كتاب 11

08:57 صباحًا EET

لا توجد معركة فاصلة!

فيما عدا استثناءات قليلة فإن الفكر الغالب على القادة العسكريين في الحروب كان البحث عن معركة فاصلة يتم فيها هزيمة الخصم بطريقة ساحقة بحيث يكون جاهزا للاستسلام والاستباحة.

التاريخ القديم في منطقة الشرق الأوسط شهد الامتداد المصري حتى العراق، كما شهد الامتداد العكسي للقبائل السامية حتى أخذت شمال مصر الفرعونية. فيما بعد ساد عصر الإمبراطوريات الكونية التي بدأها الفرس، ومن بعدهم جاء الإسكندر الأكبر، وأخذ الأمر كله اسم الخلافة سواء كانت عاصمتها دمشق أو بغداد أو القاهرة أو إسطنبول. في كل هذا التاريخ حتى وصلنا إلى نابليون بونابرت الفرنسي الذي أخذ علم الثورة الفرنسية شرقا حتى موسكو، كان الحدث التاريخي يعتمد في معظم الأحوال على معركة فاصلة أو سلسلة من المعارك الفاصلة التي تحسم الأمر في ميادين القتال.

كلاوزوفيتس عدل الفكر العسكري قليلا حينما جعل «السياسة» جزءا من المعركة القتالية بأن صارت الحرب بوسائل أخرى، ولكن ليدل هارت كان هو الذي جعل الحرب والصراع أشمل وأكبر من معركة فاصلة وحاسمة. باتت الحرب عمليات متعددة من «القضم» العسكري المصاحب بتأكّل القدرة النفسية والمعنوية للخصم أو الخصوم، وفي هذه الحالة فإن «العملية السياسية» ليست النقيض للعملية العسكرية بل هي في قلبها.

فقط في الحرب العالمية الثانية فإن العمليات العسكرية الفاصلة كانت جزءا مهما من هزيمة المحور، ولكن ربما لأول مرة في التاريخ فإن الهزيمة لم تكن لألمانيا وإيطاليا واليابان فقط، وإنما كانت الهزيمة للفاشية التي كانت نظرة للنظام العالمي، والوجود الإنساني، وأسلوبا للحياة وممارسة السياسة. ولكن الهزيمة هذه المرة لم تنته لما انتهت إليه الأمور في الحرب العالمية الأولى؛ فقد باتت جزءا من إعادة تشكيل النظام الإقليمي في أوروبا، والنظام العالمي بإنشاء الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها. وعندما نشبت الحرب مرة أخرى بين الغرب من ناحية والكتلة الشيوعية من ناحية أخرى، كانت باردة لأن المعركة الفاصلة باتت مستحيلة، وحتى عندما انهار الاتحاد السوفياتي كلية، فإن ذلك حدث دون إطلاق طلقة واحدة. لم تكن هناك معركة فاصلة في أكبر حرب عرفها التاريخ، وصدق ليدل هارت في استراتيجية الاقتراب غير المباشر، حتى قبل عقود كثيرة من الحديث عن الجيل الرابع من الحروب.

هذا الحديث ليس نظريا بالمرة، ولا هو استعراض لتاريخ الاستراتيجية العسكرية، وإنما هو وضع الحرب الدائرة الآن في اليمن في حجمها الصحيح، ووفق تطوراتها الواضحة. ببساطة هناك عجلة كبيرة في البحث عن المعركة الفاصلة، وهناك توجّس من حركة القتال على الأرض، وهناك شبق للبحث عن نهاية للأوضاع القائمة. الغائب هنا دائما أن الحرب في اليمن هي حرب في مسرح عمليات واحد، بينما الواقع أن الحرب جارية في مسارح متعددة للعمليات ممتدة من باكستان شرقا حتى المغرب غربا، ومن الحدود التركية السورية شمالا حتى القرن الأفريقي وكينيا ونيجيريا والصحراء الأفريقية جنوبا. الأطراف العربية المشاركة في حرب اليمن تشارك في حرب العراق وسوريا، وسيناء في مصر، وليبيا. وهي حرب ليست ممتدة جغرافيا فقط، ولكنها أيضا ممتدة زمنيا، فالحرب في سوريا بلغت أربع سنوات، والحرب في ليبيا ثلاث، والحقيقة أن الحرب في اليمن كانت جارية منذ زمن سابق على «عاصفة الحزم».

أردنا أم لم نرد فإن الحرب بدأت منذ أتت «الفاشية الدينية» مستندة إلى دين أو مذهب أو طائفة إلى المنطقة. ورغم أن لها جذورا قديمة وعميقة في التاريخ العربي والإسلامي، تماما كما كانت الفاشية الغربية عميقة الجذور في التاريخ الغربي والمسيحي، فإن الثورة الإيرانية كانت هي التي جسدت الفكرة في دولة، ومن بعدها جاء نصر طالبان و«القاعدة» في أفغانستان الذي جعل الرسالة ممتدة إلى إقليم الشرق الأوسط الكبير. ولكن «الربيع العربي» كان هو الذي فتح الباب على مصراعيه في الكثير من الدول العربية، وطرق بشدة على أبواب دول أخرى لم تقبل الخديعة، وكان هناك من بحث عن تبرير، ومن حاول «الاستيعاب» لعل وعسى يكون هناك «معتدلون». ولم يكن ذلك مخالفا لأعراف تاريخية، فقد احتاج الأمر إلى وقت غير قليل حتى يجري استيعاب خطورة الأمر، وما حدث في أوروبا بين عامي 1933 و1939 أخذ أشكالا من الاعتذار للفاشية عما جرى لألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وعندما وقع تشيمبرلين اتفاقية «التهدئة» مع هتلر كان يوقع على وثيقة للقبول بالفاشية ضمن حدودها. ولكن الفاشية أيا كانت نوعيتها، عنصرية كانت أو شيوعية أو دينية، لا تعرف إلا التوسع والعمل على خضوع الآخرين، خاصة هؤلاء المنتمين إلى نفس الدين والمذهب قبل هؤلاء المنتمين إلى أديان ومذاهب وآيديولوجيات أخرى.
كشف حساب السنوات الماضية من الحرب مبشر حتى مع الثمن الكبير المدفوع، فقد صمدت الملكيات صمودا مدهشا، وجرى إنقاذ مصر من حكم الإخوان، ومن بعدها جرت مواجهة كبرى تشهد الشهور الأولى من العام الحالي على تقلصها، كما جاء في التقرير الذي أعده الباحث أحمد البحيري في المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة حول العنف والإرهاب منذ بداية يناير (كانون الثاني) حتى نهاية أبريل (نيسان) 2015. ولم يكن ذلك فوزا في معركة فقط، وإنما إضافة في نفس الوقت للحرب ضد الفاشية في جبهات أخرى (اليمن وليبيا). وفي سوريا فإن موازين الحرب تتغير في غير صالح النظام السوري، وتنظيم داعش الدموي. وبشكل كبير استعادت الدولة النيجيرية قدراتها وبدأت إمارة «بوكو حرام» في التراجع، ومعها جرت عمليات ضبط الحدود في الجزائر وتونس والمغرب. وبالتأكيد فإن الحرب لم تنته بعد، أو حتى أنها على وشك الانتهاء، وإنما هي عملية مستمرة فيها عمليات عسكرية، وتحقيق صمود سياسي واقتصادي، وعملية سياسية تفتح أبوابا وتغلق أخرى حسب حركة الخصوم ومن معهم الحلفاء.

الأمر المهم هنا أن الطرف الفاشي ليس ساكنا، وكلما اشتدت سخونة الموقف، فإنه سوف يسعى لعمليات انتحارية بالمعنى الاستراتيجي للكلمة تتضمن احتمالات الضرب في مناطق حساسة اقتصاديا أو سياسيا، أو تحاول التوريط في نزف دماء ممتد كما حدث في نجران. ولا توجد نية هنا لإدارة عمليات معقدة على طريقة «جنرالات المقاهي (التلفزيونات في هذه المرحلة)»، وإنما وضع الأمور كلها في إطار الخبرة التاريخية. والحقيقة أن التاريخ الذي نشهده الآن قد يكون جديدا ويحتاج إلى المزيد من الجهد والاجتهاد، ولكنه تاريخ سوف تتحدد فيه مصائر الشعوب العربية خلال القرن الحالي.

التعليقات