آراء حرة

12:24 مساءً EET

محمد عبد الرازق محمد يكتب : تشويه الإسلام

في فترة  وجيزة لا تتعدي البضعة شهور استطاعت التيارات الاسلامية متمثلة في جماعة الاخوان المسلمين و المجموعات السلفية و الجماعة الاسلامية في تحقيق ما عجزت عنه كافة القوي الاستعمارية منذ مئات السنين و حتي الان . فالتتار الذين اجتاحوا العالم الاسلامي بخيولهم و اعملوا القتل و التخريب و الافساد في الارض في كافة ارجاء العالم الاسلامي بل و احتلوا مساحات شاسعة من الاراضي العربية لم يستطيعوا ان يشوهوا العقيدة الكامنة في نفوس الناس بل انهم – التتار- قد اعتنقوا الاسلام في نهاية الامر . و في العصور الوسطي ايضا نري جحافل الجيوش الاوربية الصليبية – التمسح بالصليب كان لاغراض سياسية بحتة – تفرض هيمنتها علي مساحات شاسعة من الشرق متخذة من الدين ذريعة للسيطرة و الهيمنة علي اورشليم و ما حولها من اراضي و مدن الشام و مع ذلك فشلت كل تلك الجحافل في تشوية الدين الاسلامي . و قد حاولت القوي الاستعمارية في التاريخ الحديث ان تلعب علي نفس الوتر .. فقد بذلت بريطانيا و فرنسا جهودا كبيرة من اجل تشويه الدين الاسلامي و من ثم ضرب الاسلام في مقتل .. فنري انجلترا تشجع اصحاب الافكار الاسلامية المتطرفة كمحمد ابن عبد الوهاب في الجزيرة العربية و الذي دعمته بريطانيا تدعيما كاملا من اجل نشر مذهبه المتشدد في الجزيرة العربية و كلنا يعرف دور ضابط المخابرات البريطاني لورانس في الحجاز و كيف استطاع ان يرسم الخطط المناسبة للسيطرة علي منطقة الحجاز من خلال تدعيم ال سعود و الذين دعموا بدورهم محمد ابن عبد الوهاب و بذلك تكون بريطانيا قد سيطرت علي المنطقة سياسيا و عسكريا و الاهم من ذلك روحيا ايضا . و قد دعمت بريطانيا ايضا  جماعة الاخوان المسلمين في مصر . .  بل اننا نجد شركة قناة السويس – و قد كانت شركة مساهمة اجنبية في ذلك الوقت – تتبرع لحسن البنا بعدة الاف من الجنيهات مساهمة منها في انشاء جماعة الاخوان المسلمين و هي الشركة التي لم يعرف عنها مساهمتها في اعمال البر و الخير و التقوي . و بالفعل عمل حسن البنا منذ انشاء الجماعة عام 1928 علي طرح خطاب ديني متشدد يدعو للعنف و الكراهية و الاهم انه يدعو الي محو كل الحدود السياسية محوا كاملا تمهيدا لانشاء دولة الخلافة و التي لا يوجد فيها اية حدود و تتحول فيها الدول الي مجرد اقاليم داخل تلك الدولة . و هي الفكرة التي كانت بالطبع تصب في مصالح القوي الاستعمارية القديمة من خلال تفتيت قوي المقاومة بكافة اشكالها و تمييع الثقافات للشعوب من خلال تسييل كل الدول و خلطها ببعضها و بالتالي ضمان محو التقافات المميزة للشعوب . بل محو فكرة الشعوب نفسها من اجل تسهيل السيطرة علي البشر و بالتالي الاستحواذ علي الثروات من خلال القضاء نهائيا علي فكرة القومية لكل شعب علي حدا. و لعبت ايضا القوي الاستعمارية في التاريخ الحديث علي بث الفرقة بين المسلمين و المسيحيين لخدمة اهدافها الاستعمارية و لكنها فشلت في ذلك فشلا ذريعا بل فوجئت بريطانيا بشعار الهلال و الصليب الملتحمين في ثورة 1919 .

ان كافة القوي الاستعمارية القديمة و الحديثة لم تستطع ان تشوه الدين الاسلامي بقدر ما فعل المتأسلمون في مصر و سائر دول الربيع العربي . لقد استطاع المتأسلمون في مصر مثلا ان يصلوا بالمواطن المصري الي حد ان يكره فلسطين و الفلسطينيين بسبب ما رأه من انشغال حكامه المفرط بغزة و حكامها من المتأسلمين . لقد اصبح لدي المواطن المصري قناعة لا يتسرب اليها الشك بأن منظمة حماس و التي تحكم قطاع غزة منذ ثمانية اعوام بلا انتخابات هي من قتلت ابناؤه الستة عشر في رمضان الماضي و اصبح لدي المواطن المصري شبه يقين بان حماس هي من ساعدت سجناء الاخوان المسلمين – و من بينهم الرئيس محمد مرسي نفسه – من السجون ابان احداث ثورة 25 يناير . لقد استطاع المتأسلمون في مصر بامتياز ان يفقدوا المواطن المصري تعاطفه مع ثوار سوريا لعلمه بأن قوام الجيش السوري الحر من الاخوان المسلمين في سوريا و من ثم اصبح المواطن المصري بين شقي الرحي ,, فهو يتمني سقوط الطاغية بشار الاسد و في نفس الوقت يعلم ان ثمن سقوطه سيكون باهظا و هو ركوب الاخوان المسلمون علي الثورة السورية كما ركبوا و سرقوا الثورة المصرية . و من ثم يمكن ان تتحول جماعة الاخوان المسلمين الي قوة اقليمية و بالاخص اذا استطاعوا ان ينهوا حكم الاسرة المالكة في الاردن .
لقد استطاع هؤلاء المتأسلمون يافكارهم التي يعلم الله وحده من اين اتوا بها ان يغيروا الاسلام من دين يدعوا للتسامح و قبول الاخر الي دين اخر جديد تماما يحض علي العنف و التكفير و نبذ الاخر – و الاخر هنا ليس بالضرورة ان يكون صاحب دين اخر بل ايضا قد يكون مسلما لكنه يملك فكرا مختلفا – و هنا نري انتشار مظاهر العنف تحت اغطية دينية فجة لم ينزل بها الله من سلطان . فنري ميليشيات الاخوان تعتدي علي المعتصمين امام قصر الاتحادية بل و تقوم بتعذيبهم داخا اسوار القصر تحت سمع و بصر الرئيس الاخواني المؤمن . و نجد السلفيين في انحاء متفرقة من مصر و هم يحرقون الكنائس و يهدمونها بمنتهي العنف و الجهل ايضا . بل ان قوات الشرطة المصرية تساهم ايضا بمجهود عظيم بقذف الكاتدرائية المرقسية بالعباسية بقنابل الغاز و تساند البلطجية في اطلاقهم الخرطوش علي الاقباط الذين كانوا يشيعون جنازة قتلاهم الذين قتلوا غدرا ايضا قبلها بيوم في قرية الخصوص علي يد متأسلمون مستعينون ايضا بالبلطجية و المجرمين . و الادهي من ذلك هو ذلك الصمت الرسمي تجاه الاحداث , فلم نر رئيس الجمهورية يشجب اعمال العنف علي الفور و في حينها و كأنه يريد ان يرسل رسالة للجميع بأن ما يحدث للاقباط شيئ لا يستحق الشجب او حتي التعليق عليه و علي اساس انهم مواطنون مصريون من الدرجة الثانية و ربما الثالثة  . و بعد وقت طويل يتكرم علينا الدكتور عصام حداد و هو مساعد رئيس الجمهوريه – و يبدو انه الرئيس الفعلي لمصر – ببيان اقل ما يوصف به بأنه بيان حقير يحمل فيه الكنيسة و الاقباط مسئولية ما حدث . هل من المعقول ان لا يحمل بيان رئاسة الجمهورية اية ادانة للعنف الذي حدث تجاة مصريين ليس لشيئ سوي لانهم اقباط ؟ هل من المعقول ان تهان احد اهم كنائس العالم و التي تعتبر الكنيسة الام لمئات الكنائس حول العالم و لا يتحرك اي من السادة المحترمين القابعين في كهف الرئاسة ؟ هل من المعقول ان يستمر وزير الداخلية في منصبه حتي الان بالرغم من اصداره اوامر بقصف الكاتدرائية بقنابل الغاز ؟ هل من المعقول ان لا يقبض علي اي بلطجي ممن اعتدوا علي الاقباط و الكنيسة بالرغم ان صورهم موجوده و شخصياتهم معروفة ؟ و اين السيد رئيس الجمهوريه من ذلك و كيف يندهش احد مساعديه عندما سئل عن عدم قيام السيد الرئيس بزيارة الكاتدرائية من باب اظهار المساندة لمواطنيه من اقباط مصر . اندهش السيد المسئول من فكرة زيارة الرئيس للكاتدرائية علي اساس ان تلك الزيارة لا يمكن ان تتم لان الكاتدرائية هي مكان وثني لا يجب علي مسلم متمسك بدينه كالسيد الرئيس ان يذهب اليه . و اين السيد رئيس الوزراء و المنشغل بلعبة السنافر و القيام برحلات تافهة و لا طائل من ورائها سوي تحميل كاهل مصر و الاجيال القادمة بالكثير من الديون . العديد من الاسئلة و التي اعلم مقدما انها لن تجد من يجيب عنها .
 و يبدو ان قتل مشيعين الجنازات ليس حكرا علي جنازات الاقباط فقط فقد رأينا كيف قتل النظام العشرات في بورسعيد و كيف اضاف بعض القتلي ايضا عند اطلاق الرصاص الحي علي المشيعين في جنازات القتلي لدرجة و قوع النعوش علي الارض و تبعثر الجثامين في مشهد مروع يدل علي مدي ايمان حكام مصر من مدعيي الدين و الاسلام .
لقد استطاع المتأسلمون ان يزرعوا اول بذرة للحرب الاهلية في مصر من خلال تقديم خطاب ديني متشدد و متطرف و من خلال عرض مفهوم مختلف للنص و تأويل مشبوه للايات و الاحاديث النبوية و التي في الاغلب تكون غير صحيحة او منزوعة عن سياقها لخدمة اغراضهم السياسية . ليس من المعقول ان يتفرغ هؤلاء المتأسلمون و الذين يحملون في وجوههم كل تلك اللحي الكثيفة لسب المعارضين و تكفيرهم في الوقت الذي لم يفكر احدهم – و هم من في الحكم – في ان يقدم حلولا لما يعاني منه المواطنين من مشاكل تصل الي حد الكوارث . فليس من المهم ان يقدم حزب الحرية و العدالة حلا لازمة السولار لكن المهم عند الحزب هو ملاحقة المعارضين ببلاغات للنائب العام و جرجرتهم في المحاكم من اجل تكميم الافواه و اخراس الرأي الاخر . ليس مهما ان يقدموا حلولا للاقتصاد المنهار لكن المهم هو ان يطلقوا علي المعارضين قنواتهم الدينية كالحافظ و الناس و مصر 25 و غيرها في وصلات للسب و الردح و التخوين و التكفير . ان المتأسلمين لا يشغل بالهم وطن او اقتصاد او اي شيئ من هذا القبيل لكن ما يهمهم هو الاستحواذ علي السلطة و السلطة فقط و لا شيئ غير ذلك. ان مصر بفضل حكامها من اصحاب الذقون و اللحي تسببوا لها في ضرر بالغ أعتقد اننا لن نتعافي من أثاره الا بعد عدة عقود او بفضل حدوث معجزة . لقد أفسدوا البنية الاقنصادية لمصر .. بالطبع تأثرت تلك البنية تأثرا كبيرا بفعل الثورة و لكنها كانت صامده قبل تسعة اشهر و قبل تولي محمد مرسي الرئاسة و كنا نستطيع ان نبني عليها . و لكن ما حدث هو تعمد الاهمال بالاضافة لانعدام الخبرة و انعدام الخيال و الافتقار الي الرؤية الادارية , كل ذلك ادي الي ان الدولة المصرية اصبحت علي شفا الافلاس . المشكلة الاكبر ان السيد الرئيس و السيد رئيس وزرائه لا يرون ان الاقتصاد  المصري يعاني من اي صعوبات بل علي العكس فانهم يقولون انه اقتصاد قوي . و الحقيقة ان السيد الرئيس ارجع سبب الأ زمة الاقتصادية الي شيئ لم يسبقه فيه علماء الاقتصاد و هو ان السبب هو ان الشعب غني و الحكومة فقيرة . بتلك المقولة يكون السيد الرئيس قد اطلق نظرية اقتصادية جديدة تتضائل بجانبها نظريات ادم سميث و كارل ماركس . و اعتقد ان الرئيس هنا يقصد ان الحكومة الفقيرة سوف تستدين من الشعب الغني بعد ان تستنفذ كل طرق الاستدانة الخارجية و ذلك تطبيقا لمبدأ أهو زيتنا في دقيقنا .
لا اعتقد ان احدا استطاع تشويه الاسلام بقدر ما فعل اصحاب التيارات الاسلامية و الذين يتخذون الاسلام كوسيلة للأستحواذ علي مكاسب سياسية . انهم يلوثون الدين من اجل الدنيا . انهم يتعمدون تعميق الجهل في المجتمع من خلال الاكاذيب التي ينشرونها و من خلال الخرافات التي يروجون لها  و من خلال اهمال اصلاح التعليم لان الفرد الجاهل اسهل في الأنقياد عن الشخص المتعلم . انهم ينشرون الفقر و يتعمدون اذلال الناس بانابيب البوتوجاز و السولار المختفي لان الفقير المحتاج يمكن التحكم فيه . ان الفقر و الجهل هما السلاحان الذان يشهرانه المتأسلمون في وجوهنا . انهم ينشرون القبح مع ان الاسلام يحض علي الجمال . انهم ينشرون الجهل مع الأسلام يحض علي العلم و أعمال العقل . انهم ينشرون الكفر و الالحاد مع ان الأسلام يحض علي الأيمان .

التعليقات