كتاب 11

07:56 صباحًا EET

المنطق الفاسد

عندما تريد جهة معينة النظر فى حل مشكلة لديها فمن الطبيعى ان تلجأ لأهل العلم والخبرة فى المجال الذى ظهرت به هذه المشكلة حتى يتم الحل على اساس علمى ، وهذا هو الاتجاه السليم الذى يعتمد على الأخذ بالاسباب حتى تكون النتيجة مرضية .

ونظرا لان العالم يحتوى على حضارات وثقافات متباينة وطبيعة جغرافية تختلف من مكان لآخر فإن الحلول لأى مشكلة تعتمد على دراسة كل هذه المتغيرات طبقا للمكان والزمان ، لأن الادوات والتكنولوجيا تختلف من وقت لآخر وبالتالى يكون حل المشكلة مختلفا طبقا للزمان الذى يتم وضع الحلول به ، فلا يوجد حل دائم على مر العصور لنفس المشكلة ، وعلى سبيل المثال فإن ظهور التكنولوجيا المتعلقة بالحاسب الآلى وتطبيقاته فى مختلف المجالات غير كثيرا من المفاهيم عند مواجهة تطوير اى مجال أو حل اى مشكلة قائمة ، ومن هذا المنطلق يتبين لنا لماذا طورت بعض البلاد من نفسها وحل مشاكلها المزمنة واصبحت فى مصاف الدول المتقدمة ولماذا استمرت بعض الدول قابعة فى تخلفها وجهلها ولم تستطع حل مشاكلها بل زادت الامور سوءا عن ذى قبل ، وعلى سبيل المثال لو نظرنا لبلد كماليزيا التى بدأت فى وضع حلول لمشاكلها بطريقة علمية تتناسب مع امكاناتها حتى استطاعت ان تصبح من الدول التى يطلق عليها النمور الصفراء فى التسعينات من القرن الماضى وهى دولة دينها الاسلام مثلنا تماما وكانت فى وضع سئ ومستوى معيشة الفرد متدنى للغاية ، ولكن قائد المسيرة الماليزية الدكتور محمد مهاتير عندما سألوه فى احد المؤتمرات عن منهجه فى تطوير ماليزيا فأجاب بعبارة تلخص ما يجب ان نعيه جيدا لنعرف المنهج الصحيح فى العمل حيث قال عندما نريد الصلاة فإننا نتجه الى مكة ، وعندما نريد حل مشاكلنا فإننا نتجه الى اليابان .ومن هذا المنطلق استطاع ان يضاعف الدخل السنوى للفرد فى ماليزيا اضعاف مضاعفة بعد ان كان الفرد الماليزى فقيرا معدوما .ونلاحظ هنا عدم خلط الاوراق ، فلكل مقام مقال ، ولكل عمل وجهته طبقا لطبيعة هذا العمل ، فعندما تريد اتقان عمل دنيوى فإنك يجب ان تجتهد وتفكر وتأخذ بأسباب نجاح هذا العمل بغض النظر عن عقيدتك الدينية ، ولذلك عندما نجد البعض من الذين يريدون ان يسيطروا على مصر يرفعون شعارات دينية لاستغلالها فى معارك انتخابية مثلا أو فى برامج تليفزيونية لاستغلال عدم فهم الكثير من الناس صحيح الدين ، فإن ذلك يعتبر نوع من انواع العبث ويدل على انهم مضللين للشعب ويلعبون على وتر العاطفة الدينية لهم ، فمثلا شعار الاسلام هو الحل ، شعار يدغدغ مشاعر الناس ويجعلهم يتوهمون ان هؤلاء الذين يرفعون هذا الشعار اناس حريصون على تطبيق الدين ، وان كل مشاكلهم وهمومهم سيتم حلها من خلال هذا الشعار ، ولكن حقيقة الامر وللاسف الشديد ، فإن من يرفعون هذا الشعار هم أول من يخالفون تعاليم الاسلام ، حيث ان الدين الاسلامى امرنا بالعلم والتعلم والأخذ بالاسباب واعمال العقول واللجوء لأهل الخبرة فى كل مجال ، حيث ان الاسلام لايضع حلولا نموذجية تفصيلية لكل مشكلة تواجهها ، ولكن حدد لنا المنهج الذى نسير عليه فى حياتنا عند مواجهة اى مشكلة والامور الواجب اتباعها وكذلك الامور الواجب الابتعاد عنها ، واصول المعاملات والاخلاقيات ، والا فما فائدة العقول التى وهبها الله لنا ان لم نستغلها فى مواجهة امورنا المختلفة مع مراعاة عدم الاخلال بالمبادئ التى حددها لنا الاسلام عند النظر فى اى امر ، فمثلا عندما نريد حل مشكلة اقتصادية فإن الامر يختلف من دولة اخرى طبقا لامكانيات كل دولة وطبيعتها الجغرافية وكثافة السكان وعوامل اخرى عديدة ، وبالتالى فلا نستطيع ان نقول انه يوجد نموذج موحد لكافة الدول عند النظر لمشكلة الاقتصاد مثلا ، فما يصلح لمصر قد لايصلح لدولة أخرى والعكس صحيح ، واذا نظرنا لشعار الاسلام هو الحل ، فلماذا لم يتم منع صناعة وبيع الخمور مثلا ، رغم ان من يحكمنا هم من رفعوا هذا الشعار ، مع العلم بأن منع الخمور ليس فى حاجة لتوافق مجتمعى ولا لتمهيد حيث انها محرمة فى الاسلام والمسيحية ومنعها لايحتاج سوى لقرار ادارى من السلطة المختصة التى يمتلكوها الآن ، ومثال آخر اتباع اسلوب الكذب فى كل شئ واطلاق وعود ليست منطقية ولا يمكن تنفيذها على ارض الواقع ، بل وصل الامر لانهم يفتتحون مشروعات تم افتتاحها من قبل فى عهد الرئيس السابق ، الا يعتبر ذلك تضليلا وكذبا على الشعب ، اليس ذلك يعتبر منطق فاسد يتم اتباعهاذن لا تنتظروا خيرا من هذا الفصيل واتباعه ، بل انتظروا صعودا للهاوية بسرعة غير مسبوقة .ويجب ان نعترف ان بعض القوى المدنية قد استخدمت المنطق الفاسد ايضا اثناء الحملة الانتخابية حيث انهم لم يراعوا الاسس التى يجب ان يتم الاختيار على اساسها ، فمن المعروف ان اى مهمة يجب ان يتوفر فى من يقوم بها مقومات معينة حتى يستطيع الوفاء بمتطلبات المهمة التى يتولاها ، فإذا كان ذلك ينطبق على اى وظيفة يتم الاعلان عنها حيث يتم تحديد شروط معينة فى من يتقدم اليها ، فكيف لمن يتولى ارفع منصب فى البلاد ان لايكون هناك اهتماما بالمقومات الواجب توافرها فى الشخص المتقدم لهذه المهمة ، وللاسف فالكثير ممن كانوا يتصدروا المشهد ويقال عنهم النخبة انحازوا لشخص لمجرد العناد فقط فى الشخص الآخر ولمجرد انه كان مسئولا فى العهد السابق ، ولم يفكر الكثيرون فى مقومات المهمة هل هى متوفرة فى الشخص الذى اختاروه أم لا ، فرئيس اى دولة يجب ان يكون لديه خبرة سياسية ولو بمقدار معين ، ولديه اتصالات خارجية متميزة حتى يستطيع استغلالها فى تحقيق مصالح لبلده ، ويكون لديه رؤية مستقبلية للبلد وخطة لها آليات تنفيذ وليس مجرد وعود وكلام معسول يدغدغ احلام البسطاء من الشعب وان يكون لديه فريق عمل متميز يساعد على تحقيق رؤيته للمستقبل ولكن المنطق الفاسد لدى البعض الذين انحازوا لشخص لايمتلك اى مقوم من مقومات المهمة المطلوبة ، فلا هو بسياسى محنك ولا مارس السياسة من قبل وليس لديه اى رؤية للبلاد ولا يستطيع حتى أخذ اى قرار ، حيث ان القرارات يتم تحضيرها واتخاذها من خلال الجماعة المحظورة التى ينتمى اليها والتى يسعى لزرع المنتمين اليها فى كل الاماكن الحيوية بالدولة على حساب مصلحة الوطن وهم اساسا لايؤمنون بفكرة الوطن ، فعشيرتهم لها اولوية دائمة مثل جماعة حماس الارهابية فى غزة حيث يتم امدادها بكافة احتياجاتها اولا وليس مهما احتياجات الوطن الذى من المفترض انه ينتمى اليه ، ولكن حقيقة الامر ان انتماؤه للعشيرة هو الاصل وذلك يتضح من التصرفات على ارض الواقع .ومن هذا المنطلق فإننى اعيب على النخبة التى انحازت لمرشح الاخوان لمجرد العناد فقط ، رغم ان المرشح الآخر كان له سابق خبرة بأعمال ادارة امور الدولة واثبت نجاحا باهرا فى المهمة التى تولاها وله اتصالات متميزة وكاريزما تقنعك بأنك امام رجل دولة حقيقى والاهم انه رجل وسطى لاينتمى لأى فصيل متطرف أو فصيل فاسد أو جماعة قائمة على اساس دينى .اذا يجب علينا ان نتخلص من المنطق الفاسد الذى تسبب فى كارثة وضعتنا على مشارف الانهيار الاقتصادى والسياسى والاجتماعى ، والا سيكون مصيرنا اقرب للصومال ان لم يتم تدارك الموقف سريعا .
 

التعليقات