آراء حرة

12:21 مساءً EET

محمد صلاح يكتب : لماذا طردنى الإخوان من بيتى؟

أكثر من أربعين عاما عشتها فى دار أخبار اليوم بعد تخرجى مع الدفعة الأولى من كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أيام وشهور وسنوات طويلة أخذت معظم عمرى قضيتها فى ذلك المبنى العتيق بشارع الصحافة، عشت فيه أكثر مما عشت فى بيتى مع أهلى وأولادى أفنيت شبابى وأعصابى وأحلى سنوات العمر من أجل صاحبة الجلالة ولم يخطر على بالى يوما أن إنسانا نكرة يجلس على مقعد الرئاسة سواء كانت رئاسة أخبار اليوم أو رئاسة مجلس الشورى أو حتى رئاسة جمهورية مصر يمكن أو يجرؤ على أن يطردنى من بيتى إلى الشارع بحجة أنه صاحب البيت. بأى أمارة لا أعلم! لم أكن غريبا مهاجرا إلى مصر، مصرى أنا، وكذلك كل أجدادى كان جدى الذى أحمل اسمه عضوا بمجلس الشيوخ المصرى عن منطقة مصر القديمة كان من أهلى تجار وضباط وأطباء ومهندسون واليوم ولدى الكبير ضابط يعمل فى السماء مع الطيران، والصغير أيضا ضابط فى قواتنا المسلحة يشارك فى حماية مصر! أما أنا فقد دخلت السجن أيام الجامعة مع صديقى الراحل أحمد عبدالله رزة زعيم طلاب مصر فى السبعينيات لأنى غطيت جدران الجامعة بعشرات من مجلات الحائط التى تهاجم الرئيس الراحل أنور السادات.. أيام عام الضباب ودفعت فاتورة الوطنية مبكرا ولم أندم ولم أتاجر بالوطنية كما يفعل تجار الوطنية اليوم! فى الجامعة تعلمت الصحافة على يدى أستاذى الراحل جلال الدين الحمامصى، وفى أخبار اليوم تلقفنى عمالقة الصحافة المصرية. على ومصطفى أمين وموسى صبرى وسعيد سنبل ووجيه أبوذكرى وإبراهيم سعدة لم يعلمونى أسرار الصحافة فقط بل تعلمت كيف أحب بلدى بالإخلاص فى عملى. علمنى مصطفى أمين كيف أدافع عن المظلومين والفقراء. وعلمنى إبراهيم سعدة كيف يكون قلمى مسدسا فى الحق لا يعرف الخوف أو الجبن. وعلمنى وجيه أبوذكرى كيف أغمس قلمى فى حبر الإنسانية والوطنية فقضيت أيامى فى السجون أبحث عن المظلومين وأروى حكاياتهم. حاربت تجار المخدرات والسموم وفضحت أسرارهم. فهددونى بالقتل وواجهت رصاصهم وظللت أكتب دون خوف! وصنعت أول صفحة حوادث متخصصة فى مصر والعالم العربى بهرت ملايين القراء، وكان الناس يقرأون أخبار اليوم كل سبت من الصفحة الأخيرة التى أكتبها، وقال مصطفى أمين عنى هذا آخر أحفادى وأرسلنى سعيد سنبل إلى بيروت لأغطى أحداث السنة الأخيرة فى الحرب الأهلية اللبنانية، وعملت تحت الرصاص والقذائف والسيارات المفخخة! وعدت لأفكر فى إصدار أول جريدة حوادث متخصصة وتحمس إبراهيم سعدة للفكرة، وشجعنى على إصدارها تحت اسم أخبار الحوادث فأصدرتها مع عدد قليل من شباب الصحفيين المبتدئين فكانت سبقا فى عالم الصحافة ومازالت ولم أحصل على مليم واحد عن الفكرة ولا عن الجهد الخرافى! وعندما وقع الحادث الإرهابى الشهير فى الدير البحرى بالأقصر أسرعت بالطائرة لأغطى تفاصيله.. وعدت إلى أخبار اليوم وكتبت كل ما حدث ثم سقطت فى مكتبى فاقدا الوعى.. واكتشف الأطباء أن ثلاثة شرايين فى قلبى قد انسدت تماما وأرسلونى إلى لندن لإجراء عملية قلب مفتوح! وعدت لأفاجأ بتعيينى رئيسا لتحرير مجلة آخر ساعة العريقة.. وكان توزيعها فى الصفر وطلب منى أستاذى إبراهيم سعدة تطويرها.. وهو ما حدث بمساعدة محرريها الأفاضل وقفز توزيعها إلى الأعلى.. لكن بعد أربع سنوات فوجئت بنقلى منها لأننى بعد حادث حريق قطار الصعيد وضعت على غلافها صورة رجل إسعاف يحمل بين يديه جثة متفحمة لأحد ركاب القطار المنكوب! وكانت عقوبتى هى العودة لرئاسة تحرير أخبار الحوادث، وظللت أعمل بها أحد عشر عاما بكل إخلاص. لم أستغل عملى فى الحصول على مكسب شخصى لم أحصل على قطعة أرض ولا على شاليه فى الساحل الشمالى أو غيره لم أستغل منصبى فى الحصول على ملايين الجنيهات من عمولات الإعلانات كما فعل غيرى. كنت طوال الوقت مشغولا بالصحافة والبلد، ساعدت الصحفيين الشبان علمتهم الصحافة وأعطيتهم الفرصة وقفت معهم وساندتهم! بعد الثورة انقلب كل شىء وليس النظام فقط. وتفجرت موجة مجنونة لتغيير كل القيادات. وفوجئت أن أولادى الذين ساعدتهم وعلمتهم يطلبون تغييرى، وكانت صدمتى الإنسانية كبيرة وبين يوم وليلة تغيرت حياتى. وجدت نفسى وحيدا فى مكتب متواضع لا يدق بابه أحد ولأول مرة فى حياتى ينكسر قلمى ومنعنى زميلى محمد بركات الذى كان وقتها رئيسا لمجلس إدارة أخبار اليوم من الكتابة لكن الصديقين عادل حمودة وسليمان جودة طلبا منى بكل شهامة الكتابة فى الوفد والفجر! وبدأت أكتب عن كل ما يشغل المصريين عن هموم الناس. عن ضيقهم بحكم الإخوان عن اليأس والإحباط العام عن اعتراض المصريين على أخونة مصر. عن الحال المتردى الذى وصل إليه شعب مصر ألم يزعم الرئيس محمد مرسى أننا نعيش أزهى عصور الحرية فى عهد الإخوان؟ ألم يطلب منا بلسانه أن ننقده إذا أخطأ أو خالف وعوده وعهوده؟! لكن الإخوان يؤكدون كل يوم أنهم الإخوان. فى الأسبوع الماضى أبلغونى ردهم وكان المدعو أحمد فهمى رئيس مجلس الشورى أبو%5 من أصوات الناخبين، وفى إطار خطة أخونة الصحافة قد طلب من قيادات الصحف القومية عدم التجديد لكبار الصحفيين، فاجتمع مجلس إدارة أخبار اليوم لتنفيذ تعليمات أحمد فهمى لكن على طريقة الخيار والفقوس وطظ فى القانون والكفاءات وعلى بركة الله جددوا لمن أرادوا ولمن رضى عنهم الإخوان الصالحون أما أنا وبكل تاريخى فقد قالوا لى مع السلامة.. اذهب إلى الشارع! ووالله لم يؤلمنى أن يطردنى الإخوان من بيتى.. فقد طردهم شعب مصر من عقله وقلبه.. أكثر ما ألمنى كان موقف زميلى أحمد سامح رئيس مجلس الإدارة الذى جعله حب التمسك بالمنصب ومداهنة الإخوان الذين بيدهم السلطة ينسى كيف وقفت معه وقت شدته عندما طرده رئيس مجلس الإدارة الأسبق محمد بركات من وظيفته.. وأراد أن يلقى به موظفا فى الأرشيف.. لكنى لم أقبل الإهانة له.. وعينته على مسؤوليتى مديرا لتحرير أخبار الحوادث.. وأكرمته بشهادة الجميع! هكذا فعل ويفعل الإخوان بالإنسان فى مصر.. يجردون الناس من الأخلاق والدين. ويجعلونهم يقتلون قلوبهم بأنفسهم.. لكن ربما يظن الإخوان أنهم نجحوا فى طردى من بيتى الصغير أخبار اليوم.. لكنهم لن ينجحوا أبدا فى طردى من البيت الكبير مصر، وسوف يقضى الله أمرا كان مفعولا!

التعليقات