مصر الكبرى

08:02 صباحًا EET

إبراهيم القاضي يكتب : موعد مع الرئيس (قصة قصيرة)

يشهد اليوم لقاء هاما مرتقبا, يجمع بين محروس بيه الملياردير الشهير  و السيد الرئيس ، هذا هو الخبر الرئيسى فى كل النشرات الإخبارية ، يتصدر العناوين الرئيسية لكبريات الصحف ,و وكالات الأنباء العالمية ، و على ألسنة المواطنين و المواطنات فى المزارع و المصانع و المدارس و الشركات و فى نوادى أولاد الذوات و نوادى الفقراء و فى المقاهى , القلوب معلقة  و العيون شاخصة  أمام التلفاز ،قبل محروس لقاء الرئيس على مضض ، فليس لديه من الاوقات ما يضيعها فى ثرثرات تافهة ، وقته الثمين مقسم بين المصانع الأربعة ، مصنع السكر ، مصنع الحديد ، مصنع الالبان ، مصنع السيراميك ، الوقت لديه من ذهب.لا ليس من الذهب ,بل من الماس ,يزيد رصيده فى البنوك مع كل رمشة عين و انتباهتها  , لكن حب محروس للبلد اضطره لقبول اللقاء المرتقب ،  رغم أعماله الكثيرة ،نادى على الخادمة الروسية الفاتنة ذات السيقان الطويلة العارية و الجسد المتناسق و الصدر البارز قليلا, كأنه يعزف سيمفونية رائعة مع الخصر و الرقبة

    احضرى ملابسى
ردت الخادمة الفارعة ذات الشعر الاصفر مثل لون الذهب و الجسد الممشوق كغصن البان
    أي البذلات سيدى ترتدى ؟
رد محروس غير مكترث
    أقل البذلات لدى ، فأنا على موعد عادى
على الفور احضرت الخادمة البذلة القديمة ،التى اشتراها محروس منذ أقل من شهر من باريس بعشرة الاف يورو, و لم تعجبه ،لكن لا ضير ، ارتدى محروس بيه بذلته, وأمرت سكرتيرته الخاصة السائق ، أن يحضر أقل السيارات قيمة ، تلك التى اشتراها محروس بمليون جنيه فقط ،يخشى محروس بيه من الحسد ،احضر السائق الخاص السيارة , ووقف أمام القصر الفخم ,الذى اشتراه محروس منذ أسبوعين فقط بخمسين مليون جنيه، مسكين محروس بيه ,لا يسكن قصرا سوى شهرين ،فتح الخادم باب السيارة ,و أغلق السائق الباب ، و جلس محروس بيه على مقعده الخلفى ، ينفث سيجاره الكوبى الفاخر،و فتح السائق الراديو ، و بصوت ناعم أنثوى رقيقسألت المذيعة فى الراديوالضيف ، كان محللا استراتيجيا واقتصاديا خبيرا
    ما رأيك يا سيادة المحلل فى لقاء محروس بيه بالسيد الرئيس ؟
رد المحلل مهللا
    لقاء تاريخى لا محال ، فيه تقدم للبلاد ، و فيه بشرى للعباد .
استمع محروس ,و هو ينفث سيجاره. صاح فى السائق غاضبا ، اسرع أيها الوغد الوضيع ,لننتهى من ذلك اللقاء الثقيل .
وصل محروس بيه الى قصر الرئاسة , حالة الطوارىء معلنة فى  القصر, الجو مكهرب ,و الجميع يهرولون ناحية سيارة محروس  , ينتظره رئيس الوزراء مع لفيف من الوزراء و القيادات, فتح رئيس الوزراء باب السيارة لمحروس بيه ، و قال له مرحبا بابتسامة عريضة ملئت وجهه المجعد، و اظهرت فمه الواسع و أسنانه السوداء المتباعدة
    يا ألف أهلا ..يا ألف سهلا بالضيف الكريم .. السيد      الرئيس فى انتظارك على أحر من الجمر, فلنذهب اليه سويا .
نظر محروس بيه لرئيس الوزراء نظرة متعالية متفحصة ,و ناولته السكرتيرة الحسناء السيجار , أشعلها له رئيس الوزراء ،و سأله محروس بيه
    أين رئيسك يا هذا ؟
رد السيد رئيس الوزراء صاغرا  منحنيا
    ينتظرك بلهفة العشاق
    إذن لنصعد حتى نلقاه ،فليس لدينا وقت
وقف السيد رئيس الوزراء أمام سلم القصر منحنيا, و أشار بيديه لمحروس بيه ليصعد ..
كان سيادة الرئيس بداخل القصر, و الكاميرات فى الخارج تلاحق الضيف الهام ,و مراسلى القنوات الإخبارية و وكالات الانباء يتسابقون فى أخذ صورة للضيف المهم ،و يا حبذا لو ألقى كلمة بتلك المناسبة …
فى تلك اللحظات التاريخية المشهودة فى تاريخ الوطن يدخل محروس بيه القصر ، فليتوقف الزمان ،و لتكف الارض عن الدوران ،و لتغرد الطيور فى السماء لتعزف أعذب الالحان ،و لترقص الأجنة فى بطون أمهاتهم فرحا ، و ليحزن الاعداء ، محروس بيه الملياردير الشهيرفى ضيافة السيد الرئيس ..هكذا وصفت مراسلة التليفزيون الحكومى من أمام القصر، تلك اللحظات المجيدة . هرول سيادة الرئيس ناحيته مصافحا و السعادة تبدو  على وجهه ,و قال مرحبا
    يا مرحبا يا مرحبا محروس بيه أيها الوطنى العظيم
رد محروس بيه
    أهلا بك.. دعنا ندخل فى موضوعنا ،فليس لدينا من أوقات نضيعها فى الترحيبات .
رد الرئيس متلعثما و قد بدا عليه الخجل
    إذن تفضل يا أخى بالجلوس .. ثم نادى رئيس الديوان
    يا رئيس الديوان ،أغلق علينا الباب ،فحديثنا خاص ذو شجون ،و الحديث مع محروس بيه قد يطول، و لا ينبغى أن يصل الى مسامع المراسليين
أغلق الباب ،و قال محروس بيه ،وهو يضع ساقا فوق ساق ، فى مواجهته يجلس رئيس البلاد ،و اضعا يديه على فخذيه كطفل مذنب يخاف تعذيب أبويه
    ادخل فى الموضوع سيادة الرئيس
رد الرئيس متهتها محمر الوجه مطاطىء الرأس
    محروس بيه أيها الوطنى العظيم ،يا صاحب العطاء الوفير ، نسألك لوطنك بعض الاموال ، نسد بها الدائنين .
رد محروس بيه ,ملوحا بيديه ناحية الرئيس مبديا عدم إكتراث
    كم يكفيك ؟
رد الرئيس مبتسما كأن الروح عادت اليه من الجديد
    بضع مليارات قليلة
رد محروس بيه بعد نفث عميق
    إذن فلتصنعوا لى تمثالا فى الميدان ، يكتب عليه ، محروس بيه أمير هذا الزمان ، حامى البلاد و العباد من الإفلاس
هز الرئيس رأسه بسرعة موافقا مبتسما وقال
    أوامرك مطاعة محروس بيه ،أيها الوطنى العظيم
نادى محروس بيه على السكرتيرة
    اعطينى دفتر الشيكات
وقف الرئيس ،و اندفع ناحية محروس بيه ،مقبلا إياه و مشعلا سيجارمحروس بيه ،الذى اطفئه انشغاله فى الحديث مع الرئيس و قال له ممتنا
    كنا نراهن على وطنيتك الكبيرة، و لم يخذلنا كرمك وحسن عطائك
أقام الرئيس و محروس بيه حفل توقيع على الشيكات ،التى منح بمقتضاها السيد / محروس بيه سعيد الحافى بضع مليارات , أذيع الحفل على الهواء ، و تعالت الزغاريد فى البيوت و الدعوات لمحروس بيه الحافى , و تسابق المصورون على التقاط الصور لمحروس بيه، و هو يوقع على الشيك و الرئيس يزاحمهم، و هو يهندم بذلته مبتسما ,لكى ينال شرف التصوير بجوار محروس بيه .
تنفس الفجر ,و ولد النهار من رحم ليلة طويلة مظلمة باردة , نهضت فوزية من نومها،  تمطعت حتى كاد السرير يسقط ,  فركت عيناها, وفتحت شباك غرفتهما الوحيدة ، اخترقت أشعة الشمس ظلمة الغرفة الكئيبة ، فهلل الاطفال العشرة , لكنها سرعان ما أغلقت الشباك فزعة , بعد سماعها دبيب أقدام صاحب الغرفة جاء ليطلب الايجار المتراكم , ثم وكزت محروس الغارق فى نومه مبتسما ,دارت فى رأسها الظنون ،خائن هكذا حدثت نفسها ، لقد ضبطته متلبسا بابتسامة ,لم تراها منذ زواجها منه  ، اذن فهو يخونها مع اخرى فى منامه ، أكيد سعيد معها فى حلمه ، خائن ليس له أمان  
    انهض أيها المزغود , لقد أتى صاحب الغرفة يطلب الايجار , و العيال يطلبون إفطارا
استيقظ محروس من نومه فزعا, يتثائب وقال
    يا فتاح يا عليم , الا أيتها البغيضة الدميمة ,التى تشبه الفيل الافريقى ، أصبحت من الان محروس بيه أيتها الرقطاء .
جحظت عيناها ، و تسربت الدماء من عروقها ،و وضعت يدها على قلبها ,و قالت خائفة مرتجفة
    محروس ما بك ؟؟هل مسك الجن ؟؟ثم وضعت يديها الغليظتان على جبهته ,و قالت باكية
    ألم أقل لك تغطى قبل أن تنام ، حرارتك فى إرتفاع ، من أين نأتى لك بطبيب ؟؟ و نحن نبيت دون عشاء ,وأطفالك يبكون جوعا .
رد محروس
    ساوقع لك على شيك ، و سأسدد الدين ، و سيأكل الاطفال بهذا الحلم الجميل
ردت و هى تخبط بيديها على صدرها, حتى اهترت جدران الغرفة القديمة المتهالكة
    و أنا !؟
رد محروس
سأطلقك أيتها الدميمة البغيضة، و سأتزوج أحدى نجمات السيما .
إبراهيم القاضى..روائى و قاص شاب..صدرت له اول رواية مطبوعة فى 2012 بإسم "القرية "

التعليقات