تحقيقات

12:20 مساءً EET

الإخوان وتاريخ من الاغتيالات السياسية

عملية اغتيال رئيس الوزراء المصري، بطرس باشا غالي، وفق الخبراء، تعدّ أول عملية اغتيال سياسية في مصر خلال القرن العشرين. وهذه العملية يستحضرها المصريون اليوم لا فقط لأنها تمت يوم 20 فبراير 1910 بل لأن ذكراها الثالثة بعد المئة تحلّ وسط تصاعد الحديث والقلق من دخول مصر مرحلة الاغتيالات والتصفيات الجسدية للمعارضين للحكومة الإخوانية.

القاهرة- منذ اغتيال المعارض السياسي التونسي شكري بلعيد في السابع من فبراير الجاري، انتبه كثيرون في مصر لما يحدث على الصعيد السياسي الداخلي وخاصة فيما يتعلق بكم التهديدات التي تصل لنشطاء مواقع التواصل الاجتماعي اللذين أسسوا بدورهم صفحات على الفيس بوك تعارض حكم الإخوان المسلمين وتندد به، والتي أصبحت مؤخرا منبرا لكل من يقف في وجه النظام الإسلامي الجديد الذي تحيط به الآن في مصر كثير من الهواجس والتخوفات.
فكم الرسائل التي تلقاها النشطاء في الآونة الأخيرة سواء عبر الهاتف النقال أو البريد الإلكتروني توضح أن هناك جهات أمنية معينة تقف وراء تلك الرسائل والتهديدات، وما دفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن مقتل نشطاء من أمثال جابر جيكا ومحمد كرستي ومحمد الجندي وغيرهم يعد من أعمال التصفية الجسدية الممنهجة هي تلك الأساليب التي تشبه إلى حد كبير الأساليب نفسها التي اتبعها قاتلو بلعيد في تونس في جريمة التي هزت العالم العربي.
في العادة يكون منفّذ جريمة الاغتيال طرف ثالث خفي لا تنكشف هويّته في كثير من الأحيان إلا بعد سنوات وفي أحيانا أخرى يظل مجهولا رغم التكّهنات وأصابع الاتهام التي تتجه إلى جهة معينة، تكون وفق الواقع الموجود والأوضاع في ذلك الوقت، هي الأقرب إلى الفاعل.
أصابع الاتهام تتجه في قضية مقتل المعارض التونسي شكري بلعيد إلى الإسلاميين بقيادة حركة النهضة، كما هو الحال في مصر، حيث يرى خبراء أن الطرف الثالث هو نفسه الطرف الثاني في اللعبة السياسية في مصر وهو التيار الإسلامي الذي قرّر معالجة الأمور السياسية بطريقته الخاصة.
هذه الاتهامات انبت على وقائع ملموسة وأكثرها وضوحا فتاوى اهدار الدم بحق المعارضين لـ"خليفة الله في أرض مصر" محمد مرسي وحكومته الذين يطبّقون الشريعة وفق بعض الدعاة ورجال الدين من مطلقي فتاوى اهدار دم قيادات جبهة الإنقاذ والمعارضين السياسيين. وهذه الفتاوى التي تبيح دم المصريين قسّمت المجتمع إلى مسلمين وكفار، وحولت الصراع السياسي إلى جل حول "الحلال والحرام و"الجنة والنار".
الطرف الثالث في رأي د. مصطفى علوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تحرّكه قوى منظمة تعمل داخل البلاد بطريقة غير شرعية، وهذه القوى مسؤولة أيضا عن اقتحام السجون وتهريب رجالها.
وبناء على الواقع السياسي فإن يد جماعة الإخوان المسلمين دائما تكون في قلب الحدث سواء بالتحريض أو بالاتفاق أو المشاركة، وفق د. مصطفى علوي، مستدلا على ذلك بأحداث الاتحادية، وهي اشتباك اندلع بين أنصار تحالف قوى معارضة، بزعامة محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى من جهة، والرئيس المصري المنتخب محمد مرسي وأنصاره من جهة أخرى. وشهدت هذه الأزمة أعمال عنف كبيرة تسببت في مقتل وجرح الكثيرين.
كما يشير د. مصطفى علوي إلى أن السلطة الحاكمة في البلاد منذ تولي المجلس العسكري القيادة وحتى صعود الرئيس مرسي ذي الخلفية الإخوانية، أرادت افتعال أزمات سياسية وإلصاق التهمة بـ "الطرف الخفي"، الذي لن يظهر أبدا، ولذلك لن يتم الكشف عن أسماء المتورطين في قتل شهداء الثورة.
أشهر الاغتيالات
عقب وفاة الناشط جابر صلاح المعروف بـ"جيكا"، وهو أحد النشطاء الثوريين الذي كان يبلغ من العمر وقت مقتله 16عام ، قالت مجموعة من أصدقائه، الذين أسسوا صفحة "كلنا جابر جيكا"، إنهم تعرضوا إلى التهديد بالقتل ومحاولة خطف أحدهم.
ويخشى البعض من إمكانية لجوء الجماعة إلى العنف والاغتيالات لتقليص حدة المعارضة ضد نظام حكمهم في الفترة المقبلة كما حدث من قبل مع مقتل أحمد ماهر رئيس وزراء مصر الأسبق في فبراير 1945، وقبله بطرس غالي في 20 فبراير 1910. ثم اغتيال أحمد الخازندار وكيل محكمة استئناف مصر، في نهاية مارس عام 1948، في علمية أدين فيها أفراد منتمين لجماعة الإخوان المسلمين. وقبل أن ينتهي العام نفسه اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا، في 8 ديسمبر –كانون الأول 1948، على يد عبد المجيد حسن ينتمي إلى الإخوان المسلمين وذلك كردة فعل على قراره حل جماعة الإخوان وغلق مقراتها.
كان حكم النقراشي بمثابة "المحنة الكبرى" بالنسبة للإخوان ففي وزارته الأولي أمر باعتقال حسن البنا وأحمد السكري وعبد الحكيم عابدين، بناء علي الشك في تورط جماعة الإخوان في مقتل أحمد ماهر، حيث كان القاتل الذي كان ينتمي إلى الحزب الوطني مواليا لهذه الجماعة، وفق ما جاء في كتاب الاغتيالات السياسية في مصر "1910-1981" لخالد عزب، صفاء خليفة.
وقد كتب محمد حسين هيكل معلّقا على حادثة اغتيال النقراشي: "يرجح كثيرون أن الشاب الذي قتله – أي قتل النقراشي- وهو من الإخوان المسلمين، قد تأثر بما بين النقراشي باشا وجماعة الإخوان المسلمين من خصومه. فقد كان النقراشي باشا مقتنعا بأن حوادث القنابل والمتفجرات يرتكبها شبان من المنتمين للإخوان. وقد بلغ اقتناعه ذاك حد اليقين فاستصدر قرارا بحل الجماعة ومصادرة أموالها، فكان ذلك إعلانًا للحرب بينه وبينها، وهذا هو السبب في ترجيح بعضهم هذا الدافع لقتله". وهذه الجريمة، وفق الخبراء، كانت السبب الرئيسي الذي أدى إلى اغتيال مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، الذي يعد نتيجة لسلسلة من الأفعال وردود الأفعال بين الإخوان والنظام في مصر في الأربعينات من القرن الماضي، خاصة بعد أن اجتاحت البلاد موجة من القتل والإرهاب بدأت بمقتل أحمد ماهر في فبراير سنة 1945، ثم أخذت تتطور وتتنوع مظاهرها حتى أوائل سنة 1949، وشهدت البلاد خلالها اغتيال الخازندار، قضية السيارة الجيب "15 نوفمبر عام 1948"، اغتيال اللواء سليم ذكي "4 ديسمبر عام 1948"، محاولة نسف محكمة الاستئناف "13 يناير 1949".
وجاء في كتاب "الاغتيالات السياسية في مصر "1910-1981"" أن اغتيال الدكتور محمد حسين الذهبي، جاء نتيجة لموقفه من جماعة "التكفير والهجرة" ""جماعة المسلمين كما سمت نفسها أو جماعة التكفير والهجرة كما أطلق عليها إعلامياً، وهي جماعة إسلامية غالية نهجت نهج الخوارج في التكفير بالمعصية نشأت داخل السجون المصرية في بادئ الأمر وبعد إطلاق سراح أفرادها تبلورت أفكارها وكثر أتباعها في صعيد مصر وبين طلبة الجامعات".
"الذهبي كان أول من تصدى لأفكار التكفير والهجرة فكريا خاصة بعد أن انتبهت الصحافة إلي نوعية الحياة الغريبة التي تعيشها الجماعة، فشنت عدة حملات صحفية خلال عامي 1974، 1975. وكان ضمن المشاركين في هذه الحملة. ولم يختر شكري مصطفي الشيخ الذهبي عفويًا، بل اعتبره مسئولاً بدرجة كبيرة عن تلفيق تلك الصورة السلبية لجماعة المسلمين، فلقد أصدر الذهبي وقت أن كان وزيرا للأوقاف كتيبا صغيرًا في يوليو عام 1975 ناقش فيه فكر جماعة المسلمين، التي عرفت وقتها في الصحف المصرية باسم "أهل الكهف" أو "جماعة الهجرة"، ونسب فكر هذه الجماعة إلى الخوارج، وأثبت فيه – بالاستناد إلى القرآن والسنة – فساد الزعم الذي أطلقوه بأنهم وحدهم المسلمون، وأن المجتمع حولهم يعد مجتمعًا كافرًا. وبالفعل تم اختطافه وقتله في الثالث من يوليو عام 1977.
ونيسب إلى الغسلاميين بمختلف جماعاته ايضا اغتيال الكاتب والمفكر فرج فودة الذي تم اغتياله يوم 8 يونيو 1992 وأيضا محاولة اغتيال الأديب نجيب محفوظ.
التاريخ يعيد نفسه
خلافا لتونس، لم يتم تنفيذ أي من التهديدات بالقتل في مصر، ذات التاريخ الكبير في مجال البوليس السياسي والتصفيات الجسدية والاغتيالات والمعتقلات السياسية، منذ ثورة 25 يناير التي أنهت 30 عاما من حكم رجال الجيش حسني مبارك، الذي صعد إلى الحكم باعتباره نائبا للرئيس أنور السادات الذي تم اغتياله في 6 أكتوبر 1981 على يد خالد الإسلامبولي النشاط في منظمة الجهاد الإسلامي.
وقال حسن تركي، أحد مسؤولي صفحتي "امسك إخواني" و"معا ضد الإخوان المسلمين"، إنه منذ شهور قليلة عقب تولي الرئيس محمد مرسى المسؤولية، بدأت تظهر رسائل تهديد داخل صندوق رسائل عدد كبير من الصفحات المناهضة للإخوان، وعلى الهواتف والحسابات الشخصية، موضحا أنه عقب وفاة "جيكا" وصل إليه تهديد من أحمد المغير الناشط الإخواني وأحد رجال المهندس خيرت الشاطر النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، حيث هدده الأخير بالقتل في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، وأخرى عبر حسابه الخاص على الـ"فيس بوك".
"قوائم سوداء" ظهرت مع صعود الإسلاميين إلى الحكم في مصر، وأيضا في تونس، تضم اسماء "متهمة" بالتعامل مع النظام السابق أو بأنها "كافرة" وفق وصف الإسلاميين، ومؤخرا ظهرت وثيقة حملت اسم "وثيقة فتح مصر" تمّنت أكثر من مئة شخصية عامة وفنية وإعلامية سياسية "مطلوب تصفيتهم".
وقد أثارت هذه الوثيقة، التي قيل إنه عثر عليها في إطار التحقيق مع خلية جهادية يطلق عليها خلية نصر، غضبا عارما داخل الأوساط السياسية وسط مخاوف من اعتبارها مقدمة لإغراق مصر في بحور من الدماء والجريمة المنظمة والاغتيالات.
وحذر عدد من الخبراء الاستراتيجيين والمعنيين بشؤون الجماعات الإسلامية، من أن الوثيقة تُعد بمثابة "جرس إنذار"، لدخول المجتمع في دائرة عنف ودماء واغتيالات لن تنتهي، وأوضحوا أن انتشار الفكر التكفيري والخلايا الإرهابية يرجع لعودة عناصر جهادية بعد الثورة، وخروج عناصر تكفيرية من السجون دون مراجعة أو ضوابط.
يأتي ذلك وسط اتهامات للنظام الاخواني الحاكم، بتوفير المناخ الملائم لهذه الاغتيالات، عبر "خطاب متطرف" لجانب من أعضائها وقياداتها، واغتيال معنوي لمعارضيها. وأوضح خبراء أن أسلوب الجماعة يوفر الأرضية الخصبة للاغتيالات، لتبدأ الجماعات الأكثر تطرفا في إعداد فتاوى القتل وقوائم الاغتيالات.
وأشهر فتوى صدرت في هذا الصدد وأثارت جدلا كبيرا في الشارع المصري تلك التي أفتى بها محمود شعبان وهو أحد الدعاة الذين يظهرون على قناة "الحافظ" تبيح قتل وإهدار دم المعارضين للنظام الحالي معللا فتواه بأن شخصيات المعارضة تطلب السلطة وتحاول الخروج عن الشرعية والحاكم.
وتعليقا على هذه الفتوى قال الدكتور محمد البرادعي المنسق العام لجبهة الإنقاذ الوطني، إنه يشعر بتقييد حركته بسبب فتوى قتل معارضي الرئيس، مشيراً إلى أنه لا يتصور أن يصدر أستاذ فقه وبلاغة بجامعة الأزهر يصدر فتوى بإهدار دم المعارضة باسم الله، وهو لا يعلم شيء عن الإسلام، مضيفا أن التخوين والاتهام بالعمالة والتكفير ليست من سلوكيات الإسلام.
ومن جانبه قال عبد الغفار شكر، رئيس حزب التحالف الاشتراكي، أنه ينتظر رأي القضاء في الدعاوى التي تم رفعها ضد هذا الداعية بتهمة التحريض على القتل، محذرا من وصول سيناريو قتل المعارضة التونسية إلى مصر، مطالبا المجتمع بإدانة مثل هذه الفتاوى التي تثير الفتنة.
ويرى خبراء أمنيون أن التاريخ يعيد نفسه على الساحة السياسية المصرية فالاغتيالات والتصفيات الجسدية هي أحد المناهج التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين التي عادة ما يلجؤون إليها عند شعورهم بالخطر، أو عند تزايد الضغوط عليهم، وتهديد وجودهم.
وإلى جانب عملية اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، التي تعدّ من اشهر عمليات الاغتيال التي قام بها الإسلاميون، يذكر التاريخ أيضا محاولة اغتيال فاشلة للرئيس المصري جمال عبد الناصر من قبل جماعة الإخوان المسلمين.
وفي ما يخص أعمال العنف والتهديدات بالتصفية الجسدية التي أعقبت اندلاع ثورة 25 يناير، يرى حافظ أبو سعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أن بعض المتشددين من أبناء التيار الإسلامي هم الطرف الثالث، الذي نتحدث عنه دائما في كل الأحداث الدموية، بالإضافة إلى أن جماعة الإخوان المسلمين والتيار الديني هم الغائب دائما والحاضر في الوقت نفسه، يرعون "البلطجية" ويهددون بقتل معارضي الرئيس. وأوضح أن الأزمة الحقيقية تكمن في أن التيار الإسلامي متشابك دينيّا وسياسيّا ويضع حلولا للخلافات السياسية بطريقته الخاصة، كما أن شبابهم لديهم عقيدة بفكر شيوخهم وعلى استعداد تام لتصفية جميع المعارضين بناء على فتوى "إهدار دم" المخالفين أعداء "الشريعة" و"الإسلام"، فالاغتيالات وسفك الدماء منهج ينظّر له مشايخ الإخوان ودعاتهم.
في ذات السياق أضاف علاء عبد المنعم، سكرتير حزب الوفد الأسبق، أن الشارع لم يعد يصدق فكرة الطرف الثالث؛ لأن الأمور أصبحت واضحة أمام أعين المؤسسات والأجهزة الأمنية في البلاد، ولكن للأسف قبضتهم مغلولة خوفًا من الرئيس الإسلامي الذي يحمي أنصاره باعتبارهم جزءًا أصيلًا من وصوله إلى كرسي الحكم بعد أن كانت جماعة محظورة، مؤكدًا بأن ميليشيات الإخوان أو الجناح العسكري ينشط كلما استجدت الأحداث وقوي صوت المعارضة، وهذا ما لمسناه عندما تم استخدام بلطجية الإخوان في فض اعتصام معارضي الإعلان الدستوري المحصن أمام القصر الجمهوري، وتركت لهم قوات الأمن الساحة ليفضوا التظاهرات، وهو ما ينم عن وجود "تواطؤ" بين الأمن والإخوان برعاية مكتب الإرشاد والرئيس مرسي، بالإضافة إلى أن التحقيقات ولجان تقصي الحقائق كانت مجرد محاولة "لتهدئة وتسكين" الغاضبين.
وتحوم الشبهات حول أجهزة الأمنية الرسمية في البلاد، ومدى تورطها في مثل تلك الجرائم بحق النشطاء السياسيين، بينما يعتقد البعض الآخر بأن تنظيم الإخوان المسلمين يمتلك ميليشيات مدربة على القيام بأعمال الاختطاف والتصفية الجسدية، والتاريخ يشهد على ذلك.

التعليقات