مصر الكبرى

09:57 صباحًا EET

هـيبة القضاء في عـصمة الحق

كنت بالصف الثانى الثانوى حينما طالعت رواية على أحمد باكثير ( وا إسلاماه ) التى كانت ضمن مقررات الدراسة أنذاك.. وإستوقفتنى عبارة وردت فى الرواية على لسان قاضى قضاة مصر العز بن عبد السلام ــ حينما إستقال من منصب قاضي القضاة، وعزم على مغادرة مصر، فحمل أمتعته على حمار، وحمل أهله على حمار آخر، وسار خلفهم على قدميه خارجًا من القاهرة , بعد محاولة الملك الصالح أيوب لإثنائه عن فتوى بيع الأمراء الأتراك لتحرير رقابهم واكتمال أهليتهم ومنهم نائب السلطان ــ حيث حذره البعض من إمكانية أن يلحق به الأمراء فى بيداء الطريق ويقتلونه .. وظل مصرا على الرحيل فقال له احدهم ماذا يمنعهم عنك فقال العز بن عبد السلام هذه العبارة التى إستوقفتنى .. يمنعهم عنى هيبة القضاء ,,

وبالرغم من لحاق كثيرون أهل القاهرة خلفه فى سياق الرواية و إنتهاء هذا الموقف بنفاذ فتواه فى حق الأمراء وبالرغم من كثرة ما قرأت عن هيبة العز ابن عبد السلام وشخصيته ومواقفه المهيبة .. إلا أن هذه العبارة ظلت تهيم فى مخيلتى سنوات عديدة فى كل لحظة تردد فيها كلمة هيبة القضاء .. ويغرق الفكر فى الماهية .. هل حقا يمكن لهيبة القاضى الفرد الأعزل أن تقوى على صهلة الحاميات وصولجان السلطان ؟ .. أى ماهية تلك ..
كل الأنظمة القانونية تحاول خلق هذه الهيبة بالشكليات والإجراءات والحراسات والوشاحات وخلافة فى شكل هو فى الأساس ضمانات لخلق حالة من هيبة الردع والخوف من الوقوف فى موقف المحاكمة المهيب والأثار المترتبه عليه من صدور أحكام وخلافة (فى اطار فكرة الوقاية ) .. وايضا خلق هذه الهيبة بحصانات هى اساسا ضمانات لحسن سير العدالة وليس لشخص القاضى ( فى اطار فكرة العلاج) ..
لكن كل ذلك ما كان له أن يمنع تلك الصهلة وذاك الصولجان من شخص القاضى دون كينونة بذات القاضى ملتصقة بوسائله الخارجية ممتدة اذرعها فى كل ذات تقيد وتكبل وتقوض وتطوى ..
فى فكرنا القانونى نعلم أن القاضى حينما يحكم بإسم الشعب فإن قوة الحكم تستمد من كونها أرادة كل الشعب المصاغة فى القانون التى لاتقوى ارادة فردية وفقا للمنطق أن تقف أمامها .. وهو ما يمكن أن يتصل بهيبة إرادة الكل أمام إرادة الفرد فهى هيبة لصيقة بالحكم حال كونه بإسم الشعب الذى يسانده ويساند القانون ويحصن قاضيه .. فما بال الحكم والقاضى اذا ما تفرقت مساندة الشعب للحكم وقاضيه ..
لكن عندما تعلم أن العدالة فكرة تعبر عن غاية هى إحقاق الحق وأن الشرع أو التشريع وكل اجراءات التحقيق وسيلة للوصول اليها ..
وعندما تعلم أن الحق إسم من أسماء الله وأن إرادة الله هى إحقاقه وتحقيق الغاية ( العدل )
تعلم أن إرادة القاضى فى قضائه إذا بنيت على إرادة انسانية نابتة من ذات إرادة الحق العادل متجهة اليها من قلب يسكنه نور وبصيرة الحق ولسان فى كيان محاط بحاميات من السماء أقوى من حاميات الأرض وصولجان ملك الملوك وصاحب كل سلطان ..فإن هيبة القضاء الذى حار فيها العقل تتكشف ماهيتها الحقيقية إذا كانت بغيتها الحق ساكنا فيها معتصمة فى ذاته الحقيقية منه واليه..ولذلك قيل فى ذات المعنى أن العدل أساس الملك لإعتصامه بمن بيده.. وقيل للحق صولة لإلتصاقة بصاحب القوة .. وعليه فإن هـيبة القضاء.. لايمكن تخيلها إلا فى ..عـصمة الحق

التعليقات