تحقيقات

12:02 مساءً EET

نساء كعبيش .. ضحايا الطلاق والطرد والتحرش : بشر بلا حقوق في «محمية المعذبات» !

تهميش دور المرأة في التنمية وتخلي الحكومة عن مسؤولياتها تجاه الفقيرات ضاعف من حدة المشكلة
 
مطلوب نظام تأمينى صارم وتفعيل إجراءات النفقة ونسبة سنوية من مساكن محدودى الدخل لهذه الفئة
 
تحقيق : سمير محمود
[email protected]
وراء كل باب حكاية ، وفى معركة الحياة المفتوحة على كل الجبهات بلا أبواب، عشرات الحكايات يرويها الضحايا من النساء. حين تتحول الشوارع إلى مأوى، تسقط كل الجدران، وتختفى كل الأبواب وتتحول السماء إلى غطاء وكساء للنساء ضحايا معركة الحياة، ويتحول الشارع إلى أكبر فراش يحتضن الأجساد المنهكة.. النفوس المهزومة.. الأرواح المكسورة، الأعمار المجهولة.. الأحلام المبتورة.. الابتسامة الهاربة، الفرحة الغائبة.. لنكون أمام مشهد خاص جداً لنساء الشوارع ، اللاتى يعشن بلا مأوى. هذا ما أكتشفته قبل أربعة أعوام ، وعاودت كشفه مرة أخرى بعد مصر الثورة ، خلال جولتي فى كفر طهرمس و"كعبيش" بمحافظة الجيزة الملاصقة للعاصمة القاهرة، وللأسف الوضع تدهور للأسوأ.

فلاش باك
منذ ستين عاماً، أقر "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" مجموعة كبيرة من الحقوق الإنسانية ومنها الحق في التعليم وفي المأوى الملائم وغير ذلك من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.وهي فئة واسعة من الحقوق الإنسانية التي يكفلها "العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" وغيره من مواثيق حقوق الإنسان الدولية والإقليمية الملزمة قانوناً. ولا تكاد توجد دولة في العالم ليست طرفاً في واحدة على الأقل من المواثيق الملزمة قانوناً التي تكفل هذه الحقوق ومنها مصر ، ومن بين هذه الحقوق:
الحق في العمل، وخاصةً الحق في شروط توظيف عادلة ونزيهة، والحماية من العمل القسري أو الإجباري، والحق في تشكيل نقابات والانضمام إليها؛ الحق في التعليم، بما في ذلك ضمان أن يكون التعليم في المرحلة الأولية إلزامياً وبالمجان، وأن يكون التعليم متاحاً ومقبولاً بشكل ملائم بالنسبة لكل فرد، الحقوق الثقافية للأقليات والسكان الأصليين؛الحق في الحصول على أعلى مستوى يمكن بلوغه للصحة البدنية والعقلية، بما في ذلك الحق في التمتع بظروف معيشة صحية، والحق في الحصول على خدمات صحية ملائمة ومقبولة وذات مستوى؛  الحق في الحصول على مأوى ملائم، بما في ذلك الحق في ضمان الملكية، والحماية من الإجلاء القسري، والحق في الحصول على مأوى صالح للسكن بتكاليف محتملة وفي موقع مناسب وأن يكون ملائماً ثقافياً؛ الحق في الحصول على الغذاء، بما في ذلك الحق في التحرر من الجوع، والحق في الحصول في كل الأوقات على غذاء ملائم أو على سبل الحصول عليه؛الحق في الحصول على المياه، ويعني الحق في الحصول على ما يكفي من المياه والمرافق الصحية، على أن تكون متاحة وميسرة (مادياً واقتصادياً) وآمنة.محمية المعذبات
أبدأ جولتي الميدانية فى منطقة "كعبيش" المجاورة لشارع الملك فيصل بالجيزة، تلك الجولة التي أستمرت ليومين كاملين سبقهما يوم ثالث للمعاينة ومحاولة التعرف على دليل من المكان يرشدني ويسهل مهمتي ويطمئن النساء الغلابة للتحدث إلى.
أسير في حارات ضيقة وأزقة وشوارع بلا بيوت، ولكن أحواشاً عنوانها الوحيد الفقر الشديد، حيث لا عنوان ولا رقم ولا لافتة ولا وسيلة اتصال بالحياة أو بأى لون من ألوانها.نحن بالفعل أمام محمية للفقراء والمعذبات من النساء ، من مختلف الأعمار، هي محمية يحميها الصمت المجتمعي السلبي إزاء مشكلات وهموم هذه الفئة الضعيفة ، ويصر على بقائها هكذا أرباب الجريمة الهاربون من يد العدالة ، فارضوا الآتاوات قطاع الطرق لصوص وتجار البشر وسارقي براءة الأطفال الذين تربصوا بكاتب هذه السطور وانتزعوا كاميرته وجواله الشخصي بالقوة في أول زيارة للمكان. ففي " كعبيش" تسقط كل المقدسات وترتكب كل المحرمات والموبقات ، حيث تحول البشر إلى كتل مشلولة عاجزة تتسول قوت يومها أو تسرقه ، في وقت تكافح عجائز يبعن خضر وفاكهة لمواجهة أعباء الحياة.
السواد عنوان المكان
اللون الوحيد المسيطر على المشهد هو السواد، سيد الألوان، وسيد الموقف هناك، حيث تتحرك النساء ككتل تتشح بالسواد، ربما من فرط الحزن، ربما من فرط الألم، ربما لأنه لون يحتمل ويقاسى ولا يشكو بل يفصح عن نفسه، وربما لأنه يسحق كل الموضات، ويبتلع الأحزان ولا يشى بفقر من لا يملكن سوى جلباية واحدة سوداء.السواد لم يكن حكراً على ملابس نساء الشوارع فى "كعبيش" فقط بل على العشش والأحواش المظلمة التى يعشن فيها رغم قربهن من منطقة شارع الملك فيصل الصاخب بأضوائه المبهرة.إحدى الضحايا تجلس إلى خلف قفص خشبى صغير تتشح بالسواد وتبيع الحلوى للأطفال، اقتربت منها وتركت لها حرية الحكى والفضفضة عن أحوالها وظروفها فقالت: اسمى نعيمة وعندى قول كده 50 سنة أو أكثر مش عارفة، لكن الناس تنادينى "بأم محمد" رغم اننى مطلقة من زمن بعيد لم أنجب، بس محمد ده ابن المرحوم أخويا الكبير، مات وتزوجت زوجته بآخر، وتركت لى عياله أربيهم من شوية الحلوى دول ومن مساعدة ولاد الحلال وجامع "سوسو".
قاطعتها متسائلاً: ما حكاية زواجك وطلاقك وأين تعيشين الآن ؟
ردت بعفوية قائلة: قطيعة أنا جوزى كان ماشى بطال، يضربنى يسرق فلوسى يهددنى بالطلاق يعايرنى على عدم الخلقة، وقتها كنت صغيرة وعايشة وراضية فى أوضة فى حوش مع عائلته كلها، لكن يوم ورا يوم بدأ يضربنى ويشتمنى ويطردنى فى الشارع وفى الآخر عرفت انه عايز يتخلص منى ويطلقنى عشان يتجوز واحدة تخلف له، وفعلاً طلقنى وطردنى فى الشارع لكن ربنا ما بيضيعش حق "ولية" أبداً، وعرفت انه فى السجن من سنين من المخدرات اللى بيشربها.
تكمل أم محمد، فتقول: كان لى أخ متزوج عنده خمسة عيال، عشت عنده، وكانت مراته تعاملنى أسوأ معاملة، ولما مات طردتنى من السكن البسيط بتاعه، وبعدها بشوية رمت العيال فى الشارع عشان راحت تتجوز، وطبعاً دول لحمى ولحم أخويا قلت ألمهم، وفعلاً عملت عشة من الخشب والقش ده، وربنا بعت لى ولاد الحلا، والعيال بيكبروا ولكن الحياة صعبة عشان كده ما اتعلموش وبيشتغلوا فى الورش والبيوت عشان كلنا نعيش، ومن جامع سوسو بنصرف كل شهر 20 جنيهاً وبرضه دهب يساعدنا، للمرة الثانية اسمع كلمة جامع "سوسو" واتعجت من الاسم فى البداية كنت أعتقد أن السيدة أخطأت فى الاسم أو النطق، لكنى عرفت بعد ذلك أن المسجد لرجل صالح تاجر خردة يدعى "سوسو"، وقد وهبه لله ولمساعدة النساء بلا مأوى فى كعبيش.المصيرصباح وجه نسائى فى العقد الرابع، ترك الفقر كل بصماته عليها، بعد أن نبش فيها بمخالبه العنيفة فى معركة الحياة لتلقى نفس المصير الذى لقيته أم محمد. صباح حالة معلقة، لا متزوجة ولا مطلقة حكايتها لها العجب تقول: تزوجت من "أرزقى" يعمل بالأجر يومياً بيوم. قبل عشر سنوات، وعشنا فى أوضة أنا وزوجى وثلاث بنات، فجأة لم يعد زوجى يعمل وضغط على للخروج والعمل. وأخذ يضربنى ويضرب بناتى بعنف، وبعد أن كان يحضر طلبات فى البيوت قرروا طرده بعد أن مد يده وسرق من بيت كريم كان بيصرف علينا، بعدها خرجت للشارع أخدم فى البيوت شوية، أطلع من هنا أدخل هنا، وكان نفسى أعلم بناتى عشان ما يشوفوش المر اللى أنا شايفاه، وبعدين قررت أجيب شوية خضار أبيعهم وفى يوم وأنا راجعة الأوضة لقيت واحد غريب واقف فيها وبناتى فى الشارع، وقال لى: الأوضة دى مش بتاعتكم من النهاردة جوزك باعها لى وورقة المبايعة معى. صرخت فى وجهه فضربنى وفتح رأسى، بكيت ولملمت بناتى ومن يومها وأنا والبنات ننام جنب فرشة الخضار. تكمل بأس بناتى سابوا المدارس وبيساعدونى دلوقتى واحدة تقطف الخضار والأخرى تقوم بتعبئته ووضعه فى الأكياس والثالثة بتوزع على العمارات وعلى الموظفين والمدرسات فى مدارس فيصل والشركات اللى جنبنا، وأهل الخير بيساعدوا وجامع "سوسو" بيساعد، بس البلدية مش سايبانا فى حالنا.أين معاشي ؟سيدة لا يقل عمرها عن 70 عاما، تتمتع بخفة روح ودعابة لا تجدها عند أكبر كوميديانة فى تاريخ السينما. تقول رسمية إبراهيم: اسمى رسمية وعندى 50 سنة كنت عايشة ومستورة مع زوجى الله يرحمه أصله مات قول من 23 سنة، قبل ما يموت كنت أعيش مع عائلته فى حوش أوضة وحمام مشترك وبعدين ضربنى وغضبنى مرة واثنتين كنت وقتها يخدم فى البيوت وكنت أتذلل لأصحابها عشان بيات ليل وأحياناً كنت أسافر أنام عند خالة أمى بس ماتت هى كمان وأهلها ناس شر ما بيحبونيش، ومشت الأيام والسنين ورجعت لجوزى، بس أنا مبخلفش، وكان عايز عيال، فضربنى وطردنى وبعدين عرفت أنه اتجوز، ورحت له مرة واثنتين أترجاه أن يصرف على أو يمد ايد المساعدة مفيش، وسابنى فى الشارع.. قاطعتها متسائلاً: هل طلقت منه؟
فقالت: لا، أخويا كان عايزنى أطلق منه لكن أنا رفضت وقلت ضل راجل ولا ضل حيطة حتى لو كنت مش عايشة معاه.وبعدين عرفت أنه اتجوز وخلف ومات كمان، دخت السبع دوخات عشان أحصل على معاشه لكن فشلت وعرفت أن مراته الثانية بتأخذ معاشه، بالذمة ده عدل؟!نور عينيفاطمة سلام امرأة لا تعرف كم بلغت من العمر لا تعرف القراءة والكتابة ولا أى شىء تسكن مع عمة زوجها المتوفى ولم تنجب، وأصبحت بلا مأوى بعد وفاة الزوج واستحواذ الأهل على مسكنه المتواضع، لتظل فترة فى الشارع تنتقل من بيت لجارة، لقريبة، لملجأ أيتام، وأخيراً انتهى بها المطاف بعد سنوات عذاب لتقطن مع عمة الزوج المتوفى، تقول فاطمة:
نفسى أشوف بعينى زى زمان، هذا كل ما تتمناه سيدة تعانى من مياه بيضاء على عينيها ولا تملك ثمن الجراحة أو العلاج.
الرضا بالمقسوم
القاسم المشترك بعد السواد بين نساء تعيش، الرضا بالمقسوم على قلته، والقناعة باللا شىء، والتوحد الغريب فى الصبر والفرحة الغريبة فى العيون الذابلة لقدوم أى وافد قبل وتواضع وتحدث إليهن، والرغبة الغريبة فى إظهار الكرم وحسن الضيافة تكسوها ابتسامات مرحة لم تعرف وجوههن منذ زمن بعيد أما عبارة تحب تشرب حاجة مقفولة فهى الجملة الرسمية للجميع رفعاً للحرج عن الضيف الذى قد يصيبه حالة من القرف من أكواب الشاى الزجاجية المكسورة ومدى نظافتها خاصة وأنها موضوعة فى الأرض بالشارع!سلمى سيدة فى الأربعين متزوجة من عجوز فى السبعين خلته فى البداية "ثرى عربى" هجرها ورماها فى الشارع. إلا أنها قالت انه النصيب الذى جمعها بهذا المسن بفارق 30 سنة بينهما ولا يعمل وهما الاثنان فى الشارع كل حلمهما باب مغلق عليهما.بالطبع الزوج لا يستطيع أن يتحرك وهى لا تعمل والبركة فى أهل الخير والعشرين جنيهاً من جامع سوسو.أم مصطفى، وجه آخر من كعبيش، توفى زوجها منذ شهور وهى بلا مأوى ولديها شاب هو مصطفى حاصل على دبلوم تجارة ولا يعمل وطرق كل الأبواب ولم يفتح له باب رزق واحد، وتعيش هى وابنها على باب الله.فتحية حسنين عبدالحسن 37 سنة لديها من الأولاد ستة تعيش فى عشة خوص بكفر طهرمس زوجها سائق ميكروباص يصرف دخله على كيفه ومزاجه ومعاكسة الراكبات معه، ولما اعترضت فتحية على سلوك الزوج كان مصيرها الطلاق وتعتمد على مساعدات أهل الخير.
أما سعيد المصطفى نوس 22 سنة لديها طفل عمره أربعة أعوام، توفى زوجها فى خناقة على أحد مقاهى كفر طهرمس لديها عنزة وأربع دجاجات تعيش منها هى وابنها، وتقطن الشارع، ولا مورد رزق لها غير مساعدات أهالى كفر طهرمس.
هادية.. متزوجة ولا تنجب وزوجها لا يعمل تحدثت بحدة وقالت نعمل إيه انت ترى الزبالة والمجارى تحاصرنا من كل جانب.. ولما ربنا بيرزق، أروح السوق ألم أجنحة الفراخ عشان أرم عضم أولادى.أكوام الزبالة الذباب فى منطقة الكفر التى تشبه الساحة المفتوحة بلا أرقام ولا عناوين وعنوانها الوحيد هو "كفر طهرمس" للمقهورات بلا مأوى.في مدرسة الصبر
الست آمال همام ـ 55 سنة ـ مدرسة فى الصبر على البلاء، فبعد حياة أسرية مؤلمة وخمسة أبناء، أربعة ذكور وبنت أصبحت فى الشارع بلا مأوى، الابن الأكبر متزوج، ويكفى نفسه بالكاد على حد قولها، البنت تقوم بمساعدة الأم كما الرجال بعد أن تركت تعليمها، أما باقى الأبناء الصبيان فبتنهيدة شديدة وبكاء مكتوم تقول آمال: الله يحنن عليهم واحد بيشتغل يوم ويبطل عشرة والثانى يحاول يكون نفسه أما الثالث الله يسهل له بعيد عننا ماشى مع الفاسدين وايدك منه والقبر، مرة يشرب، مرة يتخانق، مرة يرجع مجروح وربنا يسترها، الغلابة ملهمش غير ربنا.أما الابنة الصغيرة فاسمها صابرين عمرها 19 سنة سألتها ألم يتقدم لك ابن الحلال للزواج؟فأجابت: أساعد أمى حالياً فهى فى الشارع كما ترى ولو تزوجت ما وجدت من يساعدها بعد أن تخلى عنا أخواتى الصبيان؟
أم همام هذه مدرسة فى الصبر، فقدت الزوج ومسكن الزوجية واثنين من الأبناء، وتتحرك بصعوبة، وتعانى من أنيميا حادة، ورغم هذا كله الرضا بالمقسوم والحمد والشكر أنشودة تزين بها لسانها باستمرار. أما طعامها فهو كطعام نساء الشوارع فى "كعبيش" ربما قطعة خبز، قطعة طعمية، بصلة، ثوم، جرجير، هؤلاء يسمعون عن اللحم، ولا يعرفونه وبالتالى لا يعرفون إن كان صالحاً للاستهلاك أم غير ذلك؟
عذاب يوميخميسة عبدالعال فوق الستين من العمر، بلا مأوى تركها زوجها منذ 23 عاماً، لها من الأبناء اثنان أحدهما يقضى الخدمة العسكرية والآخر بالمدرسة، وترعى أيتاماً آخرين غير أولادها وكله فى الشارع عن حياتها ومعركتها مع الحياة تقول خميسة.
جوزى مات من 23 سنة وما زعلتش بعد أن تركنى.. اللى دفعت له ثمن القبر والدفنة وعشت لتربية أولادى وأولاد أخويا.
قاطعتها متسائلاً: هل فكرتي في الزواج مرة أخرى ؟
ردت باستنكار شديد وقالت: عيب يابيه، أبيع واشترى وما بهدلش ولادى مع حد غريب.. اليوم المفتوح لخميسة ليس كبرنامج التليفزيون الشهير، وإنما كحالها وعيشتها فى الشارع المفتوح والحوش بلا أبواب ولا جدران، تبدأ قبل صلاة الفجر، تصلى تجهز الفرشة لتبيع بعض الخضرة، ولما ربنا يفرجها كل شهر ممكن تجيب كيلو لحم من محمود الجزار!
وتأكل وتشرب فى الشارع وتطعم أولادها وأولاد أخيها بالحلال فى الشارع.حتى الدراسات لم ترحمهنالهزيمة من أرض الواقع إلى أوراق الأبحاث ، ونفتح هنا أقواس الواقع المر، من معركة الحياة نضيف بها إلى الدراسات العلمية الجديدة والمؤلم، فإذا كانت القمة العالمية للمرأة التى احتضنتها القاهرة قد أعلنت انحيازها للفقيرات وأبرزت أوراق العمل فيها أن الحروب والعنف والطلاق للمرأة التى لم تنجب والتى أنجبت وأنهت فترة حضانة الأطفال والفقر من أبرز أسباب ظاهرة النساء بلا مأوى، فإن هروب الزوج أو الزوجة واستيلاء أهله على هذا المسكن يعد واحداً من أخطر الأسباب لتفاقم الظاهرة نفسها.
ضاعت الحقوق
في تقريرمهم منشور حديثاً على موقع منظمة العفو الدولية https://www.amnesty.org/ar/economic-social-and-cultural-rights  إشارات واضحة وبالغة على ماهية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبشر، يؤكد التقرير أن بلايين البشر من النساء والرجال والأطفال يواجهون مستويات من الحرمان والفاقة تقوِّض حقهم في العيش بكرامة. فظواهر مثل الجوع وانعدام المأوى وتفشي الأمراض التي يمكن منعها ليست مشاكل اجتماعية محتومة، وليست مجرد نتاج لكوارث طبيعية، بل إنها بالأحرى فضيحة في مجال حقوق الإنسان.
وهذه الانتهاكات للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تتعلق بنقص الموارد، بل هي مسألة تتعلق بالعدالة. فجميع حقوق الإنسان مترابطة فيما بينها، وإهدار أي من هذه الحقوق يؤدي إلى إهدار حقوق أخرى. فعندما لا تتوفر حرية التعبير، على سبيل المثال، يُهدر الحق في التعليم ، ولكن ما زال هناك الكثير الذي يتعين عمله حتى يتمتع كل إنسان بالحق في العيش بكرامة.وبطبيعة الحال تتحمل الحكومات الوطنية، المسؤولية الأولى عن جعل حقوق الإنسان حقيقة ملموسة.
وبالرغم من الضمانات الدولية لهذه الحقوق، فإن العالم يشهد الحقائق التالية:  هناك قرابة مليار شخص يعانون من الفقر المزمن، إلى إضافة 75 مليون شخص آخرين إلى أولئك الذين يعانون من سوء التغذية المزمن.وهناك أكثر من مليار شخص يعيشون في "أحياء الفقراء" ومساكن عشوائية، وهناك واحد من كل ثلاثة من سكان المدن يعيشون في مساكن غير ملائمة لا تتوفر فيها المرافق الأساسية.
نروح لمين
أعود لمحمية المعذبات وأستكمل جولتي الميدانية بعد توقيفي بالقوة على يد بلطجية المنطقة ، لأطالع بيوتاً من ورق بلا سقف يستر أو يداري هموم وأوجاع البشر ، وأتابع حالات طرد الزوجات أو تطليقهن، أو التخلص من مسكن الزوجية بمعرفة الزوج ودون علم الزوجة التى تصبح آخر من يعلم وتكتشف فى لحظة أنها فى الشارع هى ومن معها من أبناء وبنات تثير لدينا العديد من الأسئلة:- ما مصير هؤلاء، وأين يذهبن وأى نوع من المستقبل ممكن أن نرسمه لامرأة بلا مأوى؟!- ومن يحمى هؤلاء من الشارع وويلاته؟- من يحمى الضحايا.. النساء والصبايا.. من التشرد والاستغلال؟- وهل يظل المجتمع يظلم فيهن مرتين، مرة بالطرد فى الشوارع ، وأخرى بالتعامل معهن على أنهن قلة منحرفة وفئة أدنى لا حق لها فى الحياة؟- وهل يستطيع أى إنسان أو خبير نفسى اجتماعى عبقرى أن يرسم لنا بورتريها دقيقاً لحالاتهن النفسية.- وهل من حلول ناجعة لمشكلة النساء بلا مأوى؟
المعاناة الأكبر نساء بلا مأوى
معاناة نساء بلا مأوى
فى بحث لها بعنوان "الفقر والنساء المعيلات.. الأبعاد والمواجهة" حذرت الدكتورة نادية حليم أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية،  من خطورة الفقر على النساء خاصة اللاتى يعلن أسرهن مؤكدة ان الضغوط الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية انعكست على أوضاع الأسرة وألقت بأعباء إضافية على المرأة المعيلة تحت وطأة الإصلاح الاقتصادى الذى تأثر به الفقراء فى مصر وكان حجم المعاناة الأكبر من نصيب النساء، ممن تعرضن للتفكك الأسرى وفقدن المأوى وهو المنزل المناسب للمعيشة.
نحن أمام قنابل موقوتة، مشاريع انحراف أو إجرام ضحايا يفرض عليهن المجتمع أن يصبحن جناة.. بهذه الكلمات تحدث الدكتور أحمد المجدوب أستاذ علم الاجتماع بالمركز ورئيس وحدة بحوث الجريمة مؤكداً أن هذه الشريحة تعرضت لقسوة جعلتها تخرج مهزومة فى معركتها مع الحياة، وأمام المجتمع وبالتالى بعضهن يهربن للعمل غير المشروع، وأكثرية تبدأ أنشطة هامشية تتكسب منها وأخريات يعملن فى دور الأيتام وخدمة المنازل ودور العبادة، وبيع الخضار والمناديل فى الشوارع. لكن تظل المشكلة فى توفير المأوى، وهنا يبرز المجتمع أنيابه لهن خاصة وأنه لا يقبل بعودة المطلقة إلى منزل الأسرة، فتصبح المرأة كالورقة المهملة تقذفها الرياح، مرة لدى الأهل والأقارب وأخرى لدى الأصدقاء والمعارف وأغلب الأوقات وأخرى لدى الأصدقاء والمعارف وأغلب الأوقات تقبل بطلم وقسوة الزوج وتقول فى نفسها ظلمه وذله أهون من نظرات الأهل والمجتمع فتعود وللأسف يمعن بعض الأزواج فى الظلم والقسوة فلا يصبح أمام النساء غير الشارع.دراسة ميدانية مهمة حول النساء بلا مأوى أجريت على محافظات القاهرة والقليوبية والغربية والمنيا كانت حصيلتها الأرقام التالية بشأن مصير النساء بلا مأوى:- 52,5% من الحالات انتقلن للإقامة مع أسرهن.- 20% من الحالات يتنقلن فى إقامتهن بين الأهل.- 2,5% من الحالات يقمن بشكل مؤقت فى شقة أحد الأقارب.- 5% من الحالات مقيمات فى عشش فى الشارع.- 2,5% من الحالات انتقلن للعيش مع أحد الأبناء.- 2,5% من الحالات مازلن فى منزل الزوجية انتظاراً للبت فى دعوى الطرد المرفوعة من قبل الزوج.- 5% استأجرن حجرة فى شقة أحد المعارف.- 10% استأجرن مسكناً رخيصاً.
تنازلات
نساء الشوارع بلا مأوى، يضطرون للتنقل من بيت لبيت ويكن عرضة للضغوط والاستغلال والتنازلات التى قد تدفع بهن إلى الهاوية. بهذه الكلمات تحدث الدكتور محمد إبراهيم صالح أستاذ العلوم السلوكية مؤكداً أن المجتمع يحاكم المرأة وينظر إليها وكأنها مسئولة عن حالتها بدلاً من مساعدتها، فهى فى نظر الناس، امرأة فاشلة اجتماعياً منحرفة بلا خلق، لا تستحق الاحترام وشيئاً فشيئاً تحول من ضحية إلى مجرم دون ذنب، وبطبيعة الحال يولد هذا شعوراً عميقاً لديها بالمهانة خاصة إذا طردها الزوج وانشغل عنها الأبناء كل بحالة وتزوج زوجها بأخرى وبقت هى عاجزة مشلولة غير قادرة على الفعل خاصة إذا لم يتوافر لديها مصدر دخل ثابت ومكان يؤويها وهنا الخطورة.   التأمين ضرورة ملحةتناولنا للموضوع ليس هدفه تقديم بكائية على أحوال بنات حواء ممن فرضت عليهن الظروف هذه الأوضاع القاسية، وليس دعوة للتعاطف الذى لم يعد وحده كافياً، وانما صرخة ألم من أجل حقوق المرأة المهمشة التى لا تعرف شيئا عن الجمعيات النسائية ومنظمات المرأة العربية وحركة المرأة من أجل السلام ومنظمات حقوق المرأة المنتشرة بطول مصر وعرضها يؤكد هذا المعنى يسرى الطحاوى المسئول بهيئة الإغاثة الإسلامية مصر، مؤكداً أن توفير دخل ثابت مسألة لا بديل عنها سواء من خلال معاش شهرى أو استثنائي أو إعانة شهرية من التبرعات أو صناديق الزكاة أو رجال الأعمال والمستثمرين وسيدات الأعمال والصندوق الاجتماعي للتنمية والهيئات الإغاثية وأهل الخير. كذلك من المهم تدبير مأوى لمن لا مأوى لهن، وهنا يمكن أن تخصص الدولة سنوياً جزءاً من مساكن محدودي الدخل للنساء بلا مأوى كتلك التى تخصص للمنكوبين بالزلازل وانهيارات العمارات، أليس وضع النساء فى الشوارع بكارثة طبيعية ونكبة لا تقل خطورة عن من وقع بيتها، ان المرأة بلا مأوى فى زلزال أشد وطأة حيث فقدت كل شىء البيت والزوج وتعاطف المجتمع والأبناء ومصدر الدخل والأمان وكل شىء يمكن تصوره.
الدعم المفقود
نحن أمام فئة كبيرة من مسلوبي الحقوق الاجتماعية ، بشر على هامش الحياة لا تتوفر لهم الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية الأساسية ، بهذه الكلمات تحدث الدكتورة ابتسام على الباحثة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، مشيرة إلى سوء النظم الخاصة بالتأمين الاجتماعى مؤكدة انه لابد من نظام تأمين اجتماعى صارم، مع تفعيل قوانين النفقة وإجراءاتها بدلاً من إذلال المرأة فى حصولها على حقوقها، مع توفير فرص عمل يفتح بيتاً دون احتياجه لمهارات عالية مع تأهيل وتدريب هذه الشريحة لدمجها فى المجتمع فى ضوء نظام دعم support system بدلاً من ترك المرأة فريسة للضياع والانحراف والأمراض الاجتماعية الخطيرة التى ربما تكبد الدولة أموالاً طائلة فى علاجها تفوق عشرات المرات ما كان يلزم لتأمين أوضاع النساء بلا مأوى.
العيش بكرامة
سنحيا كراما ً، شعار جميل صاحب الحملة الدعائية لأحد المرشحين للرئاسة في مصر ما بعد ثورة 25 يناير 2011 ، لكن هيهات بين الشعارات والوقائع على الأرض . قضية هؤلاء البشر متشعبة ، إلا أن قضية الفقر والفقراء والمهمشين تظل أولوية على الدولة والحكومة التركيز عليها ،وبيان أسباب تصاعد معدلات الفقر في المجتمع والنتائج المترتبة على ذلك ، بهذه الكلمات شدد حافظ أبو سعده رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، على ضرورة الإشارة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الواردة في الدستور وأحكام الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ، ومدى التزام الحكومة بتنفيذ التزاماتها الدولية في هذا الإطار.ومن المهم  استمرار الدعم للسلع والخدمات، والذي يستفيد منه الفقراء والمهمشون وضمان وصوله لمستحقيه، وسرعة إيجاد حلول للمشكلات التي تواجه الدعم في بعض السلع ، والتفكير في منظومة الدخل،
أما أحدث تقارير حقوق الإنسان الصادر عن المجلس القومي لحقوق الإنسان برئاسة المستشار محمد حسام الدين الغرياني ، في 2012 م فقد أوضح أن ثورة الشعب ضد الفقر والجوع وسوء الأحوال المعيشية وغياب فرص العمل وغيرها ،كانت وراء اسقاط نظام بأكمله ، ولا شك أن هذه الشريحة من النساء في كعبيش هن جزء من كل كبير يعاني كثيراً . فقد عانى صاحب الحق (المواطن) الكثير من جراء عدم تمكينه من حقوقه الأساسية التى تكفلها له الدولة كحقه فى الحصول على مسكن ملائم والعيش فى بيئة نظيفة والحصول على فرصة عمل توفر دخل ثابت ومن ثم يتوفر له القدر المناسب من العدالة الإجتماعية . وبالتالى التمتع بالكرامة الإنسانية .
الحقوق ضمانة للتنمية
د محمد عبد الغني  خبير التنمية الدولية أكد ضرورة مراجعة وضع المرأة في السياسات التنموية الكلية للدولة. فالمرأة هي نصف المجتمع ، وضياع قدراتها وإمكانيتها هو هدم للمجتمع، فهي عقل مفكر وواعٍ وموهوب تحتاج إلى كل الدعم لتحقق الأمة نهضة شاملة وعلى جميع  المستويات، لكن المرأة تواجه العديد من المشكلات منها عدم المساواة مع الرجل، وتهميش دورها، بالإضافة إلى التضارب بين دورها الاجتماعي في بناء الأسرة وتكوين المجتمع، ودورها كامرأة عاملة وهو أحد أهم العقبات التي تواجه تقدمها، وفئة المهمشات في كعبيش شريحة لا يستهان بها في هذا الأمر بل هن نموذجاً صارخاً لذلك ، مثلهن عشرات الأولف من قاطني المقابر بلا حقوق ، وهي ظاهرة فريدة يمكن أن ترصدها في مصر دون غيرها من بلدان العالم !
حلول فوريةد إيمان بيبرس رئيس جمعية نهوض وتنمية المرأة تؤكد ، هذه الفئات في كعبيش وعزبة الوالدة وغيرها تحتاج إلى حلول فورية ، وقد كنا أول جمعية توفر القروض متناهية الصغر بنظام الضمان الجماعي في مصر والوطن العربى.وأول جمعية تكتشف الغياب القانوني للمرأة وافتقارها للأوراق الرسمية، وهو الأمر الذي عملت على التغلب عليه من خلال تقديم الخدمات القانونية الخاصة باستخراج الأوراق الرسمية مثل البطاقة الشخصية وشهادات الميلاد.كما كنا أول جمعية تنشيء دارا لإستضافة السيدات المعنفات في مصر وأطفالهن حيث تقدم لهن الرعاية الصحية والنفسية.
وقالت د.إيمان بيبرس – صاحبة كتاب "نساء من الميدان" وكتاب "أم البطل" – ، خلال مشاركتها في ندوة ماذا تريد المرأة من الرئيس القادم ، إنه من خلال خبرة الجمعية على مدار أكثر من 25 سنة وتعاملها مع أكثر من 60.000 أسرة في أكثر المناطق عشوائية في مصر، فقد قامت الجمعية بعمل دراسة مع أكثر من 1700 شاب و2700 سيدة حول أهم مطالبهم خلال الفترة القادمة، وكشفت نتائج الدارسة إلى أن مطالبهم تتلخص في العيش في مسكن آمن وصحي فأغلب المنازل لا يوجد بها صرف صحي ولا مياه صالحة للشرب، وتوفير العلاج، وتوفير فرص تعليمية تساعدهم على إيجاد عمل يدر عليهم دخل ليعيشوا بكرام، فهل من مجيب؟!

 

 

 

 

 

 

Normal
0

MicrosoftInternetExplorer4

التعليقات