مصر الكبرى

12:22 مساءً EET

حسين متولى يكتب : السلفيون .. تكنوقراط الدين السياسى

حينما أراد مبارك تنفيذ برنامج الخصخصة وبيع شركات القطاع العام، لجأ إلى كمال الجنزورى أستاذ التخطيط والوجه "البشوش" المحبوب والمقبول من الحكومة والمعارضة على السواء، لإقناع الناس بضرورة وجدوى توجه النظام نحو الرأسمالية والسير فى قافلة النظام العالمى الجديد كالقطيع، حتى إذا ما أنجز مهمته أتى مبارك بعاطف عبيد عاشق "البيع" ليتخلص تماماً من ممتلكات الشعب، فى أكبر عملية نهب جرت لمصر فى تاريخها المعاصر.

وهكذا فعلت جماعة الدين السياسى الأولى فى مصر، الإخوان، حينما قررت خوض معركة السلطة، فغطاؤها الاقتصادى والمادى كان ضمانة أساسية للاحتيال على الشعب باسم الدين، وما يتعلق به من مشروعات منسوبة جميعها إلى "السماء"، وأكثرها خيالاً ما هو "غيبى" متمثلاً فيما سمى بمشروع "النهضة"، والذى أكد قياديو الجماعة وواقع حكمها أنه وهمى تماماً.
وقتها قررت الجماعة الوصول إلى أصوات الناس عبر أقصر الطرق ومن خلال من يلقبون ب"المشهلاتية"، وما أكثرهم ممن صنعوا خبراتهم بالاسترزاق من أى نظام حاكم، وبين هؤلاء فرق "السلفيين" الذين مارسوا العمل الدعوى والخدمى فى عباءة الحاكم لعقود وسنوات، ولا يجيدون أكثر من تكفير الخارجين على طاعته والرافضين ظلمه وجبروته وجرائمه.
هؤلاء ظلوا أقرب إلى "التكنوقراط" فى مجال عملهم وحيز حضورهم، الدين المسيس والدعوة للحاكم ومنح ضحاياه من الشعب المسكنات، لقاء أجر متفق عليه عرفياً، وهو حرية الحركة والتواجد والحضور بين الناس دون المساس بمصلحة "الراعى"، فكان
مبارك لهم مثلاً ونموذجاً يقتدى به فى الحكم، كما صار مرسى ظل الله على الأرض من وجهة نظر بعضهم، ليطالبوا إياه بقمع معارضيه بعد مسلسل التكفير الذى بدأت أولى حلقاته عقب أحداث 28 يناير 2011 حتى استقرار الحكم بيد جماعة المقطم.
كان الحزب الوطنى المنحل يرى فى هؤلاء "آلية" مجتمعية مناسبة للوصول إلى الناس داخل مناطق أفقرت بفعل سياساته، وكانت دور العبادة منابر للنفاق السياسى والمتاجرة بآيات الله وتحريف أحاديث نبيه، وكانت جمعيات تلقى الصدقات والتبرعات بغرض توزيعها على المحتاجين والفقراء، سبيلاً للثراء والإثراء بفعل استغلالهم فى المواسم الانتخابية وتوجيههم نحو مرشحى السلطة، ولنا فى تقارير مراقبة انتخابات برلمان 2005 و 2010 التى صاغها مراقبو منظمات تابعت العملية الانتخابية ورصدت انتهاكاتها مثالاً ودليلاً.
من يسأل عن انفراط عقد جماعات الدين السياسى، وأولها تحالف الإخوان والسلفيين، عليه إدراك أزمة الأخيرين، وهى أنهم ليسوا أهل عقيدة سياسية، بل أصحاب رؤية أدنى من فهم الواقع الأسود الذى نعيشه، ترى فى مصالحهم ومكاسبهم ومنافعهم من السلطة مقابلاً مستحقاً عن دورهم فى التعامل "الفنى" مع الخطاب الدينى والدعوى بطريقة تخدم الحاكم، أو قل عنهم "تكنوقراط" الدين السياسى، كما يخدم الموظفون والمديرون والوزراء مشروع الحاكم ونظامه.
حينما استدعى الإخوان والمجلس العسكرى التكنوقراط مجدداً بعد الثورة، أتوا بعصام شرف وبعده كمال الجنزورى رغم الفشل التاريخى لهما عهد مبارك، وأتى مرسى بابن جماعته هشام قنديل نقيض أحمد نظيف فى الطول ومثيله فى الخيبة السياسية، لتحكم مصر من المقطم. وهكذا سيعود السلفيون إلى أحضان إخوانهم بعد أسابيع على خلفية التنسيق والتحالف الانتخابى لعبور مطب انتخابات البرلمان المقبلة، وسيكون لهم مزايا "آنية" مادية سيحصدونها فعلياً، وأخرى "آجلة" لن يحصلوا عليها كتمثيل فى الوزارة والبرلمان بحقائب ومقاعد أكبر، ولنا فى تجربة استبعادهم من مناصب المحافظين دليل.
أزمة السلفيين صراحة أنهم لا يريدون الاقتناع بأنهم "أخيب" تكنوقراط فى العملين السياسى والادارى، وأقرب إلى الإخوان فى الكذب على أنفسهم وإيهام من حولهم أنهم الأصلح للادارة والتفكير السليم، ولك أن تلحظ فى سمات شخصياتهم ما يكفى لإثبات الحد الأدنى من حقيقة تهاون واستهزاء الإخوان بهم كما استهزأوا يوماً بالناس، ليخرج خالد علم الدين من منصبه "رادحاً" لمرسى، ويليه "بكار" السلفية بتصريحات مضحكة، تؤكد حقيقة هذا التيار الكتوم على مصالحه وصفقاته.
أما المعادلة الأحدث فى أذهان الإخوان لضمان بقاء تيار "تكنوقراط الدين السياسى" محايد التأثير خلال الأشهر والأسابيع القليلة القادمة، فتتمثل فروضها فى استدعاء قوة السلفيين الجهاديين والجماعة الإسلامية ومن على شاكلتهم، ليحلوا بديلاً دينياً "شكلياً" يضمن لتحالف الدين السياسى بوجه القوى المناصرة لمدنية الدولة اتزاناً نسبياً، وبدا ذلك فى جمعة "لا للعنف" التى دفعت خلالها الجماعة بأهل العنف التاريخى إلى المشهد، بينما ساستها يكررون تجربة مبارك فى اختراق جبهة المعارضة عبر صفقات ووجوه متلونة، ليحرزوا تقدماً استثنائياً فى مواجهة معارضتهم السياسية ممثلة فى "جبهة الإنقاذ" التى تبحث عن منقذ لها من التفتيت.
فى المقابل يظل ضحايا الصفقات والصدامات والصراعات على قسمات الغنائم كما هم، بعيدون مؤقتاً عن المشهد السلطوى، يراد بهم ولهم الاستدعاء وقت التنافس والصراع "الشكلى" الانتخابى فقط، هؤلاء ربما يكون لهم موقف آخر مختلف تماماً، سيكون للحديث بقية عنه لاحقاً.

التعليقات