مصر الكبرى

08:50 صباحًا EET

«اللمونجية» اشتكوا

لم تكن انتخابات الرئاسة المصرية التي انتهت جولتها الأخيرة منتصف العام الماضي بين الفريق أحمد شفيق والدكتور محمد مرسي، سوى بداية المأساة للاختيار بين خيارين كلاهما مر. إما إعادة استنساخ النظام السابق أو الوقوع في بئر معتم اسمه جماعة "الإخوان"… ولكن القدر وضعنا في الخيار الثاني ليصبح "بقدرة قادر" مرسي أول رئيس منتخب في تاريخ مصر منذ 30 يونيو 2012.

هكذا آلت النتيجة، وبفضل حفنة من الناس الطيبين من شعب مصر ذوي الميول الدينية بطبيعة الحال، ومنعدمي الثقافة السياسية والراسبين في مادة التاريخ وجهلاء الزفة الانتخابية، وكثير جداً من "اللمونجية" أو أولئك الذين فضلوا منح أصواتهم بكل سذاجة إلى "الأخ مرسي" بعدما عصروا على أنفسهم الليمون، جلس الرئيس الجديد على كرسي مصر الوثير، فبدا فيه ضئيل الحجم متقزماً أمام شعب كما يقولون "يفهمها وهي طايرة"، أكثر من فهم مرسي لطائر نهضته، فانكشف الحجم الحقيقي للرجل الذي بدأ منزله يضرب على مدار الساعة بالحجارة وزجاجات المولوتوف وأصبح في نظر الغاضبين الجدد مجرد "مندوب لمكتب الإرشاد" بمن في هؤلاء عاصري الليمون لينضموا إلى طابور الشكاءين، على طريقة الفنانة الراحلة راقية إبراهيم صاحبة أغنية "البوسطجية اشتكوا".
لكن يبدو أن هذا الشعب الغلبان المغلوب على أمره لا يعرف شيئاً، ولا يرى حقائق الأمور بالطريقة العبقرية ذاتها التي يرى بها السيد الرئيس "ما لا يراه غيره" حسبما كشف لنا ذلك بنفسه في حواره الشهير مع الإعلامي عمرو الليثي الأسبوع الماضي.. فبينما يشتعل الشاعر البوسعيدي غضباً وعصياناً مدنياً ويثور المواطنون في محافظات أخرى مثل الإسماعيلية والغربية والدقهلية ضد السياسات القمعية والاستبدادية والقرارات الديكتاتورية الإخوانية، اعتبر الرئيس ذلك "أعمال بلطجة"، وفي حين ينهار الشارع ويزداد المواطن فقراً وقهراً وينهض الاقتصاد فشلاً وعجزاً، يظل سيادة "العارف بالله مرسي" يؤكد أن البلاد تعيش حالة من الاستقرار.
الحقيقة إن الإخوان جماعة فاشلة، لم يكن لديها أي استراتيجية حقيقية لبناء مصر أو النهوض بها، وأغلب الظن أن هذه الجماعة مجرد خدعة كبرى، اعتمدت على الاستقواء بالشعب في فترة زمنية ضاق الناس فيها من نظام مبارك لأسباب متفاوتة يدركها بسطاء هذا البلد العظيم دون غيرهم، وبخاصة في نحو العشر سنوات الأخيرة من حكم مبارك، ولم يكن هذا هو الضلع الوحيد في الخدعة الإخوانجية، بل عزف رجال المرشد على وتر الدين وروجوا أكذوبة أنهم سيطبقون الشريعة الإسلامية لكسب تأييد الشارع، وإلى جانب ذلك كان لابد إلى جانب الترغيب استخدام سلاح الترهيب، فكان الترويج لفوبيا الإخوان، وانتشرت شائعات امتلاك الجماعة لأعداد ضخمة من الميليشيات المسلحة ورؤوس الأموال الهائلة التي يمكن أن تعيد للاقتصاد عافيته بل وتجاوز مراحله التقليدية إلى حد تحقيق "مشروع نهضة" وجلب استثمارات بنحو 200 مليار دولار في غضون المئة يوم الأولى من حكم الرئيس الملتحي.. واتضح أن هذا كله "فشنك"، ولو أن ربع أو ثمن من خرج لإسقاط مبارك نزل الميادين ضد مرسي لسقط هو ونظامه وجماعته في غمضة عين!
نعم كانت نتيجة وصول الإخوان لسدة الحكم مخيبة لآمال أكثر المتفائلين ومن بينهم بالطبع اللمونجية الذين كانوا أكثر المتأثرين نفسياً وبدأوا مرحلة جلد الذات أو بالأحرى "ضرب أنفسهم بالأحذية" وهو المشهد الذي رأيناه بأنفسنا على شاشات التلفزيون في الآونة الأخيرة مع زيادة احتقان الشارع ضد حكم الجماعة بجانب تكسير بعض أعضاء حزب "الحرية والعدالة" من الشعب المخدوع لكارنيهات الحزب أمام الكاميرات بعدما انكشفت لهم صورة الإخوان الحقيقية، ولم يكن سيناريو خلع الأحذية بعيداً حتى عن المسؤولين الرسميين أنفسهم، فبالتزامن تابعنا جميعاً هرولة وهروب قيادات إخوانية مسؤولة في حكومة هشام قنديل تاركين أحذيتهم في خلفية المشهد بعد مطاردات شعبية في مواقف عدة.
أشهر قليلة مضت على حكم الجماعة وهم يخسرون كل يوم من رصيدهم "الوهمي"، ما كان دافعاً ليظهر الجيش مجدداً في المشهد، ويبدأ صراع مكتوم يتحول إلى شبه معركة تصريحات إعلامية تحمل رسائل ضمنية متبادلة بين المؤسسة العسكرية التي تملك "القوة"، ومؤسسة الرئاسة التي تملك "الكرسي"، وفي المسافة بين القوة والكرسي يقف الشعب "الغلبان" متابعاً للموقف متسائلاً: هل نرضى بما قسمه الله لنا ونستكمل المشوار مع الأخ مرسي وجماعته بدلاً من الوقوع تحت البيادة الميري من جديد و"كأنك يا بوزيد ما ثورت ولا رحت ولا جيت"، أم ندعم الجيش ونقف إلى جواره ونطلب منه المدد والسند ضد جماعة تستبد بالحكم وتنفذ سياسة التمكين لمريديها وأتباعها!!
الجيش والإخوان.. خياران كلاهما صعب، تماماً مثلما كان الخيار صعباً بين شفيق ومرسي، ومهما طال الوقت – ولا أحسبه سيطول – سوف يختار الشعب، إما أن يضاعف الشعب من عصر الليمون ويستكمل مشوار الضياع الأبدي مع الجماعة، أو يعصر هذه المرة الليمون على نفسه ليختار الجيش حاكماً للبلاد على طريقة جمع التوكيلات – مثلما بدأ السيناريو في عدد من المحافظات – وأحسب أن الليمونادة الأخيرة ستكون أرحم بكثير من تلك التي جرب البعض مذاقها مع مرسي في انتخابات الرئاسة. ولكن أتمنى أن يثبت الجيش حسن نواياه وقدرته على حماية الثورة "المستمرة حتى الآن" ويسلم السلطة لاحقاً لمن يستحقها من أبناء مصر الشرفاء، ممن شوهتهم الأكاذيب الإخوانية، وليس أكثر من الشرفاء في هذا الوطن.
أعلم أن الجيش يدرك تماماً حاجة الشعب إليه، باعتباره المؤسسة الوطنية الوحيدة الباقية دون أن يطالها "المس الإخواني".. نعم الجيش هو الأمل الأخير لاستكمال الثورة وتحقيق أحلام المصريين بمن فيهم اللمونجية الذين تعلموا الدرس جيداً واشتكوا وبكوا.

التعليقات