ثقافة

08:09 صباحًا EET

قرات لك :حوار مع صديقي الملحد – لمصطفى محمود

يقول مصطفى محمود في مقدمته لآخر طبعة للكتاب (وحينما ظهر أمر "الجينوم البشري" ذلك الكتيب الصغير من خمسة ملايين صفحة في خلايا كل منا والمدون في حيز خلويميكروسكوبي في ثلاثة مليارات من الحروف الكيميائية عن قدر كل منا ومواطن قوته ومواطن ضعفه وصحته وأمراضه ..أفاق العالم كله كأنما بصدمة كهربائية .. كيف ؟ .. ومتى ؟ .. وبأي قلم غير مرئي كتب هذا "السفر " الدقيق عن مستقبل لم يأت بعد .. ومن الذي كتب كل تلك المعلومات .. وبأي وسيلة .. ومن الذي يستطيع أن يدون مثل تلك المدونات ؟! ) انتهىلن أناقش مفهوم الجينوم وعلاقته بالمستقبل كما ادعى المؤلف، ولكن دعونا نتوقف قليلاً عند تساؤلاته ( من الذي كتب كل تلك المعلومات .. وبأي وسيلة .. ومن الذي يستطيع أن يدون مثل تلك المدونات ؟ ) حيث يتضح أن المؤلف قد افترض بسؤاله ( من ) وجود الله لمجرد أن اكتشافاً بيولوجياً مذهلاً قد ظهر مقارنة بما كانا نعرفه عن الصفات الوراثية وكيفية انتقالها، وهو ديدن اللاهوتيين الذين يتأملون في الطبيعة فلا يرون إلا وجود وهم الإله الذكي المبدع في كل الموجودات، فلو كان الإله ذكياً ومبدعاً على حد زعهمهم، فلماذا توجد للدجاج أجنحة لا تستخدم للطيران مثلاً ؟؟! ولماذا خلق الله ضروس العقل لدى بعض الناس وهي ضروس زائدة تنبت بجذور مشوهة وتسبب الكثير من الألم والالتهابات التي لا تنتهي إلا بخلعها ؟؟! ولو كان ذكياً ومبدعاً هذا الخالق، فلماذا ياأتي بالتسونامي على البلدان الشرق آسيوية لكي يقتل ملايين الأطفال والأبرياء بلا ذنب ؟؟! ولو كان ذكياً ومبدعاً فكيف حدث هجوم النيازك على اليابسة في الكرة الأرضية قبل نحو 67 مليون سنة لكي تنتهي حياة الديناصورات بالكامل ؟! هل خلق الله الديناصورات ثم قرر في لحظة أن يتخلص منها لكي يصنع حياة جديدة ؟؟! هذا الإله إذن طفولي ومزاجي ولا يعرف ماذا يريد بالضبط !إن الذهول والإصابة بشعور الفاجعة عند اطلاعنا على تطور علمي هو دليل تخلف، فالعقل المتخلف لا يرى في عجائب العلم إلا دليلاً على صدق إيمانه، ونتساءل هنا، ألم تكن مشاعر الإنسان مشابهة لمشاعر مصطفى محمود عند اكتشاف البشر لأول مرة أن الحرارة تؤدي إلى تبخير السوائل ؟! ماذا كانت ردود أفعال الناس في القرن التاسع عشر على اختراع الهاتف ؟! كيف شعرت أجيالنا نحن حيال اختراع الإنترنت والفيس بوك وغوغل ؟؟! ألم تكن كلها مشاعر يختلط فيها الإعجاب بالذهول ؟؟! لو تألمنا بعمق وهدوء بصحبة قدح من القهوة كيف يتمكن الإنسان بعقله من الانتقال من عبادة القمر إلى وطئه بالأقدام لما أصبنا بكل هذا الذهول عند اكتشاف المورثات الجينية( وعادت الأسئلة القديمة عن حرية الإنسان .. وهل هو مسير أم مخير ..وإذا كان الله قد قدر علينا أفعالنا فلماذا يحاسبنا ؟!ولماذا خلق الله الشر ..وما ذنب الذي لم يصله قرآن..وما موقف الدين من التطور.. ولماذا نقول باستحالة أن يكون القرآن مؤلفاً ) انتهى.ثم يدعي بكل ثقة أن طبعته الجديدة للكتاب سوف تشارك في حل هذه الألغاز " انطلاقاً من العلم الثابت والإشارات القرآنية واليقين الإلهي الذي لا يتزلزل " !! فهل حقاً أن مجرد طرحه المؤلف لهذه التساؤلات يعني أنه قد أجاب عليها بالفعل ؟! هذا ما سوف نراه في قادم السطور.
يقول المؤلف تحت عنوان " لم يلد ولم يولد " نقلاً عن صديقه الملحد (أنتم تقولون : إن الله موجود .. وعمدة براهينكم هو قانون "السببية" الذي ينص على أن لكل صنعة صانعاً.. ولكل خلق خالقاً .. ولكل وجود موجدا .. النسيج يدل على النساج .. والرسم يدل على الرسام .. والنقش يدل على النقّاش ..والكون ذا المنطق أبلغ دليل على الإله القدير الذي خلقه ..صدقنا وآمنا بهذا الخالق .. ألا يحق لنا بنفس المنطق أن نسأل .. ومن خلق الخالق .. من خلق الله الذي تحدثوننا عنه .. ألا تقودنا نفس استدلالاتكم إلى هذا .. وتبعاً لنفس قانون السببية .. ما رأيكم في هذا المطب دام فضلكم ؟ ) انتهىويجرب المؤلف حظه في الرد على سؤال ( من خلق الخالق ) بقوله (ونحن نقول له : سؤالك فاسد .. ولا مطب ولا حاجة فأنت تسلّم بأن الله خالق ثم تقول من خلقه ؟! فتجعل منه خالقاً ومخلوقا في نفس الجملة وهذا تناقض..والوجه الآخر لفساد السؤال أنك تتصور خضوع الخالق لقوانين مخلوقاته .. فالسببية قانوننا نحن أبناء الزمان والمكان .والله الذي خلق الزمان والمكان هو بالضرورة فوق الزمان والمكان ولا يصح لنا أن نتصوره مقيداً بالزمان والمكان .. ولا بقوانين الزمان والمكان . ) انتهىذكاء المؤلف لم يسعفه لمشاهدة ما كتب بعمق كاف، فطالما أن الله خارج الزمان والمكان فكيف لنا أن نعلم بوجوده ؟! إن ما هو خارج الزمان والمكان هو العدم ذاته !وثمة ملاحظة أخرى، تلك التي دسها المؤلف في تساؤلات الملحد والتي جاء فيها أن " لكل وجود موجداً " وهي أن المادة أزلية ولا موجد لها، فهي لا تفنى ولا تستحدث ولا تخلق من عدم كما يريد اللاهوتيون الإبراهيميون، فهم يعتقدون أن المادة لم تكن، ثم كانت بأمر من الله " كن فيكون " وهذا مستحيل فالمادة لا تخلق من العدم مرة أخرى !ونتساءل، هل تمكن مصطفى محمود من الإجابة على السؤال " من خلق الخالق " عندما يقول ( أن الله هو الذي خلق لقانون السببية وبالتالي لا يصح أن يخضع هو نفسه لهذا القانون ) ؟؟! ألم يخلق الله الغضب والفرح والانتقام والجبروت وشتى الانفعالات ثم خضع لها وأصبح يغضب ويفرح وينتقم ويبطش بل إن حكام المسلمين يقلدونه في غضبهم وبطشهم وانتقامهم من معارضيهم ؟؟!
ثم يكمل شيخنا الجليل الذي ارتدى جبة العلم زوراً فيقول (أما ابن عربي فكان رده على هذا السؤال "سؤال منخلق الخالق".. بأنه سؤال لا يرد إلا على عقل فاسد.. فالله هو الذييبرهن على الوجود ولا يصح أن نتخذ من الوجود برهاناً على الله.. تماماً كما نقول إن النور يبرهن على النهار .. ونعكسالآية لو قلنا إن النهار يبرهن على النور ) انتهىإذن المؤلف لا يعتقد أن الوجود المادي للكون هو دليل على وجود الله، بل إن وجود الله هو الدليل على وجود الكون. وتأكيداً على هذا الهراء نجده يستطرد في فقرة تالية بقوله ( فالله هو الدليل الذي لا يحتاج إلى دليل .. لأنه الله الحق الواضح بذاته .. وهو الحجة على كل شيء .. الله ظاهر في النظام والدقة والجمال والإحكام .. في ورقة الشجر .. في ريشة الطاووس .. في جناح الفراش .. في عطر الورد .. في صدح البلبل .. في ترابط النجوم والكواكب.. في هذا القصيد السيمفوني الذي اسمه الكون ) انتهىفهل اتضح مدى تخبط وارتباك المؤلف عندما يدعي أن وجود الله الغيبي لا يحتاج إلى دليل ؟ وكيف نسلم بأن هذا الغيب واضح بذاته ؟؟؟! ثم عندما يكمل قائلاً ( الله الظاهر في النظام والدقة والجمال والإحكام ) ألم يعتمد هنا على الوجود المادي للبرهنة على وجود الله والتي اعتبرها قبل فقرة واحدة منطقاً فاسداً مزوراً ما قاله على لسان ابن عربي الذي تم تكفيره ضمن تكفير جوقة المتصوفة ؟؟! ثم أخيراً يجيب المفكر النجيب على سؤال " من خلق الخالق " بالآية القرآنية " لم يلد ولم يولد " ولا نعلم كيف يمكن أن يكون هذا الكلام رداً على ملحد يؤمن بأن محمداً هو مؤلف القرآن الذي لم يهبط من السماء.
كنت سأكتفي بما سبق لأن منطق المؤلف واهي ويعج بالتناقضات والافتراضات المجانية غير العلمية، ولكني قررت بدافع الفضول الاستمرار قليلاً في الكتاب، فماذا وجدت ؟!في مناقشته لموضوع الربوبية ينقل المؤلف بعض التساؤلات على لسان صديقه الملحد فيقول (ويسخر صاحبنا من معنى الربوبية كما نفهمه .. ويقول أليس عجيباً ذلك الرب الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة ، فيأخذ بناصية الدابة ، ويوحي إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتاً ، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، وما تخرج من ثمرات من أكمامها إلاّ أحصاها عدداً ، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه .. وإذا عثرت قدم في حفرة فهو الذي أعثرها.. وإذا سقطت ذبابة في طعام فهو الذي أسقطها .. وإذا تعطلت الحرارة في تليفون فهو الذي عطلها .. وإذا امتنع المطر فهو الذي منعه ، وإذا هطل فهو الذي أهطله .. ألا تشغلون إلهكم بالكثير التافه من الأمور بهذا الفهم ). ثم يكمل قائلاً لردوده السفسطائية الواهية فيقول (ولا أفهم أيكون الرب في نظر السائل أجدر بالربوبية لو أنه أعفى نفسه من هذه المسئوليات وأخذ إجازة وأدار ظهره للكون الذي خلقه وتركه يأكل بعضه بعضاً !هل الرب الجدير في نظره هو رب عاطل مغمى عليه لا يسمع ولا يرى ولا يستجيب ولا يعتني بمخلوقاته ؟ .. ثم من أين للسائل بالعلم بأن موضوعاً ما تافه لا يستحق تدخل الإله، وموضوعاً آخر مهماً وخطير الشأن ؟إن الذبابة التي تبدو تافهة في نظر السائل لا يهم في نظره أن تسقط في الطعام أو لا تسقط، هذه الذبابة يمكن أن تغير التاريخ بسقوطها التافه ذلك .. فإنها يمكن أن تنقل الكوليرا إلى جيش وتكسب معركة لطرف آخر، تتغير بعدها موازين التاريخ كله. ألم تقتل الإسكندر الأكبر بعوضة ؟ ) انتهى.لاحظ عزيزي / تي القاريء / ة المنطق الشديد التناقض الذي يقع فيه المتدينون عندما يناقشون الغاية من وجود الله، ثم انقلابهم على أعقابهم عندما يتعلق الأمر بالأفعال الشريرة للإنسان في مسائل القضاء والقدر. الله الآن هو المسؤول عن سقوط الذبابة في الطعام ولا نعلم لماذا يفترض المسلم دوماً سقوط ذباب في الطعام. هل لشدة القذارة مثلاً ؟ وما الذي يجبر الجندي على أكل طعام سقطت به ذبابه ؟! ثم ألا يعلم المؤلف أن وباء الكوليرا قد انتهى من التاريخ تماماً مثل عقله العتيق بفضل التطعيم وإبداع العقل البشري ؟! لماذا يعتبر يحجد المؤمنون فضل العلم وفضل العقل البشري عليهم وعلى حياتهم ؟؟! أما عن تسبب بعوضة في موت الإسكندر فلن نعلق عليه كثيراً، ذلك أن شخصية الإسكندر قد تعددت وتناقضت في روايات تاريخية كثيرة، أما أمر أن ذلك " الإسكندر " بالذات قد مات ببعوضة فهو يحتاج إلى دليل مادي أو تاريخي لم يورده المؤلف قطعاً !
لماذا خلق الله الشر ؟!
يقول مصطفى محمود نقلاً على لسان الملحد الافتراضي (كيف تزعمون أن إلهكم كامل ورحمن ورحيم وكريم ورءوف وهو قد خلق كل هذه الشرور في العالم .. المرض والشيخوخة والموت والزلزال والبركان والميكروب والسم والحر والزمهرير وآلام السرطان التي لا تعفى الطفل الوليد ولا الشيخ الطاعن.إذا كان الله محبة وجمالا وخيرا فكيف يخلق الكراهية والقبح والشر .والمشكلة التي أثارها صاحبي من المشاكل الأساسية في الفلسفة وقد انقسمت حولها مدارس الفكر واختلفت حولها الآراء.ونحن نقول أن الله كله رحمة وكله خير وأنه لم يأمر بالشر ولكنه سمح به لحكمة ) انتهىلم يقل لنا المؤلف لا في الفقرات التالية ولا في باقي الكتاب ما الحكمة التي تقتضيها إصابة طفل بالسرطان بلا ذنب ؟! هل قرر الله أن يخلقه ثم أن يقتله بالسرطان قبل أن يكبر ؟؟! لماذا خلقه من الأصل إذن ؟؟!لقد لاحظت أن المؤلف عندما يطرح تساؤلات إلحادية فإنه يبدو جاداً ومتحمساً للإجابة عليها، ولكنني كنت أصاب بالإحباط نظراً لأسلوب المراوغة والالتفاف والاعتماد على مقدس القرآن الذي لا يعتبره الملحد دليلا على أي شيء سوى على نشره لمعتقدات الكراهية والبغضاء وجرائم القتل والاغتصاب.
إذا كان الله قدر أفعالي فلماذا يحاسبني ؟!
سؤال وجيد فعلاً، ولكن المؤمن مصطفى محمود يجيب على طريقته التفافية بقوله ( فأفعالك معلومة عند الله في كتابه ، ولكنها ليست مقدورة عليك بالإكراه .. إنها مقدرة في علمه فقط .. كما تقدر أنت بعلمك أن ابنك سوف يزني .. ثم يحدث أن يزني بالفعل .. فهل أكرهته .. أو كان هذا تقديراً في العلم وقد أصاب علمك ) انتهىإن عقل المؤمن لا يكاد يستقر على فكرة حتى يؤمن بعكسها عند اللزوم ثم يعود فيتخلى عنها إذا ما انتفت حاجته إليها. إنه عقل تلفيقي ساذج بكل معنى الكلمة. لماذا تجاهل المؤلف لوحه المحفوظ الذي دون فيه القلم كل ما سيكون إلى يوم الدين ؟؟! وإذا اعتبرنا أن العلم المدون في اللوح المحفوظ هو علم فقط بينما يظل الإنسان حراً في اختيار أفعاله، فهل يمكن للإنسان أن يختار فعلاً يخالف ما مكتوب في اللوح المقدر والمحفوظ ؟! بالطبع لا يمكن وهنا يكمن فساد المنطق وضعف الحجة، فالقول بعلم الإله كشيء منفصل عن حرية الاختيار هو التفاف لم يضيف إلى حقيقة تناقض المفهوم الديني للقضاء والقدر واللوح المحفوظ، ذلك أن فكرة اللوح المحفوظ وكيف أن الله قد قدر جميع ما سيكون إلى يوم الدين، هي ذاتها الفكرة التي ولدت ظهور الفرقة القدرية بين فرق الإسلام الكثيرة، ومن هؤلاء انطلق التفكير بتحريم زراعة الأعضاء وأطفال الأنابيب، فطالما أن الإنسان يعاني من فشل في كليتيه فهذا الفشل مقدر من الله سبحانه وعلينا أن نؤمن بقضاء الله وقدره ( خيره وشره !!! ) ثم يأتي صديقنا المؤمن لكي يدعي أن الله لم يخلق الشر ! ما هذه التناقضات التي يعج بها منطق المؤمنين ؟؟! كذلك فإن من يصاب بالعقم ولا ينجب فهو من أقدار الله ( يجعل من يشاء عقيما – قرآن )، وإذن اعتبر القدريون أن زراعة الأطفال في أنابيب لتجنب مشكلات الرحم تحدياً لقضاء الله وقدره وعليه تم تحريمها ولم يتداركوا هذا الأمر إلا بعد أن صار طفل الأنابيب أمراً واقعاً يستحيل إقناع الناس بالتخلي عنه، تماماً مثلما فشلوا في معركة تحريم زراعة الأعضاء، لكن بعد أن أعاقوا وعرقلوا التقدم في بلاد المسلمين أما القول بأن الإسلام لم يحرم التفكير ولا الإبداع فهو قول يجافي التاريخ، وما الفترة العباسية الأولى ( الرشيد والمأمون ) إلا فترة استثنائية في تاريخ العرب والمسلمين بدليل أن العلوم التي تم تطويرها لم تستوطن في بلادهم وأن فترة المتوكل بالله العباسي قد كانت فترة صعود للتيار السلفي الأصولي الذي قام بتكفير الفلاسفة في ديوان الزنادقة وتم التخلص من مؤلفات المعتزلة واجتهاداتهم العقلية للتقليل من هيمنة النص والموروث على حرية التفكير، بينما الغرب الذي نقل وطور تلك العلوم كان جديراً بها لأن الحضارة الغربية هي حضارة العقل بامتياز وليس فيها قداسة للنصوص والمسلمات الدينية كما هو الحال في بلاد المسلمين.

التعليقات