قصة اخرى.بالاضافة الى هذا يفرض عنصرا اساسيا اخر سطوته على المشهد الثورى الا وهو القوى الكبرى الاستعمارية  اذ يبدو ان قدر مصر ان تحاول التحرر والاستقلال دائما فى الوقت الغير ملائم فدوما كانت التوازنات الدولية حجر عثرة ضد اي حركة تحرر للشعب المصرى وسواء كان هذا التحرر سلطويا نخبويا كمحمد على وعبد الناصر او شعبيا قحا كثورة 19 وثورة  يناير لكن للاسف كان للقوى الكبرى افضلية تاريخية فى وأد حركات تحرر شعوب العالم التالت ويبدو ان هذا التفوق مرتبط بديناميكة تطور التاريخ الاستعمارى الغربى المفصلى  منذ القرن السادس عشر والتى تتطور وتتكيف عبر القرون مقترنة بالتفوق الغربى المادى حتى وصلنا الى استحواذ قوة استعمارية منفردة الى حد كبير على مقدرات النظام العالمى الجديد وذلك للمرة الاولى منذ الامبراطورية الاغريقية هذه القوة الجديدة التى ترفض وبكل قوة اية حركة تحرر او استقلال يمكن ان تؤدى الى تغيير ديمقراطى جذرى يصيب مناطق نفوذها المالى والعسكرى وتلك ايضا قصة دراماتيكية اخرى .نعود مرة اخرى الى حراك الشعب المصرى الان والذى يختلف عن ثورات العالم الكبرى فهى تفتقد قيادات كتلك التى قادت الثورة الفرنسية والثورة الامريكية كما انها تفتقد نخبة اصلاحية قوية وجديدة كنخبة المملكة المتحدة بعد جمهورية كرومويل كما تفتقد القوة المادية الصلبة كالثورة الامريكية والاهم انها تفتقد الوعى الحقيقى بماهييتها واهدافها وهو اهم شرط لنجاح الثورات فالوعى هو وقود الثورة الحقيقى ولا يشترط وعى عموم الجماهير بل يكفى وعى طليعتها الثورية وهى فى الحالة المصرية طليعة جاهلة وبائسة تماما وان لم تفتقد الحماس والتضحيات كما تفتقد الثورة المؤازرة الجماهيرية فى حدها الادنى من الوعى الجماعى والذى كان مبررا فى عهد المخلوع الفاسد والذى لا يمكن تبريره اطلاقا بعد الثورة الا بالعودة مرة اخرى الى سيكولوجية الانسان المقهور الذى تعرض لمجرد حالة افاقة ثم عاد سريعا الى حظيرة التكيف والقهر مرة اخرى وكأن الشعب المصرى مصر تماما على الهروب من الصالحات كفرار السليم من الاجرب .الحراك الشعبى ليس بجديد على ارض المحروسة كما ان تقويض هذا الحراك ليس بجديد ايضا خاصة على طبقة الحكام ممن يفهمون طبيعة الشعب المصرى وسيكولوجية تفكيره جيدا وبصفة عامة تفتقد الثورة المصرية الوعى الكامل باهدافها الاصيلة والتى من المفترض ان اهدافها لا تختلف عن اهداف اية ثورة تاريخية سابقة كما تفتقد الظرف التاريخى المناسب فما زال النفط والغاز فى حوزة اراضيها ولو ان الظرف التاريخى تتضاءل اهميته فى تقويض حراك الشعوب ولا تستطيع اية قوة كبرى ان تسيطر وتقهر ارادة ووعى شعب كامل لكن مع غياب الوعى  يمكن للقوى الكبرى وبكل سهولة ان تقهر وتطوع اى نظام سياسى كائنا من كان طالما يفتقد المشروعية ويركن الى الاستبداد فمع غياب الوعى وسيطرة نظام استبدادى فاشى كما الان فى مصر يكون للهيمنة الدور الابرز للاسف وهو مانراه واضحا تماما الان من سيطرة كاملة على رئيس وجماعته المتدينة سياسيا.الثورة الحقيقية تحتاج الى جموع شعبية قلت او كثرت تمتلك الوعى الكامل باهداف الثورات فاللثورات هدف اصيل وهو الاستيلاء على السلطة وان غاب هذا الهدف فقدت الثورة معنى وجودها وهو مانراه بوضوح فى حركة يناير فالهدف كان متبلورا على اسقاط رأس النظام فقط اما التفكير فى الاستيلاء على السلطة عبر الاطاحة بكامل النظام فلم يكن ذى بال مطلقا لذا نرى حركات ثورية مختلطة قد نجحت فى روسيا والصين فى حين فشلت حركة شعبية كاملة واصيلة فى مصر وياللعجب فالوعى بهدف الاستيلاء على السلطة هو المعيار الفاصل بين النجاح والفشل لذا نرى تحول انقلاب يوليو الى ثورة اجتماعية مكتملة كذا الماوية فى الصين وكذلك روسيا البلشفية اما مصر فرغم الحراك الشعبى وكتلة الجماهير غير المسبوقة لم تكتمل الثورة لغياب الوعى الحقيقى باهدافها ووقعت فى النهاية فريسة اجهزة قمعية امنية سابقة ومن ناحية اخرى فريسة لتيار دينى انتهازى لا يؤمن بالثورة والديمقراطية من الاساس وكل ما يعتنقه هو الاستيلاء على السلطة حينما تتداعى لسبب او لاخر فهم يمتلكون الوعى الكامل للاسف بماهية اهداف الثورة وان اكتفوا فيها بالمشاركة المشبوهة والدور الملتبس المزدوج كاى جاسوس مزدوج الانتماء لا يبغى الا مصلحته المادية فقط.الثورة المصرية شبيهة جدا بالحراك الثورى قبل الخومينى فقد كانت ثورة دون وعى ودون قيادة حقيقية اسفرت فى النهاية الى تقوية الاستبداد السياسى تارة والى تقوية الاستبداد الدينى تارة اخرى كماأ نها شبيهة جدا بثورة المصريين وحصارهم الممتد للوالى العثمانى حتى تم تسليم دفة الثورة الى حاكم اجنبى كمحمد على بغض النظر عن حسناته ودولته الحديثة ودوره التاريخى الكبير .فالثورة ليست شعارات تردد فقط دون وعى وفهم حقيقى لمضمونها ينحرف بمسارها , وغياب الوعى نتاج لمشكلة اساسية الا وهى غياب حركة تنوير مكتملة فالتنوير دائما كان الممهد للثورات ينير لها ظلمات الطريق فنحن للاسف نمتلك نخبة جاهلة وفاسدة فى الاعم منها ابعد ماتكون عن علم حقيقى وفكر ثورى تنويرى حقيقى وهو مانراه حاضرا دائما خذ عندك مثلا الدستور المطروح حاليا نرى اصرار النخبة التافهة على ترديد وتأكيد ماهية المادة الثانية منه والتى تربطه ربطا كاملا بما يسمى الشريعة الالهية وكأننا فى القرون الوسطى والاصرار والالحاح على تأكيدها ونفى اى خلاف عليها بما يزيف وعى الجماهير مرة اخرى عن ماهية الدساتير وفلسفتها الحقيقية فالدستور الديمقراطى المحترم ليس من اسباب وجوده النص على مثل هذه الامور فهو اطار اكبر واشمل واعمق كثيرا من هذا  فهو يهتم بالاساس بتنظيم حياة مجتمعية متحضرة كاملة وسليمة تؤمن المساواة والحقوق للجميع وياللمفارقة فمادة مثل هذه كانت منذ مايقارب القرن من الزمان فى ذيل دستور 23 المجيد ولكن هاهى الان تحوز اجماع الكل بما فيهم مدعو التنوير الزائف والخلاف فقط فى طريقة الصياغة وكأننا نعود الى قرون من الزمان تسبق حركة الاصلاح الدينى العالمية ,وبدلا من المواجهة والنضال التنويرى الحقيقى يلتقون ويتحايلون على وضع نص دينى فى الدستور من اجل مكاسب شخصية مادية بحتة اذا فالنلغى الدستور اذا وكفانا الشريعة عوضا عنه وعوضا عن اى جهد ضائع .لذا نرى اعداء الشعب ممكن التفوا حول عمر سليمان وحول مجالس القمع العسكرى هم من يقودون النضال باسم الثورة السليبة الان ويدعون الثورية الزائفة وكله تحت مسمى التيار المدنى وكل همهم الحصول على منصب او الاضطلاع بدور سياسى ما.لذا اعتقد ان ماحدث ليس بثورة اطلاقا مع مايحمله هذا فى نفسى من ألم وصدمة فالحراك افتقد الوعى بشقيه الضيق فى طليعته الثورية والمتسع فى جموعه الشعبية وتقف ثقافة الشعب المقهور ضد التغيير فى عموم اوجه الحياة  حتى ان عموم الجماهير تقف ضد اخلاقيات ومنجزات حضارة انسانية توافق العالم جميعا عليها كذا لم تستطع الثورة الوصول الى حالة استيلاء كامل او حتى جزئى على السلطة بل مكنت اعداءها من هذا الاستيلاء الكامل عليها مكتفية بالاغانى والمهرجانات القاهرية المبتذله مما اشاع حالة من الميوعة والدلع والفانتازيا الكوميدية المؤلمة لذا وقعت الثورة فريسة كاملة لاعدائها سواء قوة عالمية كبرى او اعوانها العسكريين او اذناب دينية متجددة ويبدو هذا متسقا ايضا مع الحالة المصرية التى دوما تسمى الاشياء بعيدا عن مسمياتها الحقيقية فأنقلاب يوليو مازلنا مصرين على انه ثورة كبرى وهكذا يناير مصممين على انها ثورة اذهلت العالم والغريب ان اكثر الناس تشددا فى التسميات هم اكثر الناس عداوة للثورة فالتحايل والازدواجية سيدة الموقف فالتعدد اصبح زواج والسلب والنهب اصبح  جهاد الخ ما خلقناه من عالم مواز .كذلك ا انتجت الثورة حالة من الاستبداد الداخلى ولم تتخلص من  استبداد القوى الخارجية وهو النتيجة الكاشفة لنجاح الثورات لذا هى بحق ليست ثورة فالثورة تحرر داخلى وخارجى فما بالنا بثورة انتجت استبداد داخلى وخارجى بل واستبداد اذناب وذيول متقزمة للدول الكبرى

التعليقات