تحقيقات

08:11 صباحًا EET

وزير الثقافة : من اين أتى هذا الرجل ؟

تبدو الانحيازات التي تقف وراء اختيارات السلطة السياسية في التعديل الوزاري الأخير، لاسيما فيما يتعلق بموقع وزير الثقافة الدكتور علاء عبد العزيز، مثيرة للتساؤلات.

فالرسائل التي تبعثها تلك الاختيارات تبدو تجلياتها السالبة متجاوزة لأفق التوقع، في الوقت نفسه أصبح القبول بالتكلس والفساد الذي تعج به وزارة الثقافة منذ عشرات السنين أمرا غير ممكن. ما يعني أن المثقف المصري يوضع بين شقي رحى. فالفساد المستشري لابد من وقفه، والوزير الجديد لايملك، فيما يبدو، تصورا للمستقبل يمكن النقاش حوله. من هنا يبدو التغيير، على هذا النحو، قفزة نحو المجهول، ويصب عادة في سياقات لا تستهدف الارتقاء بالثقافة قدر استهدافها تغيير هويتها وتوجيه انحيازاتها التاريخية.والثقافة المصرية، في جريانها العميق، تقوم على احترام التعدد والتنوع، واحترام الخيال وتقديس الحرية الفكرية والإبداعية، في إطار الهوية الوطنية الجامعة كبوتقة تصهر الاختلافات الدينية والعرقية والجغرافية عبر احترام الجماعات البشرية وثقافاتها المحلية وتمايزاتها البيئية. غير أن هذا التصور الذي واكب نشأة واستقرار الدولة الحديثة بامتداداتها الوطنية والقومية يمثل نتوءا مقلقا لمعتقدات الحزب الحاكم بما يمثله من مرجعية معرفية مغايرة وربما متناقضة. من هنا أعتقد أن اختيار وزير الثقافة الجديد يصب في طريق تغيير الهوية الثقافية للبلاد، وهو أمر أظنه أكبر من الوزير وأكبر ممن وراءه. وظني أن هذا الاختيار سيكون بداية تقسيم الواقع الثقافي المصري، ودخوله حالة من الاستقطاب الحاد الذي يسيطر على المشهد المجتمعي برمته.فالوزير الجديد، الذي يتولى مهامه في أعقاب ثورة كبرى، لا يملك من المؤهلات أو من التاريخ ما يشير الى ثمة كفاءة من أي نوع، لاسيما وأنه منذ يومه الأول تطارده العديد من الأخطاء الأخلاقية التي لو صحت لأطاحت بحكومة كاملة. كما أن أطروحاته وتصريحاته حتى الآن لا تعبر عن امتلاك رؤية يمكن الاختلاف أوالاتفاق حولها، ومن ثم يبدو اختياره تعبيرا عن تمكين أهل الثقة، ما يعني العمل تحت وطأة آليات النظام القديم بتحالفاته مع الرجعية والفساد. لذلك أجدني متفقا مع الأطروحات العلنية لكثير من المثقفين المصريين التي تخلص الى الرفض القاطع للفساد الثقافي وتعبيراته التي تحرسها الوجوه الكالحة داخل المؤسسة القديمة، في الوقت نفسه فإن الوزير الجديد، الذي سيتحالف آجلا أو عاجلا مع هذا الفساد، لا يبدو أنه التعبير الأمثل عن اللحظة الثورية التي تتطلب كفاءة معرفية وأخلاقية وإدارية. من هنا أتوقع أن يعيد الوزير إنتاج آليات الفساد نفسها وإن كان بوجوه جديدة. الإضافة المتوقعة لرصيد هذا الفساد ستتمثل في إحيائه التحالف التاريخي مع الرجعية لنعود الى سؤال البدء : هل المعرفة حلال أم حرام ؟ !! .ربما لذلك أثار تعيين الوزير الجديد لغطا واسعا في الوسط الثقافي لاسيما أن أول قراراته كان إقالة الدكتور أحمد مجاهد رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهو القرار الذي لاقى استهجانا من طائفة من مثقفي مصر لاسيما من المجموعات التي كانت تعمل معه، فهم يرون مجاهد بين أفضل رؤساء الهيئات الثقافية عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، مقارنة ببقية هيئات الوزارة.هذا وقد أصدر عدد من التكتلات الثقافية عددا من البيانات الرافضة للوزير الجديد ولأخونة الثقافة. فقد أصدر تيار الثقافة الوطنية بيانا ندد فيه باختيار الدكتور علاء عبد العزيز وزيرا للثقافة كما رفض البيان، بالجملة، حكومة رئيس الوزراء هشام قنديل وقال البيان:‘في ظرف سياسي وثقافي معقد ومتشابك تبدو فيه الدولة المصرية مرتبكة بفعل أداء عقيم من جماعة الإخوان المسلمين، يعلن تيار الثقافة الوطنية المصرية رفضه لحكومة هشام قنديل، وذلك لما جلبته على البلاد من آثار كارثية تمثلت في غياب الأمن، وتهديد للحريات، وقمع ومصادرة لقيمة الاختلاف، فضلا عن موجات مستعرة من الغلاء المعيشي، والعسف بالمواطنين، ثم تأتي التعديلات الشكلية الساذجة التي استبدلت أسماء بأسماء أخرى، ولاؤها للجماعة الحاكمة، وجاء تعيين الدكتور علاء عبدالعزيز وزيراً للثقافة تكريسا لحال من الاستبداد المتذرع بالثقافة، وبما يعني تسييدا لمعيار أهل الثقة على أهل الكفاءة؛ فالرجل دبج المقالات دفاعا عن الرئيس مرسي ونيلا من معارضيه في منبر الحرية والعدالة الإعلامي، وكأن دولة الإخوان تصر إما على رجال مبارك، أو على رجالهم في ثنائية كريهة ستفضي بالبلاد إلى الهاوية’. يذكر أن أبرز رموز هذا التيار: الناقد الدكتور يسري عبدالله، الروائي خالد اسماعيل، المترجم عمر خيري، والقاص هيثم خيري، وهم من أبرز المساهمين في الحراك العام للثقافة المصرية ويقيمون ندوة إسبوعية تناقش أحدث الإصدارت النقدية والإبداعية والفكرية.في الوقت نفسه كانت حركة ‘مثقفون من أجل التغيير’ قد أصدرت بيانا، قبل التعديل الوزاري بعدة أسابيع حذرت فيه من أخونة الثقافة المصرية قالت فيه :‘يبدو التصاعد في خطاب السلطة الحاكمة ضدّ الحريات العامة، وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير والإبداع، ومحاولات السطو على المنابر الثقافية والتعليمية، مقدمةً لحرب ضروس أطلقت شرارتها جماعة الإخوان وحزبها الحاكم، للسيطرة على مصادر المعرفة وكافة أدوات التثقيف. وهو ما يعني توجيه الخيال المجتمعي نحو معرفة أيديولوجية تمايز بين البشر على أسس دينية، تفتقر إلى أدنى القواعد الأخلاقية والإنسانية، ما يمثل نكوصا عن الأهداف الجوهرية لثورة 25 يناير التي انطلقت تحت شعارات ثلاثة: ‘عيش، حرية، عدالة اجتماعية’.كما أن إعادة إنتاج النموذج القمعي للدولة الشمولية، باسم الدين هذه المرة، سيترتب عليه نتائج وخيمة، نرصد منها: تسييد النموذج الفقهيّ بمرجعيته القبلية، وهو ما تنبذه الوطنية المصرية المتعددة بطبيعة تكوينها عبر الزمن. مع تصاعد عملية تهميش شركائنا في الوطن، أقباط مصر، حيث يتمّ التعامل معهم كطابور خامس مستعدّ لاستدعاء الأجنبيّ في اللحظة المواتية. كما تتحوّل الدولة الشموليّة الفاسدة المستبدّة إلى دولة دينية تعتمد على إذكاء الصراع العقائديّ والطائفيّ لضمان الهيمنة، مما يسهم في إنتاج نموذج متطرف لدى المرجعيتين الإسلامية والقبطية على حدّ سواء. كذلك تغييب المفهوم الوطني الجامع لدى السواد الأعظم لصالح فكرتي الإمارة والخلافة’.يذكر أن هذه الحركة تقودها مجموعة من شعراء وكتاب ونقاد جيل الوسط بينهم الشاعر محمد عيد إبراهيم، الشاعر فتحي عبدالله، الشاعر فارس خضر، الناقد يسري عبدالله، الشاعر أسامة الحداد وكاتب هذه السطور، وآخرون.في الوقت نفسه وقع عدد كبير من المثقفين المصريين بيانا أعلنوا فيه رفضهم لأخونة الثقافة واعتبروا الوزير الجديد لايمثل تلك الثقافة بزخمها التاريخي ..ويرون أن موقع وزير ثقافة مصر، بعد الثورة، لا بد من أن يمثِّل المثقفين المصريين فيه قامة ثقافية رفيعة تسهم في إعادة الاعتبار لقوة مصر الناعمة الأساسية، وتحمي الثقافة المصرية من غزو قيم التعصب والعنصرية التي تسعى لتدمير الهوية الثقافية الوطنية المصرية الرائدة، ومصادرة كل أنواع الحريات الإبداعية والفكرية والسياسية والشخصية. وقد وقع على هذا البيان عدد كبير من كبار المثقفين المصريين بينهم الروائي بهاء طاهر، جابر عصفور، صلاح فضل، يوسف القعيد وعبد الرحمن الأبنودي وآخرون.في الوقت نفسه نشرت صحيفة ‘المصرى اليوم’ ما أكدت أنها مستندات تؤكد فصل وزير الثقافة الجديد من أكاديمية الفنون عندما كان يعمل بها لأسباب إدارية وعلمية معا.وأكدت المستندات، أن وزير الثقافة، انقطع عن العمل والحضور لشهور طويلة، وقدم رسالته للماجيستير دون تقديم مادة مكتوبة خاصة به، وجمّعها من المراجع العلمية، إضافة لمخالفته اللوائح القانونية وتطاول على زملائه وقياداته ورئيس الأكاديمية، وتمت إحالته لمجلس تأديب.وعلى خلفية اقتراح الوزير الجديد تغيير مسمى ‘مكتبة الأسرة’ الى ‘مكتبة الثورة’ اجتمعت اللجنة العليا للمشروع، وأصدرت بيانا رفضت فيه اقتراح الوزير بإجماع أصواتها، يذكر أن بين أعضاء اللجنة كلا من الدكتور حسن طلب، الكاتب الصحافي صلاح عيسى، الروائي يوسف القعيد وآخرين.

التعليقات