تحقيقات

11:33 مساءً EET

الحلقة الاولي من “العائد من جنة الإخوان” مذكرات إخواني سابق

سامح فايز.. الذى رفض أن يدار بالريموت كنترول
سامح فايز، شاب من شباب مصر، حين تراه ستدرك لماذا نجحت الثورة فى الإطاحة بمبارك، ستدرك أن هناك جيلًا لم يقبل الثوابت التى تربَّت عليها أجيال كثيرة، فقرر أن يثور على النمط الاستبدادى الذى عاش وعشش فى العقول والأفئدة، لم يخشَ هذا الجيل من شىء، لم يبكِ على مكتسبات أو مصالح، لم يفكر فى التذلّف للحاكم كى يحصل على عقد عمل أو سكن، لأنه لا يوجد من الأصل عمل أو سكن، ولأن الحرية عند هذا الجيل أثمن من الأشياء التى ظللنا نراها وكأنها الدنيا، الحرية التى لم نعرفها تاق لها هؤلاء الشباب، ومن أجل الحرية ذهب إلى الموت بإرادته، كتب شهادة وفاته ولم يقبل أن يكتب عقد زواجه فى ظل الاستبداد، ذهب للشهادة فى سبيل الحرية كما كنا نذهب إلى دور السينما، نجح هؤلاء الشباب فى ما فشلنا فيه.
ولأن سامح فايز فوق أنه مصرى كان إخوانيًّا منذ طفولته، إلا أن طبيعته الفتية الثائرة وقفت حجر عثرة أمام عسكرته وتحويله إلى «إنسان آلى» يدار بالريموت كنترول، لذلك كان يجب أن يثور على صور الاستبداد التى تحكَّمت فى الجماعة باسم الدين، كان يجب أن يثور على عسكرة الجماعة، وتحويلها إلى فرقة شبيهة بفرق الأمن المركزى، دخل سامح إلى «الإخوان» قبل أن يستقيم عوده وينضج تفكيره، وبدأت رحلة تحويله من إنسان إلى أداة إلى آلة تساوم بها الجماعة وتشهرها فى وجه خصومها وتهادن بها النظام حينًا وتهدده بها حينًا آخر، ولكن سامح قرأ قول الله سبحانه وتعالى «اقرأ» فقرأ، ومن القراءة كانت المعرفة، تلك المعرفة التى كانت وسيلة سيدنا آدم وهو يلج طريقه على الأرض، فقد علَّمه الله الأسماء كلها، والأسماء هنا كانت معرفة الشىء وطبيعته وكنهه، وفعل سامح فايز مثل جده الأكبر آدم عليه السلام، حاول أن يتعلم الأسماء كلها، فعرف الحرية، والكرامة، والإنسانية، والثورة، والوسطية، والاعتدال، والفهم، فتنوعت معارفه واطلع على ثقافات مختلفة من شتى البقاع الفكرية فكان عصيًّا على الاستخدام، عصيًّا على البرمجة المقيتة.
لم يكن سامح فايز فى رحلته الإخوانية سهلًا طيّعًا، ولكنهم كانوا يظنونه شابًا مشاغبًا مزعجًا، وكان مرد هذا الظن أنه كثير السؤال! كثير الاستفهام، وهذه أشياء تقدح فى إخوانيته، فكان أن تسلَّق سور الجماعة ونظر إلى العالم الذى كان يظنه عالم الأشباح، فإذا به عالم من لحم ودم، حياة إنسانية بكل معانيها، غاب عنها وغابت عنه، عرف وقتها أنه كان يعيش فى عالم الأشباح، فقرر أن يقفز من سور الجماعة، وولى هاربًا لا يلوى على شىء، فقط قرر أن يكون مصريًّا خالصًا، يختلط إسلامه مع مصريته فيصبح مصريًّا سائغًا لا مثيل له، وحين ترك عوالمه الأولى وانضم إلى العالم الحقيقى قرر أن يكتب تجربته، لم يقصد سامح من كتابة تجربته ذمًّا ولا تجريحًا فى الجماعة، فقد كان بينه وبينهم نسب إنسانى وصهر مشاعرى، من بين الإخوان شيخه الذى يحترمه وصديقه الذى رافقه، كانت بينهم الكلمة المقدسة لدى المصريين وهى «العيش والملح»، سامح فايز لم يترك حبه القديم لهم، فما زال يحبهم، يترنّم حينًا بصوته الجميل المطرب بأبيات الشعر: «نقل فؤادك ما استطعت من الهوى.. ما الحب إلا للحبيب الأول».
ولكن هل يمنع الحب الإنسان أن يكتب تجربته الإنسانية؟ التجارب الإنسانية هى التى ترتقى بالبشرية، وبغيرها نكون جمادًا لا يستطيع أن يحرك شيئًا، ولفقدنا الدفء والتواصل، ولما استطعنا أن نكتشف أخطاءنا، ونصحح مسارنا ومصائرنا، تجربة سامح التى وضعها فى الحلقات هى محض تجربة إنسانية يرد عليها كل ما يرد على معارف البشر من صواب وخطأ ونسيان، فمعارفنا كلها نسبية، ولا يستطيع أحدنا فردًا كان أم جماعة أن يكون مطلقًا، أو أن تكون معارفه مطلقة، لذلك كان سامح حريصًا على أن يؤكد أنه لا يهاجم ولا يجرّح، ولكنه يحكى «حدوتة مصرية» بسيطة لشاب مصرى استجاب إلى نداء الندّاهة فذهب إليها، ولكنه عاد إلينا مرة أخرى، وحين عاد، عاد ليحكى.
الحلقة الأولى
كان إخوتى من المترددين على لقاء الجماعة فى المسجد طمعًا فى جائزة الإخوان اليومية
هكذا تُجنِّد الجماعة الأطفال فى صفوفها
حضر شهر رمضان، كانت جماعة الإخوان المسلمين تقيم لقاء يوميًّا فى المسجد بعد صلاة العصر يتبارى فيه الأقران ويتسابقون. أطفال فى عمرى وأصغر أو يكبروننى بعام أو عامين. كان إخوتى من المترددين على هذا اللقاء، طمعًا فى جائزة الإخوان اليومية، غير أنهم كانوا يعجزون عن إتيانها والأيام تمر، ويقترب معها انتهاء الشهر وضياع الأمل. أخى الأكبر طلب منى أن أصاحبهم فى أحد تلك الأيام الرمضانية، كان يعلم جيدًا أننى أقدر على الإتيان بالجائزة، وكان الأمر يمثل تحديًّا بالنسبة إليه هو وأخى الأوسط، كم كانت تلك الأمور تُدخل السعادة إلى قلوب الأطفال، كنا نقنع بأقل القليل وكأننا احتوينا الدنيا بين أذرعنا. كنت لا أزال أخشى من المواجهة، من بصقة أخرى، وكنت أضيق بتلك الرعشات التى تعترينى، وهذا الخيال الحالم الذى يأخذنى من عالمى
بعد طول إلحاح ذهبت، قلت أذهب لأتخلص من هذا الإصرار، وليس من الحتمى أن أشترك فى أى مسابقة، لأجلس بعيدًا عنهم أتابعهم وهم يتبارون، غير أنى مع أول قدم وضعتها داخل المسجد شعرت بهذا الذى اخترقنى، لكن لم أجد له ترجمة حتى اللحظة. الغريب أن هذا الإحساس يخترقنى فى كل مرة أعود فيها إلى المسجد حتى اللحظة.
كانوا يجلسون فى شكل منظم ودائرى، ويتوسط الدائرة شاب فى العقد الثالث من عمره، وتعجبت كيف يتأتى لهذا الشاب أن يتحكم فى هذا العدد من الأطفال وينظمهم فى دائرة لا يخرج عنها أحد؟ هل الشاب هو من يمتلك تلك القدرة، أم أنه إحساس الإجلال الذى يُغلّف الدين، ويعطى كل ما له علاقة بالأديان قدسية تجعلنا نذعن، دون أن ندرى لماذا؟ أخذت مكانى فى الدائرة، كنت على يسار الشيخ، اعتقدتُ أن الأمر يبدأ وينتهى بمسابقة، غير أن ما حدث كان مختلفًا، بدأ الأمر بآيات من القرآن نقرؤها بشكل متتابع، كل منا يقرأ بضع آيات ثم يترك الأمر لمن بجواره ليقرأ، حتى تفْرغ الدائرة كلها من القراءة، ثم بعد ذلك أخذ يقص علينا الشاب بعض القصص عن أصحاب هذا النبى الذى ظهر بمكة، وكيف أنهم تحملوا الصعاب من أجل نبيهم ودينهم الجديد، وأنه ما من أحد منهم بخل بماله أو نفسه فى سبيل إعلاء هذا الدين. كان الشيخ يتحدث وكأنه يحادث نفسه، لا أظن أن أحدهم يعى ما يُقال، أو أن الحاضرين ما جاؤوا لأمر غير الجائزة والمسابقة، غير أنه أعجبنى ما قيل، هل لاقى الأمر صدى فى نفس يعقوب؟ هذا الذى بصق عليه أستاذه ولم يدرِ أحدهم ما أصابه من اضطهاد، ولم يكترث أحدهم إن كان ظالما أو مظلوما، هل شعر بتواصل مع هؤلاء المضطهدين قديمًا؟ نحن نشترك فى إحساس واحد، وهو أننا نواجه هؤلاء الصم البكم الذين لا يشعرون.
انتهى الشيخ الصغير من أوراده وأذكاره وقصصه وقرآنه، وقربنا على الذهاب، قلت لنفسى وأين المسابقة؟ غير أنه تابعنى بإعلان وقت المسابقة وكأنه سمع ذاك الذى دار فى مخيلتى. أطلق الشيخ السؤال، وكنت قد عاهدت نفسى أن ألتزم الصمت، لن أشترك، أو هكذا أوهمت نفسى، فلا زالت نظرة مدرس الدين وبصقته تعلقان بذاكرتى، وها هى ذى الرعشة بدأت تدب فى أطرافى، ودقات قلبى تتزايد وكأنى مقدم على قتل أحدهم. حاول أخى دفعى إلى الإجابة، إلا أنى أبيت. كنت أتابع الشيخ وهو يقلب ناظريه بين الأطفال متلمسًا من سيعطى الفرصة للإجابة، بيد أنى اعتقدتُ أننى فقط من كنت أتابعهم بشغف. كان أحدهم يجلس بجوار الشيخ يتابعنا هو الآخر، ظل صامتًا طوال الجلسة، وكأنه حضر خصيصًا لينتقى شيئًا ما. كان يقلب عينيه فينا طوال الجلسة، وبين الحين والحين كان يعلق عينيه معى قليلا. لاحظته وهو يلكز الشيخ موجهًا بصره ناحيتى، معلمًا إياه أننى صاحب الحق فى الإجابة، لاحظت تلك اللفتة السريعة التى لم يلحظها أحد سواى. أشار الشيخ إلىَّ رغم أنى لم أشارك الأطفال فى رفع يدى مثلهم طالبا الإذن بالإجابة. كان السؤال غير ذى صعوبة، فأجبت عنه، وكان ذلك إذنا بالحصول على الجائزة. أثارنى هذا التشابه فى حياة من يقصُّون قصصهم وحيواتهم، فكلنا مضطّهدون من هذا المجتمع الجاهل، وشعرتُ بالقوة وقد دبت فى أوصالى من جديد، وتركتنى الرعشة وخفت ضربات القلب، قررت حينها أن لا أتركهم، غير أنى علمت بعد ذلك أنهم هم من قرروا أن لا يتركونى.
هل وجدت فيهم القوة من بعد ضعف، أم أن استمتاعى بإحساس المضطّهد جعلنى أقرب إليهم؟ منا من يتلذذ بهذا الشعور، شعور الشهيد، البكاء، النحيب، الإحساس أنك أنت وفقط من تدرك بواطن الأمور، والباقون فى الجهل سواء، ألهذا السبب أردت أن أكون مع هذا الفصيل، أم أن الخوف من القيادة والتصدر النابع من وقع بصقة أستاذى جعلنى أعشق حياة التابع؟ جماعة وشيوخ يتصرفون فى كل أمر، وفى النهاية يشعرونك أنك من أحدثت الفارق والتغيير، غير أنك فى الحقيقة ما أحدثت شيئًا، هل أحببت نظرة الاهتمام تلك التى صدرت عن هذا الجالس بجوار الشيخ؟ ربما.
كان صاحب تلك النظرة هو المسؤول عنى لثلاث سنوات قادمة، أدركتُ أن الدائرة التى انتظمت فى المسجد تتلاشى فور أن نخرج من المسجد مع تلاشى قدسية المكان، فالمسلم فى المسجد يكون فى حال غير التى يكون فيها خارجه، ولهذا فلم يتبق سواى أنا وبضعة أطفال تم اصطفاؤنا لتستمر الدائرة خارج المسجد، كنا نجتمع فى بيت الشيخ بشكل دورى مرة كل أسبوع، وتلك ما يطلق عليها الأسرة، لا أنكركم القول، كانت أيامًا من أرقى وأطهر أيامى، روحانيات، أوارد، أذكار، صلوت وأدعية، ودمعات تتساقط من روعة هذا الإحساس الذى يختلج الصدر، وأنت منتصب القامة فى صلاة الفجر تستمع إلى تراتيل القرآن بشغف، أن تجد هذا الطبيب الذى يغسلك من أدرانك فى اليوم خمس مرات، أن تجد هذا القوى الذى تستند إليه فى المُلمات، أن تؤمن بتلك الغيبيات التى تجعلك على يقين أن فقر الدين وصعوبة العيش إن اصطحبتْ برضا النفس، فهناك خلف الحُجُب جنة ونعيم ورضا رب غير غضبان. كنا فى عالم غير العالم، وبين أناس غير الأناس، ونحيا إحساسًا اندثر فى خارج الدائرة، أو هكذا صوِّر الأمر لنا، لهذا كنت أخشى أن أطرد منها، أو حتى أنظر خارجها.
انتهيت من الصلاة وخرجت من المسجد أنتظر الشيخ وأصدقاء الأسرة أو إخوتى فى الله كما نكنَّى داخل الدائرة، فدائمًا ما يسبق التعريف بالشخص كلمة «أخوك فى الله» فلان، حتى يصبح بديلا عن أخيك فى الحقيقة، ولهذا نُسمَى أسرة، فهى الأسرة المنتقاة البديلة عن أسرة الجاهلية خارج الدائرة التى نحياها. أثناء انتظارى وجدتُ أحدهم يفترش الأرض بالكتب والأشرطة الدينية أمام المسجد، كنت أهوَى القراءة، فجذبنى منظر الكتب. أدرتُ ناظرى فى تلك العناوين المعروضة للبيع، حتى سقطتْ عيناى على كتيب صغير للأطفال بعنوان سيرة الإمام الشهيد حسن البنا. اشتريت الكتاب على الفور، وذهبت لشيخى مسرعًا إثر رؤيته لأطلعه على الكتاب الذى يحوى سيرة الإمام الأول لتلك الجماعة. اعتقدتُ خطأ أنه سيفرح بتلميذه الذى يحمل سيرة الإمام الشهيد حسن البنا، غير أنه قد حدث العكس تمامًا، غضب الشيخ وعنفنى، وطلب منى أن أعيد الكتاب وأن لا أقرأ تلك النوعية من الكتب. كان يتحدث بغلظة، وكأن بينه وبين حسن البنا عداوة مسبقة. تركتُ شيخى على اعتبار أنى ذاهب لأعيد الكتاب للبائع، إلا أننى لم أمتثل لكلماته. احتفظت بالكتاب على غير علم الشيخ، ومنذ تلك اللحظة أضحت لدىّ حياتى السرية التى تسير بالتوازى مع الدائرة التى نحيا داخلها، فأنا داخل الدائرة إنسان، وخارج الدائرة إنسان آخر، يحيا عالمه السرى الذى يضم كل الممنوعات، كنت متمردًا لا أحب الانصياع فى أحيان كثيرة، وفى نفس الوقت كنت أعشق الحالة التى تعترينى داخل الدائرة، تلك الهالة النوراية التى تسمو بنا وتجعلنا ننظر إلى العالم من أعلى. عندما قرأتُ الكتاب وأدركتُ كم كان حسن البنا المؤسس الأول للجماعة نبيلا وشهمًا، وكيف أنه مات فى سبيل أن تبقى جماعة الإخوان، دار فى نفسى هذا السؤال: لماذا غضب منى الشيخ وأنا أحمل بين يدىّ سيرة المؤسس الأول لتلك الجماعة التى تنظم دوائرنا؟ غير أن الإجابة ليست ببعيدة المنال، التربية داخل الإخوان تقوم على التدرج، بل إن الإسلام نفسه قام على التدرج فى الحدود والتكليفات والنواهى والأوامر. فى البداية تؤصل لديك عقيدة حب الله وحب الإسلام، عشق هذا الدين، ولكنه عشق ينبع داخل دائرة الإخوان وبعين الإخوان، وينشأ الطفل على حب الدين كما أحبته الجماعة، ويدين بالفضل لهؤلاء الذين انتشلوه من الضياع، وفى تلك اللحظة التى تتمازج فيها الدعوتان، دعوة الإسلام ودعوة الإخوان، حتى لا تراهما إلا دعوة واحدة تبدأ التكليفات، فتجد نفسك لا إراديًّا وأنت تدافع عن الجماعة، كأنك تدافع عن الإسلام، وعندما تدافع عن الإسلام فكأنك تدافع عن الجماعة، فلا تغضب من هذا الشباب الإخوانى الذى لا يمل أن ينفى عن نفسه تهمة تكفير الآخر؛ لأنه فعلا لا يرى فى خطابه نبرة تكفير، لأنه يظن أن خطاب الجماعة والإسلام منفصلان، علمًا بأنهما فى عقله الباطن خطاب واحد. وقد يُكفِّرك وينفى أنه كفَّرك لأنه لا يدرى ما قال ولا ماذا يقول؟ هو يردد وفقط، وبما أن القائد لا يخطئ فمن المؤكد أن الخطأ ليس فى من أطلق لفظة الكفر، إنما الخطأ فى الكفار، لأنه لا يتقبل مجرد أن تقول له أخطأت الجماعة، ذلك أن الإسلام والجماعة لا ينفصلان، فلو شعر للحظة أن الجماعة أخطأت، معنى ذلك أن الخطأ والقصور فى الدين، وهذا الاعتقاد، فى حد ذاته، يخرجه من دائرة الدين إلى عالم الكفار. أما أنا فقد خرقت هذا الناموس بمحاولتى قراءة التكليفات من خارج الدائرة، وقبل أن يحين الأوان.
مزج المفهومين -مفهوم الدين ومفهوم الجماعة- بالإضافة إلى مفهوم آخر هو مفهوم الأسرة، هو سر بقاء الجماعة حتى اللحظة، بعد كل تلك المحن التى مرت بالجماعة، بل وتبقى قوية ذات جذور تدب فى أوصال المجتمع، فالشيوعية تبقى بعد كل تلك المحن والعلمانية تبقى، غير أنها تيارات نخبوية تبقى للمثقفين وشراذم متبقية من رجالات الماضى وذرياتهم وفقط. ومصطلح الأسرة هذا لا يقل أهمية وخطورة عن مصطلح الدمج بين مفهوم الدين والجماعة. أنت تعطينى بديلا عن الأسرة، الأخوة فى الله أمر مقدس لدى الجماعة، وبمجرد أن ترغب فى الزواج تتزوج من فتاة إخوانية، فالإخوانى لا يتزوج من خارج الدائرة والإخوانية كذلك، فيصير للإخوان خطة بديلة فى حالة أن فَتَر إيمان أحدهم ولم يعد يكترث بالدين، وبذلك تضمن ولاءه طالما أنه داخل الأسرة، فلو عصى أحدهم، فمن الطبيعى أن يترك المسجد، غير أنه من غير الطبيعى أن يترك إخوته وزوجته وأسرته، فهم يصبرون عليه ويعملون على إعادته إلى حظيرتهم مرة أخرى، لذلك من العسير أن تجد منشقين عن الإخوان يمثلون عددًا، هم أفراد قد تحصيهم على صوابع اليد الواحدة، ومعظمهم يترك الجماعة، إما فى مرحلة البناء قبل أن تتمكن الجماعة وعقيدتها من عقله، وإما فى مرحلة الهِرم، ذلك أن خبراته الحياتية تعطيه بديلا عن العقل الذى ضيّعته الجماعة مع أهليته المسبقة للتفكير، فينشق عنهم. أذكر أحد من كانوا إخوتى فى الله داخل صفوف الجماعة، وكان ممن انشق معى فى آن واحد، غير أن مفهوم الانشقاق اختلف. تركى للجماعة كان فكريًّا وصراعًا مع العقل فى الأصل، أما ترك أخى هذا للجماعة فكان فى الأصل إرضاءً للنزوات والشهوة، كان انصياعًا للمعصية. انغرس هذا الشاب فى عالم الشهوة من نساء وجنس وغيره لما يقرب من السنوات الثلاث، غير أنه فى النهاية عاد، إعادة مفهوم الأسرة والإخوة فى الله، ذلك أن بيئته الاجتماعية كلها كانت إخوانا، أما أنا فكنت الإخوانى الوحيد ليس فى أسرتى وفقط، بل فى عائلتى كلها. أذكر أننى قابلتُ هذا الشاب قبل انتخابات الإعادة لرئاسة الجمهورية ولمست فيه حماسة للدفاع عن الدين ومحمد مرسى وغضب من موقفى لأننى قررتُ إبطال صوتى، وفى أثناء حديثه تذكرت تلك المرة التى حكى لى فيها عن تلك الليلة الحمراء التى أحضروا فيها المخدر والمومسات لشقة أحدهم وتناوب أصدقاؤه ممارسة الجنس معهن حتى حل دوره، وعندما وجد نفسه فى أحضان إحداهن تتماس الشفاه وترتجف الأعضاء من فرط اللذة، وبمجرد أن أضحى بين فخذيها شعر وكأن هناك حائطًا يحول بينه وبين إكمال متعته، وكأن صوتًا يناديه فخرج من مكانه مسرعًا وعاد لحظيرة الأسرة. وسألت نفسى حينها: هل أبى لأن الزنى حرام؟ غير أنى ما لبثت أن قلت لنفسى: ولكن المخدرات أيضًا حرام، والقبلات، والتلامس، والارتشاف من جسد الفتاة، كل ذلك فى مقام الزنى، وإن لم يحدث إيلاج للأعضاء، غير أن هذا الأمر لا يُسطّر فى بضعة أسطر، سأترك فصلا كاملا للحديث عن الأمر، عن الجنس والإخوان، ولا تندهشوا، فهذا صراع فى حياتى كان أشد من صراع العقل، وكان له الدور الرئيسى فى تركى لهذا الدين الجديد، دين الإخوان المسلمين.

التعليقات