كتاب 11

08:00 صباحًا EET

رؤية موضوعية للنظام الديموقراطى

كثيرا ما يتحدث السياسيين والمهتمين بأمور السياسة عن الديموقراطية دون ان يتعمقوا فى محتوى واساسيات النظام الديموقراطى ، ودون ان يدرسوا هل يتناسب هذا النظام مع طبيعة الشعب الذى ينتمى اليه أم لا ، وللامانة فإن القليل من المهتمين بأمور السياسة كانوا امناء مع انفسهم ومع شعوبهم وكانت لديهم الشجاعة للاعتراف بأن النظام الديموقراطى غير مناسب للبلاد التى ينتموا اليها ، ولكن الكثير من الساسة والمنتمين للاحزاب نجدهم يدعون بأنهم ديموقراطيين أو انهم يسعون لتطبيق الديموقراطية رغم ان بعض تصرفاتهم تتعارض تماما مع مفهوم الديموقراطية .

ولكى نكون موضوعيين دعونا نحلل الامر بصورة هادئة بعيدا عن الشعارات والخيال التى لا طائل من ورائها سوى العيش فى الوهم .لو رجعنا الى العناصر الاساسية للنظام الديموقراطى لوجدنا انه يعتمد فى جوهره على بعض الحريات مثل حرية الرأى والتعبير وحرية العقيدة والحرية الشخصية ، فلو تعرضنا لكل نقطة على حدة لوجدنا الآتى :بالنسبة لحرية الرأى والتعبير ، فدائما نجد من يكون فى الحكم لايطيق ان يعبر اى رأى معارض له عن رأيه ، وامامنا امثلة واضحة فعندما كان الاخوان بعيدا عن الحكم كانوا يملأوا الدنيا صراخا عن تكميم الافواه والفساد وعندما تولوا امور الحكم وجدناهم مع عشيرتهم ممن يطلقون على انفسهم التيار الاسلامى لايطيقون اى رأى معارض ووصل الامر الى ارسال انصارهم لمحاصرة مدينة الانتاج الاعلامى فى محاولة لمنع الاعلاميين من ذوى الرأى المعارض من دخول المدينة وممارسة اعمالهم وطالبوا ايضا بإغلاق القنوات التى تقدم تحليلات سياسية معارضة لسياستهم والغريب ان القنوات التى طالبوا بإغلاقها هى نفسها القنوات الوحيدة التى كانت تتيح لهم فرصة التعبير عن رأيهم وأن يقولوا مايشاءون من خلالها وذلك عندما كانوا خارج السلطة ، وكل ذلك رغم ان ما يقدم هو نقد للسياسات التى ينتهجوها وليس نقد لاشخاص ، والغريب فى الأمر ان القنوات التى يمتلكوها أو تعمل لحسابهم تبث سموما واكاذيب وتدافع عن الباطل ويصل الأمر لحد السباب لوجهات النظر المعارضة لهم ومع ذلك لم يطالب احد من المعارضة ان يتم اغلاق اى من هذه القنوات اعمالا بحرية كل طرف فى الرأى والتعبير ، ولكن الواقع يقول ان من يمتلك السلطة الآن لايطيق اى رأى معارض بل يصل الأمر الى تهديد بعض مقدمى البرامج بالتصفية الجسدية وترويعهم اذا استمروا فى نقدهم للسلطة الحاكمة ،وكل ذلك رغم ان الفصيل الذى يحكم الآن تقوم احدى وعشرون قناة بالترويج لهم ولاكاذيبهم ولا ينشروا اى رأى معارض لهم بل انهم يلتفون حول الحقائق ويروجوا للباطل ويبثون الاكاذيب ليل نهار ببجاحة منقطعة الظير ، ولم يتحملوا بضع قنوات قليلة تنقد افعالهم وسياستهم ، وبالتالى فإن من يحكمون الآن لايؤمنوا أو لايطيقوا ما يسمى بحرية الرأى والتعبير وبالتالى يفتقدوا ركيزة اساسية من ركائز الديموقراطية ولا سيما ان الديموقراطية تقوم على وجود سلطة حاكمة ومعارضة ، ويترك للجماهير الحكم عليهما .واذا رجعنا للنقطة الثانية وهى حرية العقيدة ، فأين هى فى بلدنا ؟ ودعونا نتساءل ، هل يستطيع شخص يؤمن مثلا بالبوذية أو البهائية ان يكتبوا له فى خانة الديانة ببطاقة الرقم القومى ما يعتقده ؟ وهل يستطيع الملحد ان يقول انه ملحد ؟ بالطبع لا يستطيع احد ذلك ، مع التسليم بأن حرية العقيدة تستوجب عدم ادراج خانة للديانة اساسا فى بطاقة الرقم القومى من منطلق ان لكل انسان حرية ان يعتقد ما يشاء وليس مهما على الاطلاق ان يسجل ديانته فى البطاقة ، ولا سيما ان التعامل مع اى شخص لا يكون على اساس عقيدته اطلاقا وانما باعتباره انسانا ، ثم دعونا نتأمل فى ما يحدث اذا اراد انسان ان يغير ديانته مثلا ، نجد ان الدنيا تقوم ولا تقعد وينتفض اهل الشخص الذى يريد ان يغير ديانته ويتهم الطرف الآخر بانه قد اختطف واجبر على ذلك وقد يحتدم الأمر ويتقاتل الطرفان وكأن اى دين سوف يحقق مكسبا اذا انضم اليه فرد ، أو يخسر اذا تركه فرد ما ، وهذا تفكير يدل على الجهل لان العبرة فى النهاية بما يقتنع به الانسان فى وجدانه وليس مهما ما يتظاهر به الشخص ، فكم من اناس يتظاهروا بالانتماء لدين معين ومعظم تصرفاتهم بعيدة كل البعد عن جوهر هذا الدين ، والغريب ان البعض يتعصب أو يظهر تعصبا لدين معين دون ان يفهم جوهر هذا الدين لانه لايريد ان يستخدم عقله ويفكر ولو قليلا ،واعتقد أن الاحداث الأخيرة بمنطقة الخصوص وامام الكاتدرائية تدل على اننا نمارس التعصب الدينى وننسى جوهر الدين ، ومن ثم فإننى ارى اننا نفتقد لحرية العقيدة على ارض الواقع وان كل ما يقال عن ذلك مجرد كلام يتم ترديده فى الندوات والمؤمرات والمناسبات للضحك على المواطنين فقط .ودعونا الآن ننتقل للنقطة الثالثة ، وهى الحريات الشخصية للانسان ، فالنظام الديموقراطى يضمن لكل شخص سواء رجل أو امرأة حريته الشخصية طالما لايعتدى على حرية الآخرين ، وهذه النقطة بالذات لانستطيع ان نطبقها بحذافيرها فى مجتمعنا لسبب بسيط جدا انه تحكمنا مبادئ الاديان فى الامور الشخصية سواء مسلمين أو مسيحيين ، فلايستطيع مثلا اى شاب ان يأتى بفتاة لايرتبط معها بعقد شرعى ويدخل غرفته وهى معه فى شقة والده ، وكذلك لايمكن لاى فتاة ان تأتى بصديق لها وتدخل معه بيت اهلها وتقول لهم هذا صديقى ، هذا مثال بسيط لما يسمى بالحرية الشخصية ، فهل يقبل احد به ؟ ثم موضوع الزواج والطلاق يتم فى الدول الديموقراطية بعيدا عن الاديان فهناك مايسمى بالزواج المدنى والطلاق المدنى حتى يكون لكل فرد الحق فى الزواج أو الطلاق دون قيود ، وهم فعلوا ذلك حتى يبتعدوا عن اى قيود أو مراسم فى اى دين فى هذا الموضوع ، لانه مثلا فى الدين المسيحى لايوجد طلاق الا فى حالات معينة قليلة جدا ولكن الزواج والطلاق المدنى جعل لاى فرد يستطيع الزواج والطلاق كما يريد وطبعا من الواضح ان الغرض من ذلك التخلص من الشروط الموجودة ، كما انه بالزواج المدنى تم التخلص من القيود الخاصة بالملة فلا قيد ان يتزوج اى شاب بفتاة بغض النظر عن ملتهما ، بل ومن الممكن ان يكون احدهما دون ملة اساسا (اى ملحد) ، وهذا محرم فى الاسلام والمسيحية ، فالمسلمة لاتستطيع ان تتزوج الا مسلما والمسيحى الملتزم لايقبل الا بالزواج من خلال الكنيسة وطبقا للمذهب الذى يعتقده ، فهل من الممكن ان يقبل احد فى مجتمعنا بما يخالف هذه القواعد ؟ طبعا لن يستطيع اى فرد ان يطبق هذا المنهج وبالتالى فالحرية الشخصية من المنظور الديموقراطى يتعارض تماما مع الحرية الشخصية من منطلق الاديان .اذا من الناحية العملية فلانستطيع ان نقول اننا من الممكن ان نكون دولة ديموقراطية طبقا للمفهوم الغربى ، ولكن ذلك لايمنع من ان النظام الديموقراطى يحتوى على بعض العناصر الجيدة التى من الممكن ان نقتبسها ونطبقها ، ولكن حتى هذه العناصر الجيدة لانستطيع ان نطبقها فى الوقت الحالى نظرا لانتشار الجهل والفقر وهذان العنصران يستحيل ان تطلب من الذى يعانى منهما ان يشارك برأى سديد فى امر من الامور الهامة التى تخص شئون الحكم مثلا لانه كيف يشارك برأى سياسى وهو لايجد قوت يومه ولم ينال قسطا من التعليم ؟اذن لايجب ان ننخدع بمصطلح الديموقراطية الذى يتم وضعه فى الدساتير ويتحدث الساسة عنه كثيرا وهم لايستطيعوا ان يطبقوا ولو ربع النقاط التى تتضمنها الديموقراطية ، ويحضرنى فى هذا الشأن ما قاله المرحوم عمر سليمان منذ ثلاث سنوات تقريبا ان الشعب المصرى ليس مهيئا بعد لممارسة الديموقراطية ، وهذه هى الحقيقة التى يجب ان نعترف بها حتى نستطيع ان نضع نظاما يناسبنا ويكون عادلا فى نفس الوقت ، اما الكلام الكثير عن الديموقراطية دون تطبيق عملى لهذا النظام فسوف يجعلنا مشتتين فلا نحن سنستطيع تطبيق الديموقراطية وفى نفس الوقت لن نستطيع ان نضع نظاما يناسبنا ومن نتاج تفكيرنا وجهدنا .

التعليقات