مصر الكبرى

09:34 صباحًا EET

المهنية الصحفية بين الادعاء والتطبيق

لا توجد وسيلة إعلامية في العالم لا تدعي المهنية في أداء رسالتها الإعلامية، سواء كانت هذه الوسيلة تعمل في أكثر دول العالم حرية وديمقراطية مثل الدول الاسكندنافية على سبيل المثال أو في دولة قمعية ديكتاتورية مثل كوريا الشمالية. فالوسيلة الإعلامية سواء في أي مكان تدعي المهنية في العمل، ولكن في أرض الواقع القليل من يلتزم بها. والمهنية الصحفية تشبه القيم الإنسانية النبيلة مثل الصدق والأمانة والوفاء، فكل البشر يجمعون عليها ولا يختلفون على ضرورة التمسك بهذه القيم، ولكن نسبة غير قليلة من البشر يعملون بما يناقض هذه القيم. فادعاء الفضيلة قد لا يعني بالضرورة التخلق بها في الحقيقة!

وجميع المهن في العالم تعمل وفقاً لاشتراطات وقواعد يتعين على ممارسيها التقيد بها. فالجراح لا يضع مبضعه في جسد المريض إلا إذا كان ملماً بأصول عمله، ومؤهلًا لممارسته حتى لا يقطع شرياناً أو يتلف عضواً آخر، والمعماري لا يضع تصاميم المبنى إلا وفقاً لحسابات وقياسات محددة حتى يستقيم البناء ولا يهوي على رؤوس ساكنيه، وكذلك الصحفي يتعين عليه أن يكون ملماً بأخلاقيات مهنته متمرساً في أصول عمله حتى يخرج رسالته إلى الجمهور بما يُحقُّ الحق وينقل الواقع دون تزييف أو تشويه أو تحريف، ويمارس دوره الفعلي في المجتمع.
والسؤال الأهم الذي ينبغي أن يُطرح عند مناقشة ما إذا كانت أي وسيلة إعلامية في العالم تلتزم بالمهنية أم لا هو مدى استقلاليتها وعدم خضوع الممارسين في المهنة لضغوطات وإملاءات ملاك الوسيلة الإعلامية سواء من الحكومات أو من رأس المال أو الأحزاب، فكلما كان التدخل أكبر قلت استقلالية الصحيفة وبالتالي أثر ذلك في التزامها المهني بأصول وقواعد العمل الإعلامي. وتجدر الإشارة إلى أن استقلالية الوسيلة الإعلامية على رغم أنها تعتبر الضامن الأكبر إلا أن هذا ليس العامل الوحيد الذي يدفع الصحف للالتزام بالمهنية. وتعتبر هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" مثالًا للإعلام المهني والمحترف. ولم تكن لتصل إلى هذا المستوى لولا تمتعها أولاً باستقلالية كبيرة في عملها التحريري منذ نشأتها، ولكنها أيضاً بنت تاريخاً من التقليد المهني العريق بتحري الدقة والموضوعية والوقوف على مسافة واحدة عند عرض جميع الآراء في أي قضية مجتمعية، ولهذا حازت على ثقة الجمهور، وأصبح يُضرب بها المثل كأكثر وسائل الإعلام ذات مصداقية.
إن الصحافة الخليجية نشأت وتطورت في ظروف تاريخية وثقافية وسياسية مختلفة تماماً عن مثيلاتها في البلدان الغربية. وهذه الظروف أوجدت صحافة توالي الأنظمة القائمة التي يجمع على الولاء لها عموم الشعوب الخليجية. وكون الصحافة الخليجية موالية للنظام ليس نقيصة في حقها لأن الوسيلة الإعلامية هي مؤسسة مجتمعية تعمل وفق أطرها العامة وتلتزم بخصوصية المجتمع ونمطه المتوارث.
ولكن ما ينبغي التأكيد عليه في المقابل، هو أن التزام الوسيلة الإعلامية بالمهنية في العمل يخدم المجتمع والوطن ويساعد على الاستقرار ويرسخ من قيم العدالة والشفافية ويساهم في القضاء على الفساد خاصة عندما تمارس الوسيلة الإعلامية دور الوسيط النزيه بين السلطة والشعب والعكس أيضاً، والالتزام بمسؤوليتها الوطنية ودورها الريادي كأداة فاعلة ذات تأثير في المجتمع وقادرة على خلق رأي عام وتشكيل الوعي بمهنية عالية والتزام بالأخلاقيات والمواثيق التي تضبط أداءها.

التعليقات