كتاب 11

01:48 مساءً EET

سقط «الإخوان» وبقي «المسلمون»

 
منذ اللحظة الأولى لإعلان محمد مرسي رئيساً لمصر، كان ملايين المصريين على يقين تام من سقوط هذا الرئيس وجماعته الراديكالية في غضون أشهر قليلة تمتد كحد أقصى إلى عام، وهو ما حدث بالفعل مع الاحتشاد الثوري الجارف في ميادين مصر كافة، منذ 30 يونيو الماضي وحتى إعلان الجيش عزل مرسي في 3 يوليو.

المشهد الأبرز هنا هو استمرار وجود الإسلام والمسلمين، وكذا لم تختف الصلوات من المساجد، ما يعني أن التنظيم الذي تشدق بالمشروع الإسلامي ووعد بـ"تطبيق الشريعة" كان يستخدم الدين وسيلة لخداع الشعب وصولاً إلى تطبيق سياسة "التمكين" لا أكثر ولا أقل، أما الشعب المتدين بفطرته – سواء كان مسلماً أم مسيحياً – لم تخل عليه هذه الأكاذيب، لأنه ببساطة يدرك جيداً الفارق الشاسع بين الإسلام الوسطي المعتدل، والتأسلم المسلح الداعي إلى تفتيت المجتمع ونشر الطائفية، وترويج العنف، ولعل دعوة المصريين التي رفعوها إلى رب العالمين "اللهم بلغنا رمضان بلا إخوان" تؤكد أن هذا الشعب قوي الإيمان إلى الدرجة التي جعلت المولى عز وجل يلبي سريعاً، فكان سقوطاً "سهلاً" للجماعة "المحظورة" بفضل إيمان ملايين المصريين.
والمشهد الثاني هو ما ظلت قنوات التأسلم السياسي تبثه من أضاليل ليل نهار، في محاولات بائسة لكسب مؤيدين للرئيس الفاشل، فعمدت إلى تشويه الصورة الحقيقية لثورة 30 يونيو، والتي بدأت ملامحها تتضح منذ أكثر من شهر مع بدء اعتصام المثقفين والفنانين والأدباء في مقر وزارة الثقافة رفضاً للوزير المتأخون علاء عبدالعزيز، حيث وصفت هذه القنوات المتأسلمة تجمعات الصفوة المثقفة هناك بأنهم كفار وملاحدة وشواذ، وادعت كذباً أنهم يتجمعون في مبنى الوزارة لتعاطي المخدرات والحشيش وشرب الخمر!
ولم يدرك هؤلاء الغوغاء من "بني إخوان" أن استعداء النظام لأصحاب الفكر من مثقفين وأدباء وفنانين، لن ينساق وراءه سوى محدودي العقل، وببغاوات التيار الوهابي الذي دأب على تكفير كل من يعمل عقله، وكانت موقعة "المغير" بمثابة الشرارة الأولى – من وجهة نظري – لانطلاق ثورة التصحيح الأخيرة التي أبهرت العالم، وقضت على التنظيم الدولي للجماعة المتأسلمة، أو على الأقل تفكيكها.
الشرارة الثانية كانت في الخطاب الطائفي الذي ظهرت نواياه السيئة في الصالة المغطاة في حضرة الرئيس المعزول، حينما تم رمي الشيعة بالكفر، وكذا من كانوا يتأهبون للمشاركة في تظاهرات 30 يونيو، قبل أن تتحول إلى ثورة عارمة تطيح بالنظام المتأسلم.
إن الدين عند الله الإسلام وليس الإخوان، ولذا لن تقوم لهذه الجماعة قائمة أخرى ربما لمئة سنة قادمة، ومهما هدد أنصار الخراب من التيارات الجهادية باستهداف الكنائس والمنشآت الحيوية، فلن يفلحوا، فالجيش لن يكون وحده هذه المرة في مواجهة أعداء الحرية وعشاق العبودية، فللجيش شعب يحميه، يسير معه جنباً إلى جنب، ويؤازره في كل خطاه، لأجل بناء حقيقي للبلاد.
والواقع يؤكد أن الفكرة لا تموت، لذا لن يموت أبناء سيد قطب، بل إنهم سيحاولون جمع شتاتهم، من كل صوب وحدب، ومن هنا يجب أن ينبه الشعب المصري ومن خلفه أجهزة الدولة السيادية التي تعمل بوطنية فائقة لأجل هذا الشعب، لعدم استيقاظ هذه الخلايا مجدداً، ولا أحسب أن ثمة قلق ممن يسمون أنفسهم بالجهاديين، فهؤلاء لا يهمهم مرسي ولا غيره، بل يسعون إلى الإفساد في الأرض، وليس غريباً أن تجد كل مؤسسات الدولة وأطياف شعبها العظيم ضد النظام الإخواني الذي حكم واستبد وطغى، باستثناء الجهاديين، الذين اختاروا الاصطفاف خلف الرئيس "الشرعي" كما يزعمون، رغم أنهم على يقين أنه ليس شرعياً، فالجهاديون في حقيقة الأمر لا يعترفون بالنظام الجمهوري ولا بالقضاء المعمول به في مصر الذي يطبق ما يعرف بـ"القوانين الوضعية"، ولا يعترفون بالدستور بل يعتبرونه "وثيقة كفر"، لكن السبب الرئيسي لاصطفافهم خلف مرسي وجماعته هو أنهم كان المستفيد الوحيد من بقاء هذا النظام.
أما هذا الاصطفاف الجهادي الإرهابي خلف مرسي، فله أسباب عدة أبرزها، أن مرسي أصدر أوامر بالإفراج عن الكثيرين منهم، إن لم يكن جميعهم، وبالتالي أخرجهم إلى الحياة مجدداً بعدما عاشوا في غياهب السجون، وفقدوا الأمل في رؤية النور مرة أخرى، وبالتالي كانوا على يقين تام بأن سقوط نظام مرسي سيكون سبباً في عودتهم مجدداً إلى السجون والمعتقلات، ومن هذا المنطلق بدأت هذه الجماعات تتوعد الجيش في سيناء وأعلنت عن تشكيل جبهة حرب، تستهدف المنشآت الحيوية وأماكن تواجد القوات المسلحة في أرجاء البلاد.
لذا أتوقع أن تشهد الفترة المقبلة، بعض عمليات إرهابية لأجل استهلاك قوة الجيش والشرطة، استعداداً لقفزة كبرى على الدولة، التي يظنون أنهم قادرون على تحويلها إلى سورية، عبر ترويج شائعات خبيثة عن وجود انشقاقات في صفوف الجيش، وهو ما حذرت منه القوات المسلحة أخيراً، لكن بالتأكيد الجيش القوي الباسل الذي نفذ الرغبة الشعبية الجامحة في التخلص من الجراثيم الإخوانية، سيكون جاهزاً هو الآخر بالرد الحاسم، كونه أقوى جيوش المنطقة، وأكثرها وطنية.
***********
كلمة أخيرة:
أدرك المصريون كم الفشل والغباء السياسي الذي تتمتع به جماعة الإخوان، وراجع الكثيرون أنفسهم ممن منحوا أصواتهم للمعزول، لعل هذه الاستفاقة تؤهلنا لاختيار رئيس جديد، يكون قادراً على تلبية مطالب هذا الشعب "الجبار" وليعلم الرئيس القادم – أياً كان – أن عليه أن ينجح مهما كانت الصعاب، وألا يكرر أخطاء سلفه من تبرير فشله بأخطاء من سبقه، أو التمسح الكاذب بالدين، وإلا سيكون الرد أعنف.
[email protected]
 

التعليقات