مصر الكبرى

10:38 صباحًا EET

حسبوه موسى!

ليس من الضرورة أن يتطور الوضع المصري إلى ما رسمه المبدع عز الدين شكري فشير، في روايته «باب الخروج»، حيث توقع أن تعم الفوضى مصر لفترة تتجاوز العشر سنوات بعد أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، تتلوها سلسلة من الانقلابات والتحالفات غير المستقرة، إلا أن سير تسلسل الرواية الخيالي حتى الساعة ينطبق على أحداث الأرض المصرية؛ فوضى وفراغ سياسي، وخلو من توجهات سياسية حصيفة، تخرج مصر مما هي فيه من عدم يقين مزمن ونفق يبدو أن لا نهاية قريبة له.

ليس سرا أن جماعة الإخوان المسلمين تفتقد الكثير من الخبرة لممارسة السياسة العملية، ولديها قصور عن امتلاك تحليل سياسي مواكب لعالم حديث تغيرت فيه معطيات ضخمة وعميقة منذ أن بدأ الشيخ حسن البنا مخطوطاته الأولى في الدعوة ورسم المسار، وليس سرا أن التنظيم كان وما زال تنظيما حديديا أساسه الطاعة، يدرب أفراده خير تدريب لمقاومة الأمر القائم، ولكن يفتقد التدريب لإدارة الدولة.
التنظيم الحديدي عادة ما ينتهي إلى إخراج المبدعين من صفوفه، لأن المبدع يتساءل ويعلق على الحدث ويريد أن يُقنع بالعقل لا بالأوامر غير المنطقية، وينتهي التنظيم بمجموعة ظل صغيرة تقود، ولا يعرف أحد – خارج المجموعة الضيقة – وجوه تلك المجموعة التي يتبعها، وجمهور مطيع ينفذ الأوامر، فيفقد التنظيم الكفاءات من جهة، ويتقوقع حول مقولات قد تغري البسطاء ولكنها لا تقنع إلا السذج.
لقد دأب الإخوان – مثلهم مثل أي تنظيم حديدي – في عالمنا العربي، أو حتى في العالم، على التمركز حول الذات «الإخوانية»، طاعة مطلقة، وثقة مطلقة في القيادة، وتربى الإخواني – مرة أخرى كما يتربى كل منضم إلى تنظيم حديدي – على أنه وجماعته على حق مطلق، وأن الآخرين على باطل مطلق. ويعرف من تابع هذا التنظيم أن الإخوان في مصر يشيرون إلى أن المخالف لتوجهاتهم «مخه ضارب»! أخف من التكفير والتخوين، ولكنه اتهام في سلامة العقل!
تطور الأحداث في مصر في الشهور السابقة من سيئ إلى أسوأ، بسبب القراءة الخاطئة لواقع متغير، حيث إن انتخاب السيد محمد مرسي كرئيس تدخل في إنجازه على الأقل ثلاث شرائح من الشعب المصري: الأولى من كان مع الإخوان مطيعا منفذا، والثانية من كان يأمل بهم خيرا فسار معهم، والثالثة هي شريحة من صوّت لمرسي نكاية بالبديل الذي رآه أكثر شرا من مرسي. واضح أن الشريحتين الأخيرتين (الثانية والثالثة) بدأتا تضيقان بما يحدث، وعزمتا على التخلي عن المساندة، من كان يأمل وصل أمله إلى طريق مسدود، ومن كان ضد انتهى الضد واختفى من الصورة، فقط من بقي هم أهل النصرة، أهل الطاعة في المنشط والمكره. هؤلاء يسمون في العصر الحديث «ميليشيات» وهم ليسوا كل مصر.
عصر مبارك وما قبله كان يستخدم ضد مناوئيه السياسيين أدوات الدولة مثل الشرطة بأنواعها ومؤسسات الرقابة والقمع بأنواعها، الجديد إضافة الميليشيات، هي لم تعرف إلا قليلا في بلادنا العربية مثل لبنان، إلا أن صيتها ذاع إبان الرايخ الثالث في ألمانيا عند صعود أدولف هتلر وبقائه في الحكم من خلال النازية، وعند الفاشية في إيطاليا عند صعوده، وأثناء حكم الدوتشه ببنيتو موسيليني!
الخيار الذي تعرفه مثل هذه التنظيمات هو مقابلة الرفض برفض آخر شعبي، ولديهم شعور حقيقي بأن الناس لا يريدون «الإصلاح» كما يعتقدونه، فهم أولو مهمة قدرية مقدسة، ومن يقاومهم يعني أنه يقاوم «الإسلام»، وهو «مفسد» لا محالة! وانتقال السياسي إلى عقيدي – وهو شر مستطير – يؤدي في النهاية إلى استبداد. القصد النهائي للمهمة المقدسة هو تمكين الجماعة من الحكم، وأخذ الجميع إلى مكان كانت وما زالت الجماعة تعتقد أنه خير مطلق.. الخلافة، متوسمين فكرا معتمدا على أن «الضرورات تبيح المحظورات»!
ظللنا كثيرا نعبر عن الحركات السياسية ذات الاتكاء التراثي بربطها بالإسلام، وكان ذلك خطأ فادحا في المنهج شوش كثيرين، فهؤلاء لهم اجتهاد سياسي وهم «مسلمون» وليس بالضرورة يمثلون الإسلام، أو أنهم على حق مطلق، وآن الوقت لفك المفهومين عن بعضهما؛ «إسلام» وهو دين الأغلبية، و«اجتهاد سياسي» لفريق من المسلمين قد يصح وقد يخطئ، بدليل أن لدينا أكثر من اجتهاد من إخوان وسلف، وما بينهما مختلفون وربما متصارعون. إنها السياسة والاجتهاد، لا الدين!
الاستعجال وعدم بناء توافقات واسعة كان متوقعا من هذا التيار في مصر وغيرها، لأسباب ذاتية وموضوعية بادية للعيان. الخطأ في التحليل قاد إلى أخطاء في التنفيذ، سواء من قِبل من جاراهم في أمل أو من ساندهم للضد من آخرين، أو ربما تدخل نفس انتهازي في بعض مناصريهم، فرض في البدء منظومة إقناع للدعم سرعان ما تفككت.
واضح أن فقدان القدرة على الإدارة الحديثة ظهر في مسلسل الأزمة منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات في مصر، قرارات تصدر ثم تحت الضغط يتراجع عنها، ربما كان كل ذلك عائدا لمجموعة من الأسباب؛ أولها أن من يحكم هو ظل لآخرين وليس قوة بحد ذاتها، فهناك في المقعد الخلفي من له حق الأمر والنهي، وما على السائق إلا الطاعة، وهناك تصارع إدارات في الحكم، يقود من خطأ إلى خطأ أفدح والتراجع عنه بعد حين، حتى يتآكل رصيد السائق الشخصي، فيأتي من هو في القوة الحقيقية القابض على القرار، أو ربما قصورا في كفاءة غير موجودة للحكم أو كلا العاملين معا.
ربما هناك «رئاسة ظل» كما هي «حكومة ظل» ولكنه ظل يتصف بكونه مجموعة أشباح لها سلطة ولكن ليس عليها مسؤولية، كل ذلك وارد.
في قراءة التوقيت والطريقة التي تتخذ فيها القرارات ودفع الناس للصدام بين بعضهم البعض، إشارة إلى أن بعض الظل يرغب في تعقيد الأمور للقفز على السلطة، حين تنضج الثمرة ويسعى إلى الحكم المطلق ليحقق مثله الأعلى الذي يراه أنه الحق ولا حق غيره.. الخلافة.
العجب وليس العجيب أن المقولات التي يتبناها مناصرو الحكم في مصر اليوم دفعت بمعارضيهم إلى أن يشوهوا سمعتهم، وهي تماثل بالضبط نفس المقولات التي كان يتبناها النظام السابق، تطابقا في المفاهيم والمفردات، فهناك طرف ثالث خارجي يدفع بالأزمة إلى التفاقم، وهناك مندسون أيضا ومشترون بالمال الذي تملكه «فلول مبارك» بل وفي تعميق تشويه قادة المعارضة المصرية، كونهم إما فلولا أو مرتشين، في تكتيك معروف للحط من القيادة، وعند فقدان القيادة يمكن الاستفراد بالجماعات الأخرى، كونها أفرادا لا قيادة لها، كل ذلك مع تناسي أو تجاهل أدوات العمل السياسي، فكل مشكلة يمكن حلها «في حالة مبارك» بالأمن، وفي حال الإخوان بالميليشيات معززة ببعض الأمن الذي تملكه الدولة. إن النجار الذي لا يملك في صندوق أدواته غير المطرقة تظهر له أن كل مشكلة هي مسمار يجب طرقه! لقد توقع البعض أن موسى المنقذ سوف يأتي ثم اتضح أنه عكس ذلك!!
آخر الكلام:
عدد من المثقفين المصريين تبين لهم الآن أن انتصارهم للسيد محمد مرسي كان خطأ، هم في الواقع يقدمون للمتابعين شكوكا حقيقية في قدرتهم على الحكم على الأشياء، كأن بصرهم مفتوح، وبصيرتهم مغلقة.

التعليقات