مصر الكبرى

02:21 مساءً EET

الخليج وجماعة الإخوان … فصل جديد في علاقة المد والجزر أم نحو قطيعة دائمة؟

سامر الياس
تتضارب التحليلات حول أسباب تردي العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وأنظمة الحكم في الخليج، وفيما يرى البعض أنها بسبب تجاوز الإخوان الخط الأحمر للأمن الخليجي بعد سنوات من العلاقة الدافئة. يجزم فريق آخر أن هناك توافقا خليجيا، رغم الخلافات الظاهرية، على محاولة التحكم في مسيرة تطور الثورات العربية وفق سيناريوهات لا تؤدي إلى فوضى إقليمية، أو انتقال الثورات إلى الخليج.

ولا توجد إحصائيات دقيقة حول أعداد من ينضوون تحت لواء الإخوان في الدول الخليجية، ولكن أعدادهم مثيرة لمخاوف العديد من تلك الدول. وعن هذا سبق لضاحي خلفان، قائد شرطة دبي، أن قال: "’ما كنت أعرف أن في دول الخليج عدداً كبيراً من الإخوان.. علينا أن نتيقظ ونحذر لأنه كلما اتسعت هذه الجماعة يمكن أن تحدث بلبلة. هناك من يخطط للإطاحة بالحكومات الخليجية والأنظمة على المدى البعيد". وأشار خلفان إلى أن صعود الإخوان المسلمين في العالم العربي يمثل تهديداً جسيماً للدول الخليجية.
كيف نشأت الخلايا "الإرهابية" الإخوانية؟
في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2012 صرح وزير الخارجية الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، أنه "يجب على دول الخليج التعاون لمنع جماعة الإخوان المسلمين من التآمر لتقويض الحكومات في المنطقة". واعتبرت الصحافة الإماراتية حديث الشيخ عبد الله جرس إنذار للدول الخليجية ودعوة للتعاون في وجه مخططات تنظيم «الإخوان» على أراضيها، وسرعان ما أعلنت السلطات الإماراتية الكشف عن خلية "إرهابية إخوانية"، وقد أثار كشف الخلية الإخوانية في الإمارات المخاوف من عمليات تمويل وتخطيط خارجية حيث أثبتت التحقيقات الأولية "وجود خيوط شبه مؤكدة تقود إلى تورط عدد من إخوان الكويت في مخطط الخلية، سواء عبر التمويل أو التخطيط والإشراف على التنفيذ والمشاركة في إعداد المخطط تنفيذاً لتوجيهات خارجية". وتالياً حصلت وسائل الإعلام على معلومات تفيد بأن الحكومة الإماراتية تعتقل العشرات من الإخوان المسلمين المتهمين بتلقي أموال من الخارج بغرض التآمر لقلب نظام الحكم، كان آخرهم عناصر نسائية و11 مصرياً متهمين "بتدريب" إسلاميين محليين على كيفية الإطاحة بحكومات عربية.    
وبالرغم من أن قيادة الإخوان في مصر التزمت الصمت في البداية، إلا أن منابر الجماعة سرعان ما انخرطت في تراشق إعلامي رأى فيه المراقبون ما يعكس إلى حدٍّ كبير طبيعة العلاقة المتردية بينها وبين بعض دول الخليج العربي. وكان واضحاً، بحسب المراقبين أن "الإمارات قررت المواجهة المباشرة مع الإخوان، ولم تتردد أمنياً وقضائياً" وذهب الفريق خلفان، إلى حدّ التهديد باعتقال المرشد الروحي للإخوان، الداعية المصري المقيم في قطر يوسف القرضاوي، خلال زيارته الإمارات.
وفي هذا المجال يشير الخبير في مركز (ديلي ريبورتزكو) روب جينفر، إلى أن الإمارات العربية كانت جريئة في خطوة اعتقال خلايا الإخوان المسلمين على أراضيها، بينما لم تمتلك المملكة السعودية مثل هذه الجرأة بسبب تعقيدات وضعها الحكومي وسيطرة الأمراء على مراكز الدولة مع اختلاف توجهاتهم وعلاقاتهم.
وشكلت الإمارات والكويت والمملكة العربية السعودية مؤخراً مثلثاً أمنياً يسعى لكشف شبكة الخلايا الإرهابية الإخوانية ولاجتثاث مخططات "الإخوان" في الخليج عبر تبادل المعلومات حول المعارضين.
بدايات الإخوان في الإمارات
تشير أدبيات الإخوان في الخليج إلى أن الخلايا الأولى للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين بدأت في الإمارات العربية المتحدة العام 1974، من خلال الطلبة المبتعثين، وعبر تشكيل جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي في العام ذاته. واحتضنهم الكثيرون من أبناء الشعب الإماراتي، ونجح بعض الإخوان في الوصول إلى مراكز حكومية وفي حقل التربية والتعليم.
وفي آخر اجتماع للتنظيم الدولي للإخوان والذي عقد في 21 أيلول/ سبتمبر 2008 في المدينة المنورة برئاسة رئيس مجلس الشعب المصري السابق د. محمد سعد الكتاتني، حضر 24 عضواً يمثلون 10 بلدان عربية وأوروبية، منهم اثنان من الإمارات. وأكد تقرير إخوان الإمارات في الاجتماع أن هناك 1700 عضو، منهم 300 عضو تمهيدي (أي يمهد له للانضمام) و300 مؤيد و150 منتسباً و500 منتظم (أعلى درجة قبل العضو العامل) و350 عضواً عاملاً يحق لهم الانتخاب والترشيح على مستوى التنظيم.. والعدد محتمل أن يكون قد زاد منذ ذلك العام. وما يحسب للأمن الإماراتي أن المسؤولين عن فرع تنظيم الإخوان في الإمارات أكّدوا في تقريرهم خلال الاجتماع على ضرورة وقف فكرة الاستقطاب أو التجنيد الداخلي لعناصر الشعب الإماراتي لأنّ الأمن نجح في تجنيد عدد من الكوادر داخل الخلايا الإخوانية، مشيرين إلى القبض على البعض وترحيل نحو 20 عضواً مصرياً خلال شهور صيف العام 2008.
الاستفادة من مخاوف المواطنين الإماراتيين
ويقول المحللون إن الإسلاميين يسعون للاستفادة من القلق بين المواطنين الإماراتيين، وهم محافظون في الأغلب، بعدما أصبحوا أقلية في بلدهم إذ أن أغلب السكان البالغ عددهم ثمانية ملايين عمال أجانب. ومن المعروف أنه، بفضل الطفرة الاقتصادية في أبوظبي ودبي، ارتفع متوسط دخل الفرد في الإمارات كثيرا لكن الطفرة جلبت معها أيضاً بعض التأثير الغربي غير المرحب به.
ويقول الإسلاميون في الإمارات إنهم يشتركون مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر في الإيديولوجية لكن لا تربطهم بها أي صلات تنظيمية مباشرة. ويقولون إنهم يطالبون بمزيد من الحقوق المدنية وتعزيز سلطات المجلس الوطني الاتحادي وهو هيئة شبه برلمانية تقدم المشورة للحكومة ولا تملك سلطة تشريعية.
الإخوان في الكويت
يرى المراقبون أن تجربة «إخوان» الكويت هي الأبرز خليجياً والأنضج سياسياً والأقرب في تطبيق خطة التمكين في نسختها الخليجية، وهي الأعلى صوتاً. وتشهد الكويت منذ فترة احتجاجات، يعتبر الإخوان من أبرز محركيها، تطالب بإصلاحات سياسية تحدّ من سيطرة عائلة آل الصباح الحاكمة على مقاليد الأمور، وتدعو لملكيات دستورية ورئيس وزراء يأتي من الشعب وليس من اختيار الأسرة الحاكمة في دولة غنية بالنفط.
ويرى بعض المهتمين بالشأن الكويتي أن "الإخوان يتحركون في الكويت أملاً في أن تتيح لهم الانقسامات الفرصة لكي يحسنوا موقعهم السياسي والاجتماعي". لكن البعض الآخر يرون أن ذلك يأتي تنفيذاً لقرارات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. ويقولون إن د. محمد بديع، المرشد العام للجماعة، وفي أول خروج رسمي من القاهرة في 11 أيلول/ سبتمبر 2011، عقد اجتماعاً مع التنظيم الدولي في اسطنبول وقرر خلاله السعي نحو السيطرة على الخليج بأقصى سرعة ممكنة، بحيث يتم تحويل نظام الحكم في تلك الدول لملكيات تملك ولا تحكم.
ويقلل الباحث خالد الدخيل من المخاوف حيال الإخوان المسلمين، ويقول: "التخوف مبالغ فيه (…) واذا كان الفكر الاخواني يشكل تهديداً فان الشكل الوحيد لمواجهة وصولهم إلى الحكم هو البناء الداخلي سياسياً، واقتصادياً، وتعليمياً". ويلفت الدخيل إلى أن "الفكر الاخواني المتدين الاقصائي موجود بسبب الفراغ السياسي والدستوري في المنطقة، فالاقتصار على الشكوى من الإخوان وعدم القيام بشيء داخليا يفتقد إلى الكثير من الحكمة".
قطر و"احتضان الإخوان"
وتفيد أدبيات الإخوان بأنه بعد الضربة القاضية التي وجهها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لكل المعارضين له في خمسينيات القرن الماضي، وجد بعض أعضاء الإخوان ملجأ وملاذاً في قطر، وتقول الأدبيات: "إن أهلها مفطورون على حب الدين وأهله"، فكان أن وصل إلى الدوحة كل من الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ عبد المعز عبد الستار، والشيخ أحمد العسال، والدكتور كمال ناجي، وغيرهم. ومن المفهوم أنه من خلال هذه المجموعة انتشر فكر الإخوان لدى مجموعة من الشباب القطري، فشكلوا أنفسهم في مجموعات لحفظ القرآن ودراسته وممارسة الرياضة والتناصح.
ويشير المراقبون إلى خلافات نشبت في صفوف الإخوان بصدد إدارة المجموعة في ثمانينيات القرن الماضي، فتنازل البعض مرغماً والآخر اختياراً، فكانت هذه أولى بوادر الاختلاف على القيادة في مجموعة إخوان قطر أو التيار الإخواني.
وبحسب المهتمين بنشاط الحركات الإسلامية ففي عام 1999 بدأت مجموعة داخل الجماعة في التفكير جدياً في حل الجماعة وتفكيكها، ومع أن هذه الجماعة لم تكن تنظيماً بالمفهوم المتعارف عليه، إلا أن فكرة وجودها متأثرة بفكر الإخوان كان يؤرق البعض خوفاً مما قد يحصل، خصوصاً أن بعض حكومات دول الخليج بدأت حملة اعتقالات في أوساط الشباب المتأثرين بفكر الإخوان ومطاردتهم في أرزاقهم وإبعادهم عن وظائفهم، بسبب وجود بعض الضباط الأمنيين من مصر، الذين تم تعيينهم تحت مسميات مستشارين أمنيين، وظهر تأثيرهم في تصريحات بعض القادة الخليجيين بخصوص محاربة الإخوان.
وقد سببت هذه التصريحات حالة من الإرباك في أوساط التيار الإخواني بقطر، فكان أن اتخذ البعض قرار إلغاء الجماعة وتفكيكها في عام 2003. وخلال تلك الفترة جاء الدكتور عبد الله النفيسي إلى الدوحة واستقبلته المجموعة التي اقترحت حل الجماعة وأقنعته بالفكرة، فخرج النفيسي من ذلك المجلس وكتب مقالته الشهيرة عن الإخوان المسلمين في قطر، والتي أيد فيها قرار الحل أو التفكيك، ودعا لأن يكون مثالاً يحتذى.
الخلاف السعودي – القطري إزاء الجماعة
ويرى مراقبون أن إخوان قطر، كما هم إخوان الخليج، يحملون فكر الإخوان بصورته السلفية، فهم سلفيون عبادة وعقيدة، ولكنهم إخوان فكراً وتأثراً، وحتى مصطلح الإخوان المسلمين لا يستخدمونه في أدبياتهم أبداً، فهم أصبحوا يُعرفون بمصطلحات تؤدي إلى المعنى ذاته، مثل الوسطيين أو "تلاميذ الشيخ القرضاوي" وغيرها من المسميات التي تبقيهم في مأمن من تغول السلطات في بعض دول الخليج، والتي ما زالت، برأي المراقبين، في تصادم مع الحالة الإخوانية في العالم العربي بعكس البحرين والكويت وقطر التي استوعبت الموضوع وتعاملت معه بطريقة حضارية سواء في الداخل أو الخارج.
ويرى البعض أن قطر "وجدت في الإخوان حليفاً يؤثر في توجهات الشارع العربي، ويمتلك قدرات تنظيمية وانتشاراً جغرافياً من الممكن أن يخدم مصالحها عبر التعامل من وراء ظهر الحكومات". ويضيفون: "قطر تريد خدمة المصالح الأمريكية في تدجين وتطويع الإسلام السياسي عبر التحالف مع الفكر الاخواني لمقارعة أخطار السلفية الجهادية والتكفيرية التي أظهرت قدرة فائقة على التعامل مع ضغوط الدول الغربية والأنظمة الحاكمة".
ويقول العديد من المراقبين إن قطر تدعم الإخوان المسلمين في حين تقدم السعودية دعما للتيار السلفي. ويلفتون إلى أن "التباين في النظرة للإخوان المسلمين بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والكويت من جهة أخرى بدأ يؤثر سلباً على مشاريع التقارب والاندماج بين دول الخليج".
ويشير بعض الخبراء إلى وجود تعاون وتحالف معلن بين قطر وجماعة الإخوان، لكنهم يتوقعون أنه إذا "اتحدت الكويت والإمارات والسعودية في الضغط على قطر حتى توقف تحالفها مع الإخوان، وإذا ساندوا الأردن في معركته ضد مخطّط التنظيم ومنعوا إحداث فوضى في سورية من خلال النقل المنظم للسلطة لمعارضة قوية لا تتحكّم فيها أغلبية إسلامية، فستكون نهاية أحلام هذا التنظيم في مصر خلال العام 2013 وبالتالي نهايتهم". ويتوقعون أيضاً أن تبلور مخاوف السعودية والإمارات والكويت من نفوذ الإخوان المتصاعد "تحالفات متناحرة ضمن البيت الخليجي والعربي والإسلامي الواحد، كتحالف بدأ يظهر بين قطر ومصر وتركيا وآخر بين باقي دول الخليج والأردن".
البحث عن سبل إنهاء الخلاف
لكن تلك التوقعات قد تظل مجرد تخمينات، والسبب، برأي المراقبين، أنه من الصعب على جماعة الإخوان نسيان تاريخ طويل من العلاقة المتوهجة التي تربطها بشعوب وحكام الخليج العربي ممن كانوا ولعقود طويلة السند والملاذ للآلاف من أعضاء الجماعة. ولعل إخوان مصر يدركون أكثر من غيرهم هامشية ومحدودية الدور الذي يمكن أن يلعبه إخوان الخليج داخل بلدانهم، ما قد يدفع قيادة الجماعة للبحث عن إنهاء الخلاف بشتى السبل كي يتفرغوا في مشاكل أكثر راهنية وضرورة في بلدان وصلوا لكراسي الحكم فيها، ولكنهم لا يزالون غير قادرين على ترسيخ حكمهم فيها لأسباب لا يتسع المجال هنا للحديث عنها.
وفي المقابل فإن بعض التحليلات تقلل من حجم الخلافات بين القادة الخليجيين، وأن الخلاف هو مجرد تبادل للأدوار لخدمة استراتيجية موحدة للتعامل  مع موضوع ثورات الربيع العربي، فالقيادات الخليجية تسعى إلى زيادة تأثيرها في رسم مسيرة البلدان الثائرة وفق هوامش صعبة وضيقة، فهي لا تحبذ أن تتدهور الأوضاع كثيرا وتتسبب في فوضى إقليمية، وفي نفس الوقت لا ترغب في أن تزداد جاذبية الثورات مما يشجع على انتقالها إلى بلدان الخليج، ويرى هؤلاء أن دموية الأحداث في ليبيا وسورية، وحالة عدم الإستقرار في مصر تدفع المواطنين الخليجيين إلى انتظار الإصلاحات والمحافظة على المزاج الإصلاحي وعدم التحمس للأساليب الثورية.

التعليقات