ثقافة

11:11 صباحًا EET

إبراهيم القاضي يكتب : جزيرة الأبطال (قصة قصيرة)

فى جزيرة منعزلة ، كانت عائمة فى البحر ، يسكن فيها أناس  ، حياتهم تعج باللهو ،كانوا ينظرون الى المستقبل أمامهم ، يرونه كلما نظروا الى مرآتهم ، غدا أكيد لهم بين أيديهم ،الفخر يملىء صدروهم ، يقفون أمام أمير الجزيرة ، و يطلقون الحناجر للمديح ، فهو قاهر اليم و اليابس، لن تجرأ السماء أن تذرف دموعها فوق جزيرتهم إلا بإرادة أميرهم الشجاع الذى تطال عنقه السماء ، و لن تجرأ البحار ارسال أمواجها العاتية للجزيرة ، لأنها جزيرة الأبطال ،نعم ليس لديهم فى سجل التاريخ من بطولات ، لكنهم ينظرون الى بطولاتهم المستقبلية ،يبارزون بعضهم بسيوفهم الخشبية ، فلاحاجة لهم بتلك الحديدية ،يكفى زئيرهم ليقذف فى قلوب أعدائهم الرعب ،و يولون الأدبار فارين من موت محقق يسرع خطاه ناحيتهم .

حتى كانت الفاجعة ، يوم وقعت الواقعة ، واقتحمت قوات غازية تلك الجزيرة البعيدة المنسية ،ساد الهلع و الخوف بين النسوة و صغار الجزيرة ، حمل الأبطال سيوفهم الخشبية ، ليدافعوا عن جزيرتهم ،و التقى الجمعان ، هناك فى الميدان ، و صاح قائدهم و هو يشهر سيفه الخشبى
سنقتلهم ، سنبيدهم ، سننهى نوعهم البشرى ..هلموا يا رجال أشهروا سيوفكم ،و اضربوا أعناق أعدائكم ، هلموا يا رجال فأنتم جائعين و ستشبعكم لحوم أجسادهم ، و أنتم فى حاجة لدمائهم ليروى ظمائكم ، هلموا يارجال الفخر و المجد فى انتظاركم ..و ارتفعت الصيحات فى أرض  الميدان ،كانوا يزأرون كالأسود ، فالرجال جوعى و عطشى ..
فى أرض المعركة ، صاح القائد فى جنوده محمسا ، أمرهم بالتقدم فتقدموا ، أمرهم بإشهار سيوفهم فأشهروا ، أمرهم أن يرفعوا رؤوسهم فرفعوا رؤوسهم ، وارتفعت أعناقهم ، و التقت السيوف ، و لم يصمد الجائعين ساعة ، حتى أرتوى الأعداء بدمائهم ،و أصبحت الجزيرة خالية إلا من النساء و الأطفال و المعتدين .
أمر قائد المعتدين نسوة الجزيرة ، بالوقوف فى طابور بجوار جثث رجالهم ،و تركهن لحظات يبكين و ينوحن على رجالهن ، ينعون بطولاتهم المستقبلية و أحلامهم ، دمائهم مازلت لم تجف .. ثم أمرهن مقهقها ، بخلع ملابسهن ، ارتعدت فرائصهن ،لكنهن نفذن أمره ، و خلعن ملابسهن و وقفن عراة تحاول كل منهن إخفاء عوراتها بيديها ،وهى تنظر ناحية جثة زوجها المسجاة بجوارها على الأرض ثم تبصق عليها ..
أمر القائد أفراد جيشه ، بخلع ملابسهم و أشار دون أن ينطق ببنت شفه ناحيتهن ،التحمت أجساد الجنود العارية بأجساد نسوة الجزيرة ،و سط صرخات النسوة و تأوهاتهن من قسوة هؤلاء المغتصبين ، إلا واحدة منهن ظلت صامتة .. حتى انتهى المغتصبين ،و امرهم قائدهم بالعودة ثانية الى بلادهم بعدما ظفروا بمغانم الجزيرة المنسية ، وذاقوا حلاوة نسائها .
و لما انصرف المغتصبين مظفرين بنصر مبين ،أخذت النسوة يبكين و ينوحن على كرامتهن المهدرة ، و شرفهن الذى ركله المعتدين بأحذيتهم ، إلا تلك الصامتة ، التى تخلت عن صمتها ، و وقفت عارية وسط النسوة العاريات الباكيات ،وجثث الرجال المخضبة بالدماء،والتى بدأت رائحتها الكريهة تزكم الأنوف ، و قالت و قد ارتسمت على وجهها الشاحب الغرقان فى العرق ابتسامة ثقة مفتخرة.. أنها الوحيدة التى لم تتأوه و لم تصرخ بل ظلت صامدة ، حين كان يغتصبها المعتدين .
 
إبراهيم القاضى..روائى و قاص شاب..صدرت له اول رواية مطبوعة فى 2012 بإسم "القرية "

التعليقات