كتاب 11

08:00 صباحًا EET

هل هو ربيع عربي حقا؟

تثبت الأيام أن وصف ” الربيع العربي” للانتفاضات التي قامت ضدأنظمة تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن قبل خمس سنوات لم يكن وصفا دقيقا، فلم تجن شعوب هذه الدول سوى الحسرة والألم ، لم تتغير الأوضاع في هذه الدول إلى الافضل بل على العكس ، فقر، وبطالة، وجشع، زاد على ذلك سوء أخلاق البشربالتزامن مع ظهور جماعات الارهاب بمسميات جديدة تحت رعاية قوى كبرى   ودول شرق أوسطية  تدفع الأموال، وترعى هذه الجماعات.

لا تدرك إدارة أوباما أن الإرهاب والتطرّف المتفشيان في مختلف أرجاء المنطقة خصوصًا في العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر، يشكّلان خطرا لا يقتصر على أمن هذه الدول واستقرارها، بل تتعداها إلى كل المنطقة والعالم بدليل ما حدث في أوربا وعلى وجه خاص في فرنسا ، ويبدو بوضوح أن الرئيس أوباما  الذي يغادر البت الابيض قبل نهاية هذا العام غير مأسوف عليه ، لا يريد الدخول مباشرةً في أيٍّ من الحروب الدائرة الآن في الدول العربية كالعراق وسوريا واليمن وليبيا، حتى ان العمليات الجوية بقيادة واشنطن ضدّ تنظيم داعش  في العراق وسوريا، ما هي إلا عمليات وهمية لا تستهدف داعش التي هي صنيعة أميركية.

مع ذلك يبقى النفط وأمن إسرائيل وتفوّقها في قلب الاستراتجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، على الرغم من الإتهامات التي تُوجَّه إلى إدارة أوباما باعتماد استراتيجية “اللامبالاة ونفض اليدين” من الأزمات والحروب كلّها التي تشهدها المنطقة. إن التحوّلات الخطيرة الجارية تفترض أن تقوم الولايات المتحدة بإعادة نظر شاملة في استراتيجيتها في المنطقة مع ضرورة الإلتزام المتواصل والعاقل بالبحث عن الإستقرار وإعادة تصحيح الخلل الحاصل في موازين القوى داخل الدول وعلى المستوى الإقليمي وخصوصًا بين إيران والدول العربية، وهذا الأمر قد تحوّل إلى قضية ضاغطة وملحّة من قبل الدول العربية عامة والخليجية خاصة لكن للأسف لن تعيرها واشنطن أي اهتمام بعد الاتفاق النووي مع إيران، ووجود صفقة أميركية – إيرانية على حساب الدول العربية عامة ودول الخليج خاصة.

وليس من قبيل المبالغة وصف إوباما بأنه اضعف واسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، لقد ترك الساحة لروسيا في ازمات الشرق الاوسط لا سيما سوريا ، وقبل خمس سنوات وحين اندلعت مظاهرات 25 يناير ضد نظام الرئيس الأسبق “حسني مبارك” نصحته وزيرة خارجيته “هيلاي كلينتون” بدعم الرئيس “مبارك” لكنه اتخذ قرارا بدعم التظاهرات المطالبة برحيل مبارك، ووضع رهانه على تحقيق ديمقراطية في مصر، وتحقيق انتقال سياسي مستقر للسلطة، غير مدرك ان الشباب الذي  انتفض ضد مبارك ليس لديه الخبرة الكافية للحكم ، وحين اختطف الإخوان الثورة ومعها مصر ووضعوها رهينة لتحقيق اهدافهم الدنيئة بدعم امريكي وغربي واضح، بدأت الاضطرابات في الشرق الأوسط ، كان هذا أحد أخطاء اوباما ، لقد أدت أخطاء اوباما لسلسلة كارثية من الاحداث ، فقد تولى المجلس العسكري السلطة في ظروف بالغة الصعوبة ، وخططت إدارته لتسليم البلد للإخوان لتنفيذ مشروع الفوضى الخلاقة في مصر ، قفز الإخوان إلى  السلطة ، وخططوا للبقاء خمسمئة عام كما قال المعزول “محمد مرسي” لقادة الجيش لكن الخمسمئة عام هذه اختزلت في عام واحد ، فسرعان ما انقلب الشارع على  مرسي ممثل التنظيم الإرهابي في قصر الرئاسة ، والذي اثارت انتهاكاته المصريين ، وتاججت الاوضاع في المنطقة، فتدخل الغرب في ليبيا وأطاح بالقذافي، وتركها فوضى، وباتت ساحة لتنظيمات إرهابية صنيعة غربية وعلى راسها داعش ، واندلعت الاحتجاجات ضد الرئيس السوري “بشار الأسد”، وتحول الربيع السوري إلى خريف جهادي، فاختلطت الاوراق وباتت سوريا مرتعا للإرهابيين والثوريين، وجماعات تقاتل مع الحكومة وأخرى مع الإرهابيين وثالثة مع الثوريين، وتاهت سوريا في غياهب هذه الجماعات المدعومة من الخارج، ولم تفلح مفاوضات جنيف 1 ولا 2 ولا 3 في حل الازمة ، ولم يسلم اليمن من الصراع  الذي انتقل من السلمية الى العنف وضاعت اليمن بين جماعات التمرد الحوثي وانصار المخلوع صالح وقوات الشرعية الموالية لحكومة عبد ربه منصور هادي ولم تفلح العملية السياسية في اخراجه من الازمة.

هذا هو الربيع العربي، كان يوما حالك السواد على العالم العربي “كان تدميرا للعالم العربي هذا الربيع بعيد كل البعد عن كونه إنتفاضات شعبية ضدّ الظلم والإستبداد أو للمطالبة بالإصلاحات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، انه تدمير منظم ومخطط للمنطقة العربية وللأسف هذا التدمير مرشّح للإستمرار بتفاعلاته الأمنية والإجتماعية والسياسية. أنظر إلى الأحداث التي تشهدها دول ما يسمى الربيع العربي،لقد تشكلت لوبيهات من العملاء تحت مسمى نشطاء يتلقون دعما خارجيا لتحقيق اهداف معينة ، هذا الاستهداف يحدث لأوّل مرّة منذ قرون. يفجّر المجتمعات ويفتح ميدانًا خصبًا للصراعات بين مختلف التيّارات والشرائح السياسية والإجتماعية والدينية والقبلية، وذلك تحت شعارات التغيير والبحث عن حلول للأمراض المزمنة في داخل المجتمعات العربية. لكن هناك مخاطر حقيقية من أن يستمرّ هذا المزيج المتفجّر من الصراعات الدينية، والقبلية، والتنافس على السلطة والنفوذ بين مختلف التيارات والنظيمات المسلّحة، وتنامي التيارات الإرهابية وانتشارها بما يدفع المجتمعات إلى حالة من الفلتان والفوضى تحت رعاية أميركية.

التعليقات