مصر الكبرى

09:22 مساءً EET

حسام نصار يكتب : الدولة العميقة

من حينٍ لآخر كان يخرج علينا الكثيرون بمصطلح الدولة العميقة، ولكني كنت أظنه اندثر حتى سمعت أحد الفكاهيين على إحدى الفضائيات يثيره من جديد، ولم يكتفِ بهذا بل تساءل " ألم نخرج في يناير لنسقط الدولة العميقة؟"، وهو في هذا يخلط بغرض بين دعوات إسقاط النظام وإسقاط الدولة، وهو ما لم ينادي به أحد على الإطلاق في يناير، وإنما ما كان يُضمَر في نفس فصيل واحد أصبحت كل أمانيه لا أن يسقط الدولة العميقة فقط، وإنما ليقيم مكانها دولة عميقة أخرى على هواه تتيح له التمكين والتمكن من مصر إلى الأبد حتى يبدأ في تنفيذ مشروعه التوسعي لإقامة الأمّة العميقة بعدها لا الدولة فقط.

إننا إذن ومنذ أول يوم في الثورة نشاهد صراعاً محتدماً مكبوتاً بين دولة عميقة قائمة وبين مشروع إحلال وتجديد أيديولوجي لدولة عميقة مفترضة تريد أن تقوم على أنقاضها، ويبدو أن أصحاب هذا المشروع الإحلالي لم يكونوا على إدراكٍ كامل لعمق مؤسسسية تلك الدولة التي يريدون هدمها وإزاحتها حيث كانوا يعيشون على هامشها دائماً مكتفين بخلاياهم النائمة بها، فتبين لهم وللجميع أن الدولة باقية، وأن مؤسساتها أقوي من أي نظام سابق أو أي نظام لاحق، تثبت للجميع أن شبهة تلبيس الدولة بالنظام أو النظام بالدولة ما هو إلا تدليس وتضليل أريد به تقويض مؤسسات الدولة ووضعها دائما في حالة الدفاع أمام هجوم سافر وممنهج يهدف للإجهاز عليها وإقامة دولة ذات هوية مغايرة مكانها…ولم يكن هذا اكتشافهم وحدهم بل اكتشافنا أيضاً نحن معارضوهم، فقد اكتشفنا جميعاً بدرجاتٍ متفاوتة أن مصر دولة ذات عراقة مؤسسية لاتسمح بهذا التغول وهذا الإقصاء الأقرب إلي الفاشية في النهج والذي يخلط بين السياسي والديني، وبين السياسي والاحتجاجي، ويصبح معه الديمقراطي هو ما جاء علي هواهم وما لم تشتهيه سفنهم هو غير ديمقراطي بالضرورة، ويجب إزالته بالحتمية الثورية أو الدينية أو كليهما إن أمكن.
لقد نسى الجميع – والبعض تناسى عن عمدٍ طامح – أن تجربة مصر الحداثية وتجربة مؤسساتها أقوي من أن تُهدم لهوي أو غرض في النفوس, وأن هذا هو المعني الإيجابي للدولة العميقة لا المعني السلبي الذي أراد البعض الترويج له, فعمق الدولة هو في تماسكها وارتباطها العضوي والوظيفي بالبنية المجتمعية, وأنها وإن اعتراها الضعف والهزال في وقت ما, لايعني انتفاء دورها وسهولة بترها عن عضوية ووظيفية المجتمع بأسره، وبهذا وحده يقاس عمق الدولة لا بالعمق المغرض المزيف الذي تم استيراده من الآستانة خصيصا للترويج للدولة الخفية التي يراها الأناركيون وطنية متطرفة مناهضة للتغيير, ويراها الإسلاميون علمانية مناهضة للإسلام، وهي في الحقيقة دولة غير موجودة بهذا المفهوم إلا في مخيلة المروجين لها لهدمها والانقضاض عليها لإقامة دولتهم الضحلة مكانها.
ولاتوجد دولة في الدنيا إلاّ وتوجد بها دولة داخل الدولة تتفاوت درجات هيكلتها وعمقها بل واستخفاءها أحياناً طبقاً للأهمية الجيوستراتيجية لكل دولة على حدة ودرجة تأثيرها الإقليمي والدولي طبقاً لمفردات كل عصر أو زمن, ولكن تلك الدولة الأخري – العميقة – لا تعمل خارج السيطرة، ولاتصنع القرار إلا من خلال الدولة الأشمل, ووجودها ضرورة سيادية، ومهمتها الأساسية هي الحفاظ علي سيادة الدولة الأشمل وشكل الحكم بها, ومهمتها في مصر هي الحفاظ علي سيادة الدولة التي هي من سيادة الشعب والحفاظ علي مدنية الدولة التي ناضل الشعب من أجلها واستثمر فيها الغالي والنفيس.
ولا عيب في هذا إطلاقاً بل هو ضرورة سيادية، وإنما العيب كل العيب هو تصويرها علي أنها دولة شيطانية تحمي مصالحها علي حساب مصلحة الشعب الذي هو صاحبها في الأساس. ويبدو أن عموم المصريين وقد استفاقوا – أو بدأوا في الاستفاقة – من تروما ما بعد الثورة قد أصبحوا يكنّون قدراً عالياً من الاحترام لدولتهم العميقة وقد أردكوا – أو بدأوا في إدراك – أن تلك الدولة العميقة مدعومة بمؤسسات الدولة السيادية الأشمل هي من تقف حائلاً وبكل صلادة وصلابة ضد مشروع التمكين الإخواني، فلم تعد أوهام الخلط بين النظام والدولة تخيل عليهم، فها قد ذهب نظام وجاء آخر والدولة باقية، لم تنحاز إلى نظام سابق لفظته الجماهير فلفظته معها، ولم تنحاز إلى نظام جديد لفظته الجماهير أيضاً وسوف تلفظه الدولة العميق معها، وإن غداً لناظره قريب، والله أعلم.

التعليقات