كتاب 11

04:22 مساءً EET

«ترابك.. يا وطن»!

اثنان لا أملّهما ولا أتضايق منهما.. التراب ورائحة المطر.. صحيح هناك فارق كبير بين الاثنين.. لكن يبقى التراب برائحة الزعفران.. ويبقى المطر برائحة المسك، حين يختلط بتراب الوطن.. ربما تنظر أنت إلى آثار العواصف، من حيث سقوط الشجر، وآثارها الضارة.. وربما تنظر أيضاً إلى المطر وغرق البلاد فى شبر ميه.. من حقك ترى ما تشاء.. ومن حقى أرى ما أشاء.. أحترم رأيك على كل حال!

كثيرون يسافرون للخارج، ويعودون بلهفة المشتاق.. أول شىء يقبلونه تراب الوطن.. يعدّون الدقائق التى تدخل فيها الطائرة المجال الجوى.. غيرهم يرى أن الوطن ما هو إلا حفنة من تراب عفن.. إلا ترابك يا وطن.. هناك من يقول وماذا استفدنا من الوطن؟.. على إيه يعنى؟.. أنت حر فيما ترى.. أنا أيضاً حرٌّ.. حتى الذين ضايقهم التراب قالوا: بنعشق ترابك يا وطن.. بس مش للدرجة دى والنبى!

المصريون لا ينسون روح الفكاهة، مهما كانت الظروف.. تعاملوا مع التراب، كما تعاملوا مع قنابل الإرهاب.. قالوا الحمد لله عندنا وطن فيه تراب.. غيرنا بلا وطن.. لا يشم رائحة ترابه، ولا يتنسم رائحة مطره أبداً.. لا تظنوها نكتة بايخة.. ولا تظنوها كلاماً فارغاً.. إلى هذا الحد كان التراب مجدداً للإحساس بالوطن.. إلى هذا الحد لم أكن أتصور أن يكون التراب برائحة المسك.. وهكذا تأكدت الآن!

لا نحب الوطن لأنه أعطانا أى شىء.. نحبه لأنه الوطن.. أعرف أن هناك من تأثر بسقوط الشجر.. أعرف أن هناك سيارات تحطمت.. كل هذا كان من الرياح، وليس من التراب.. بيوتنا تعطرت برائحة التراب.. تعايشنا معها.. لم نكنس ولم نمسح.. قلنا موعدنا بعد العاصفة.. تمتعنا برائحة تراب الوطن.. قولوا ما شئتم.. قولوا تخاريف.. قولوا جنون.. هناك من تستغرقه الأشياء.. وهناك من يستمتع بها!

استمتعوا برائحتى التراب والمطر.. جربوا أن تعشقوها.. جربوا أن تتعايشوا معها.. لا تتبرموا لأتفه الأشياء.. لا أقول هذا الكلام، لأنى أريدكم أن تستسلموا.. أبداً.. احمدوا ربنا لأننا نستطيع أن نتعايش معها.. عندنا بيوت وحوائط متينة.. أهلنا فى الأرياف والجبال يعيشون فى خيام.. يعشقون المطر حين ينزل.. بينما نحن نتململ.. غيرنا يصلى الاستسقاء.. أهلنا يقولون: خير.. الإخوان يقولون: غضب ربنا!

لا المطر غضب، ولا التراب غضب.. إنهما رحمة.. هذه العاصفة أعادت إحساسى بتراب الوطن.. المطر أيضاً يسعدنى.. لا أتحدث عن آثار المطر.. لا أتحدث أننا نغرق فى شبر ميه.. هذه مسألة أخرى.. بالمثل لا أتحدث عن تدمير السيارات بسبب العواصف.. أتحدث عن تراب الوطن.. أشمه طرياً.. يوشوشنى عن خصوبة مصر.. يحدثنى أنه باق كما عهدناه.. متوحداً كما ألفناه.. لا يجرؤ عليه عدوٌّ، ولا جاحد!

نعشق الوطن ونعشق ترابه.. لا نقول ذلك من باب الأغانى.. لكنه إحساس مختلف.. لا نكتبه لأننا نشعر بالفراغ.. الفارق بيننا أن هناك من يغرق فى المشكلة، وهناك من ينظر إلى الجانب المضىء فيها.. استمتعوا اليوم بالتراب، وغداً برائحة المطر.. اعتبروهما نعمة، وليس غضباً سماوياً.. على طريقة الإخوان!

التعليقات