مصر الكبرى

08:47 صباحًا EET

إبراهيم القاضي يكتب : القديس (قصة قصيرة)

كعادته ينتظر الأتوبيس، ذلك الرجل الأربعينى ، قصير القوام  ضئيل الجسد ،يقرأ جريدته من خلف نظارته السوداء الكبيرة التى تغطى نصف وجهه ،ساقه اليمنى فوق اليسرى ، لا يعبأ بالجالسين بجواره و لا المنتظرين أمامه ، يدخن سيجارته ،ينتهز فرصة اقتراب الأتوبيس ، و يطوى جريدته تحت إبطه ، و يركض ناحية الأتوبيس كعادته.

لذلك الرجل الغامض حكايته ،منذ ما ينوف على عشر سنوات، تقدم لفتاة مليحة المحيا فاتنة القوام ،و وافق أهلها ، وحدد موعد للزفاف ، كانت ليلة لا تنسى، كأنها  ليلة من ليالى ألف ليلة و ليلة، فى قاعة أحد الفنادق الشهيرة المطلة على النيل ،تجمع الأهل و الأقارب ، و حضر الأصدقاء من كل مكان ،ونجوم الطرب يحيون حفل زفافه ، و سط ضحكات المعازيم ، و تندر بعضهم ، قالت أحداهن هى تحرك فمها الواسع يمينا و يسارا من الغيظ
    شوفى يا ختى الوحشة لاقيلها بخت !
ردت الآخرى و لهيب الغيظ يكاد يحرق قلبها
    يا حسرة علينا .. أدينى قيراط حظ و لا فدان شطارة !                           
دنا منه أصدقائه، و همس أحدهم فى أذنه
    الليلة ليلتك يا بطل .. عايزينك ترفع العلم
أومأ العريس برأسه خجلا كأنه يود انهاء ذلك الحديث ، وضعت العروسة يدها على فمها خجلا بابتسامة خفيفة بعدما تسرب حديث صديقه لأذنيها..و انتهى الحفلولج شقته حاملا عروسته فوق كتفه ،كأنه بطل عالمى فى حمل الأثقال ،اغلق الباب فرحا ، ها هو الآن بجوار القمر ، هاهو قد لمس النجوم ، دخل غرفة النوم ، مازالت بفستانها الأبيض ، أحمر وجهها و اضطربت ، و هو يلمس بيديه رقبتها ، و يلمس باصبعه شفاها الناعمة الصغيرة ، سيطفى نور الشمس بقوته، سيرفع علم الوطن فوق القمر ،أنه رجل وطنى عظيم ، مجاهد من المجاهدين .ساعدها على خلع فستانها ،بدا اللحم الأحمر ، بانبعاجاته المثيرة ، برائحته الخاصة ،كما كان يتخيله ، فوق صدرها يربض هرين ..استسلم الجسد للفارس ، و تحول الهرين الرابضين فوق صدرها ،الى أسدين متوحشين حين كان يداعبهما بيديه و فمه، القت أسلحتها الفتاكة، معلنة الطاعة ،لكنه لم يستطيع مضاجعة الشمس ، و لم يطفىء نورها ..اضطرب و أحمر وجهه ، حاول ثانية لم ينجح ثالثة لم ينجح ،و انتهت ليلته فوق سطح القمر دون اكتشاف معالمه الهامة .. و مرت الليالى،مازال كما هو فاشل فى اقتحام أسرار القمر الخاصة ، أصفر وجهه كما وجهها و شحب و طفىء نور القمر هما و غمدا ، ماذا يفعل ؟؟ سيتهم بالخيانة الوطنية !! .. ظل هكذا شهور .. حتى اعلنت الآنسة زوجته التمرد والعصيان ، حين راودها أحد رواد الفضاء عن نفسها فوقعت فى شراكه كفريسة أحبت لقاء حيوان برى متوحش  ،و عاد العريس الى شقته ،و وجدها و قد التهمها الحيوان المتوحش .. تشنجت أفكاره و اضطربت حركاته .. وطلق القمر ..ركب الأتوبيس و كعادته بحث عن مكان استراتيجى ،بعيد عن أعين أهل حارته ، فهو فى أعينهم قديس ..فارس سقط من فوق جواده ،ولم تعد لديه رغبة امتطاء جواد ، و اعتزل الفروسية ، هكذا يراه أهل حارته ..بعد حادثته الأليمة ، التى عرفها نساء الحارة قبل رجالها..اختار المكان المناسب ، خلف تلك التى تقف هناك فى الركن ،تلك المتشحة بالسواد ، لا يظهر منها غير عينيها الواسعتان السوداوان عليها كحل يحدد الرموش كما لوكانت خطت بيد فنان شهير ، ترسل اليه بعيناها رسائل كأنها لهيب يحفز أعضائه ،تسلل بجسده النحيل وسط الركاب ، حتى وصل اليها ،أصبح يمتلك مهارة التسلل و سط الركاب ، كأنه كمسارى خبير، خلفها وقف كعادته ، بدأ بجس نبض الضحية ، يبدو عليها الاستسلام التام ،فى هذه المرة لن يحدث كما حدث منذ أسبوع عندما زعقت أحداهن فيه أمام الركاب ، و انهالوا عليه ضربا و صفعا على وجهه و قفاه و ألقوه خارج الأتوبيس مازالت أثار عدوان هؤلاء المعتدين على عينيه المتورمتين ..تلك الضحية يبدو أنها من "إياهم ".. لكن هذا الواقف بجواره يراقب خطواته ،يشل حركاته، يحاول أن يبدأ متعته بيده ، لكن الواقف بجواره عينية متسمرة على الضحية كما لو كان ينافسه عليها ، ماذا يفعل ؟؟ الأتوبيس قارب على الوصول ، إذن فليبادر بالهجوم ، قبل ذلك الذئب المنافس ، تسللت يده لتلمس مؤخرتها ،بينما هو يصطنع السعال و يراقب بطرف عينيه المكان ، صفعه الذى بجواره على قفاه ،صفعة كأنها جبل انهارعلى قفاه فجأة، سقطت نظارته و فقد البصر لبضع ثوانى بعدها فقد الوعى، و أفاق فى قسم الشرطة ،و هو يمضى على محضر شرطة ، تتهمه فيه السيدة التى كانت يوما زوجته وزوجها  بالتحرش بها  .إبراهيم القاضى..روائى و قاص شاب..صدرت له اول رواية مطبوعة فى 2012 بإسم "القرية "

التعليقات