مصر الكبرى

04:27 صباحًا EET

هؤلاء الطفيليون في الأدوار العليــا لمــــصر

ولا اتحدث عن الاخوان المسلمين لأن صدري قد ضاق بهم ولم يعد لدي جديدا أضيفه عنهم وما بقي في جعبتي تجاههم سوى مراقبة المصري التراثية ذات اليد القصيرة والغضب الحبيس واحباط المدركين لمرارة القائم وخطـورة القادم

انــما أتحدث عن ملامح السنوات الثمانين الأخيرة من مائتي عام من عمر مصر مرت بعد خروج الفرنسيين في 1801 حتى الآن …ملامح الثمانين عاما والتي تكاد تكون عمر جماعة الإخوان المسلمين منذ أنشأها حسن البنا في أبريل 1932 أو منذ أنشأ جمعيتها التأسيسية في 1941، -فلن نختلف على بضع سنوات – تكاد تكون ملامح حقبة مستقلة في حياة مصر
لا أتحدث عن جماعة الإخوان المسلمين، وقد احتلت هذه الجماعة مكانا بارزا في المجتمع المصري حيث نمت في عجالة واينعت كثيرا عندما ولدت حتى أصبح معظم الشباب في حقبة الثلاثينيات وما تلاها اخوانا يدفعون رسم اشتراك العضوية الصغير وينفقون أوقاتهم في نشاطات الجماعة تحت راية الإسلام. الذي بدا فقيدا عند ميلاد الجماعة.
ربما حدث هذا لأن الإسلام كان عنوانا بليغا لدعوة عبقرية من أجل ممارسة الحياة كما أمر بها الله وربما لأن الجماعة منحت لهؤلاء المصريين الصغار ماديا وعمريا فرصة الانتماء الى كيان يمنحهم متعة ترضيهم وشخصية اعتبارية تجمعهم لتعزز الايمان في قلوبهم بعيدا من مساوئ المجتمع المصري في تلك الحقبة التي كانت بحق بائسة تعسة تلت الحرب العالمية الأولى ثم دخلت بمصر الى أزمة الاقتصاد العالمي الضخمة ثم في الحرب الثانية خلال أعوام قليلة لم تسمح لهذا المجتمع الذي كان يشعر باليتم والهزيمة بعد انهيار الباب العالي رسميا في الحرب الأولى -لم تسمح له – بالتعافي أو البحث عن هوية بديلة تحل محل الأب العثماني الذي اعتادوا هيمنته لستة قرون من الحكم المباشر وغير المباشر، كما أن الحرب العالمية الأولى وما تلاها كانت تظلل مجتمع المدن المصرية (وهو المجتمع الذي شهد ميلاد ونمو جماعة الاخوان المسلمين) بمفاسد الجنود الانجليز والجاليات الأوروبية وأماكن لهوهم وعربدتهم وهو الذي كان له بلا شك بالغ الأثر السلبي في نفوس العامة المصريين من المسلمين وشجع كثيرا على سرعة نمو الجماعة وانتشارها
أتحدث عن السلطة ، عن هؤلاء الذين يحكمون من الأدوار العليا للقلعة وقد كان آخرهم الاخوان المسلمين
وكانوا جميعا يتحدثون عن الشعب وباسمه والشعب لا يقبل منهم ولا يذر …لا يطيع ولا يرفض …الشعب ينقسم طوال الوقت ما بين الجميع وكثيرون محايدون لأنهم بلا يقين أو مكسب يدفعهم لخوض غمار النضال الرسمي المعلن أو النضال الخاص في السر
كان في سدة السلطة ملك ثم عسكر ثم اخوان
ودائما كان خلف كرسي العرش في مكان ما من السلطة أحزاب ثم اتحاد اشتراكي في مرحلة لاحقة ثم أحزاب أخرى من جديد انضمت اليها بعد الثورة قوى سياسية صاعدة معظمها جاء حلالا أو سفاحا من أرحام وجدت قبل الثورة وهناك مكان ما في الظل مكان غريب به متحركون لهم ثقل لا يتبعون أحد ولا ينفصلون عن أحد
صعد سلسال الملك الى قمة الأدوار العليا ..الى عرش مصر بعد ان ثار الشعب وجال وطرد الفرنسيين او شارك في طردهم من أرض مصر وحررها وكان حريا به أن يملأ قصور الحكم من رجاله لكن هذا لم يحدث واستولت الطغم المنظمة على مقاليد الصراع على الحكم وهي فلول المماليك وذيول الخليفة العثماني ..تاه رجال الشعب ما بين مناصر لحكم الخليفة الذي هو ظل الإسلام وحكم المماليك وعصاباتهم وهم أصحاب السيف والبارود التقليديون وعلى البعد البعيد قلة ظلت على مطلبها الذي هو عمر مكرم الشيخ الذي يمثل الأزهرية كنخبة وحيدة لها سمت العلماء وجذور في أراض الفلاحين والعربان وفقراء المدن ..المكونات الحقيقية للشعب وقامت بدفع كل الدين وسداد كل الفواتير من اجل الخلاص من الفرنسيين …تولى محمد علي ثم مرت الأيام وتحول الوالي الى ملك والحاشية الى أحزاب وارباب مصالح وبقي الشعب تحت حوائط القلعة يلعق أفراده حياتهم اليومية الفقيرة كما كانوا يفعلون من قبل
لكن مع مرور الأيام وضياع الباب العالي وتحت ضغوط الفراغ والحاح التطور الاجتماعي القادم من الغرب أضطر الملك او الاستعمار الى ايجادهم أو صنعهم ..وربما بشراكة فعالة من حال الناس البائس… أوجدوا "جماعة الاخوان المسلمين" كبديل أو معادل إسلامي للأيتام المسلمين على أرض المحروسة.
الاخوان كانوا الجماعة التي على عهد الولاء المعلن المنقوص في سرائرهم للملك والمشاركة المعلنة المنقوصة مع الشعب في دينهم وخط شارد شريد لهم وحدهم في الحرب ضد إسرائيل غبر مبالين بدولة أو حكم أو جيش فهم يرون في أنفسهم أمة وحدهم وجماعة وحيدة للمسلمين منها ستنشأ الخلافة من جديد وبها ستعيش كانوا يرون في أنفسهم منذ نشأتهم الأولى قامة تفوق قامة الشعب وقامة الملك وقامة الجيش لكنهم أسرو هذا في أنفسهم رغم ان تاريخهم يفضحهم بما قطع أنفاس أكاذيبهم وتلفيقاتهم لتبريره وتفسيره …الاخوان هم بلاط الملك في الظل البلاط الذي صنع ليكون معادلا لميزان الأحزاب والانجليز والحاشية العلنية لكي يستتب الحكم ويستقر وكذلك لكي يمهد خيال الشعب من أجل استعادة الأمجاد التليدة ويحرث وجدانهم لكي يتقبلوا التضحيات والخسارة والقهر من أجل الحصاد السياسي القادم في الدنيا والآخرة
وعندما تولى العسكر في 1952 قمة الأدوار العليا كبديل للعائلة المالكة ظل دورهم كما هو وان زلزلتهم حقبة الستينات ربما لأنهم ناطحوا العسكر وأرادوا غنيمة سبقوهم اليها بفارق الخطى التي صنعها السلاح والاستعمار لسبب أو لآخر
لعب الاخوان نفس الدور في الحقبة الأولى للجمهورية المصرية الأولى وفي الحقبة الأخيرة لهذه الجمهورية أيام السادات ولأنهم يرون في أنفسهم جماعة المسلمين الوحيدة ولأنهم لا يسكنون عباءة وطن أو عباءة أحد فقد باعوا السادات واغتالوه بأياد تفرعت منهم بعد ان كانت جزءا لا يتجزأ من منظومتهم …تخلوا عن السادات عندما ذبل كما تخلوا عن الملك حين انقطعت به السبل بل أنهم في الحقيقة تآمروا على الاثنين
وظل الشعب في مكانه لم يحظ بكثير أو قليل رغم دعمه للجيش في انقلابه واستماتته في تبني فكر ناصر والتفاني في رسالته العروبية
قتل السادات وبدأت جمهورية العسكر الثانية جمهورية الورثة أو جيل أكتوبر حيث كان للإخوان نفس الدور …دور الفصيل الذي لا يذوب ولا ينفصل دور ثقل الميزان الصاعد الهابط في الخفاء دور الحليف والمنافس والشريك والموالي …نفس دور البلاط الذي في الخفاء والشر الذي لابد منه لضبط ميزان الصراع لصالح الملك وظل الشعب في مكانه تحت حوائط القلعة يلعق أيامه بعد ان سدد كالعادة كل الديون ودفع كل الفواتير اللازمة لكي تنتصر مصر في 1973 وينشأ جيل عسكر أكتوبر حكام الجمهورية الثانية
والآن وبعد ثورة الشعب التي قام بها منفردا بلا عون من "خسرو" باشا أو الفدائي الألباني محمد على وبلا قيادة من العسكر أو من خلايا من أمن النظام أو رجال أعماله وبلا دماء أو مال من أجل قضايا خارج الحدود سقط القاطنون في قمة الأدوار العلوية واصبح المكان خاليا حلالا بلالا للإخوان وحدهم كفصيل وحيد خبير منظم له جذور وتاريخ في ساحة السياسة المصرية وقادر على اقتسام الوهم مع من لا يعرفونه من فصائل الشعب وهم كثر…
الاخوان في قمة الدور العلوي للحكم يظنون أنهم يرون ما لا يراه غيرهم بعينهم الخبيرة وخبرتهم السياسية واتصالاتهم ونفوذهم وتوازناتهم ويظنون أنهم يفعلون ما لا يقدر عليه غيرهم لنفس الأسباب تقريبا… لن يترك الاخوان قمة الأدوار العليا والأخطر أنهم لن يسمحوا لأحد بالصعود وهم في هذا جادون ومثابرون لن يملوا او يسكنوا أبدا
انهم يعرفون أنهم بلا منافس يعتد به ويعرفون أنهم غير مضطرين للعطف على الشعب أو تصعيد أي من فصائله ولا يعنيهم ذلك من بعيد او قريب لأنهم تعلموا من الثمانين عاما أن الذي يمنح العرش ويمنعه هو أحد آخر غبر الشعب
إن امبراطورية الإخوان قد بدأت وهي في نظرهم ليست داخل حيازة مصر بل أن العكس هو الصحيح ..مصر تقع داخل حيازة جماعة المسلمين السنة ..أو جماعة الاخوان المسلمين فتاريخهم يتحدث عن نواياهم ونواياهم صوتها يعلو شيئا فشيئا ومشروعهم يتجمع من كل حدب وصوب كما أنهم يدفعون الأثمان الواجبة للحصول على صكوك السماح والغفران تباعا …ان مصر مجرد ولاية والإخوان باقون والأسباب كثيرة ولن يقتلعهم من الحكم مظاهرة أو اعتصام أو كفاح مسلح
لكن شيئا ما يبقي الأوضاع على المحك لكيلا تكون مصر غنيمة سهلة لمغامرين لم يفيقوا بعد من هول مفاجأة البقاء وحدهم في قصور الحكم وقمة الأدوار العليا

التعليقات