ثقافة

08:55 صباحًا EET

إبراهيم القاضي يكتب : المزرعة السعيدة (قصة قصيرة)

اليوم العيد الوطنى للمزرعة ،يوم اعتلى السيد القائد الرفيق الفأرفرهود سدة الحكم ،حقا أنه يوم تفخر به مزرعتنا السعيدة ، ففيه دشن القائد لعهد جديد من الحرية ،و ها نحن فى انتظار وصول سيادته إلى القاعة بصحبة السيدة حرمة ..كانت تلك الكلمات الأولى التى قص بها الثعلب مليجى شريط الكلمات المهنئة للزعيم الرفيق ..القاعة تعج بالحاضرين من أبناء المزرعة السعيدة ..ينتظرون القائد و يستمعون لكلمات نخبة المزرعة ..التى تشيد بحكمة سيادته ..حقا كلمات صادقة تخرج من قلوب أصحابها،لتستقر فى قلوب الحاضرين !!

استبد الهدوء للحظات فى المكان ،كانت العيون تترقب ،نزول الرفيق فرهود من سيارته ، فاشتعلت القاعة بالتصفيق الحاد ،و أشار فرهود بذيله الطويل للجماهير مرحبا ،وامسكت القطة سوسن المذيعة بتليفزيون المزرعة المذياع و قالت بسم القائد الرفيق فرهود ،بسم السيدة حرمه سيدة المزرعة الأولى ، بسم شعب المزرعة السعيدة ،و بمناسبة مرور عشرون عاما من السعادة على تنصيب الرفيق القائد فرهود ،نفتتح الحفلة بالوقوف جميعا ..و ترديد نشيد المزرعة يا فأر كرامته من كرامتنا يا فأر عزه عزنا يا فأر روحه مقدسة المجد لك و لزوجك و للمزرعة من بعدك فرهود ..فرهود ..فرهودد ردد الحاضرون فى خشوع النشيد ،و انتفخ صدر فرهود بهواء الزهو و الفخر ،دفنه تحت غطاء من العبوس على وجهه ،و امسك بالمذياع و بدأ متنحنحا ،فعاود الحاضرون التصفيق و قال القرد شلش مقاطعا  يالها من نحنحة مميزة امتلىء صدر الذئب شمشور غيظا من رفيقه القرد شلش و وقف مادحا القائدنحنحة سيادتك أنغام موسيقية ،يعجز بيتهوفن و موتزارت و غيرهما على أن يأتوا بمثلها !و قال الكلب دندش مسئول الحراسة فى المزرعة نحنحة سيادتك تشعر المواطنين بالطمأنينة ،فسيادتك أبا لهم جميعا ، أيها العالم كم أنت تعيس بدون القائد فرهود ..أشار الرفيق فرهود للجميع بذيله ،أن يكفوا عن مقاطعته ،بوجه متجهم يظهر جدية و حزم و يخفى سعادته ،و قال وهو يجول بعينيه بين ورقة أمامه و بين وجوه الحاضرين ..أيها المواطنون و المواطنات ..لقد مرت مزرعتنا بأوقات عصيبة ،نجحنا بفضل الصبر و الحزم على تخطيها ،انظروا معى يارفاق إلى السماء..قاطعه الفيل شرشير مسئول البيئة ..نشكرك سيدى القائد ،فلولا سيادتك لما كان الهواء يملىء فضاء مزرعتنا ،فبفضل توجيهات سيادتك ،زادت معدلات الهواء فى الجو ،و زادت معدلات استنشاقه من المواطنين ..و كله مجانا بفضل قلبك الرقيق أشار  القائد فرهود للفيل شرشير بالجلوس و عاود حديثه لقد اجتزنا الصعاب ، وزادت معدلات النمو ..قاطعه الذئب بهلول مسئول الزراعة سيدى فى عهدك زادت الأمطار و مساحات الحشائش ، وزادت برك المياه ،و انتفخت بطون المواطنون بفضل توجيهاتك عاود القائد حديثه و وجهه مازال مرسوم عليه الجدية و الحزم اعلموا يا رفاق أن العدو يتربص بكم ..و العيون تترصد لمزرعتكم ..و أن الخونة من بنى جلدتنا يشترون بعض متاع الدنيا ببيعهم الوطن ..مستغلين هواء الحرية الذى نتنفسه جميعاقاطعه الكلب دندش و هو يهز ذيله غاضبا اضرب أعناقهم سيدى القائد ،لأجلك و لأجل مستقبل مزرعتنا ،حتى و لم يبقى فى المزرعة غير سيادتك و السيدة حرمك ،فليذهب الجميع إلى الجحيم، لتبقى مزرعتنا خالدة مابقيت السموات و الأرض عاود فرهود خطابه زاعقا لقد استغلوا حلمنا ، و طول بالنا ، و ظنوا بنا الظنون ..ارتفع دوى التصفيق فى المكان ، مع ارتطام الحوافر و الأقدام ببعضها ، و انهى القائد فرهود خطبته بالوقوف لترديد نشيد المزرعة ..و انصرفت الحيوانات ،ببطون خاوية ،ينقبون الأرض بحثا عن بعض الحشائش ،لكن دون جدوى ،سيبيتون ليلتهم كغيرها من لياليهم المدلهمة ببطون خاوية ،تملؤها إهانات دندش المعتادة ..و لكن إلى متى الصبر على الجوع و الإهانة ؟؟..كان ذلك سؤال طرحه شبل صغير يدعى مندور على الجميع ،التفوا حوله يلفهم ظلام الليل ليعصمهم من دندش …و عاود مندور حديثه لن نصبر كثيرا ..لن نضحك فى وجه الذل ..لن نتعايش مع الخوف ..انفضوا غبار الظلم من فوق جلودكم رد حمار عجوز أبيضت أهدابه و هو يهز كتفيه غير مباليا لكن لا قبل لنا بفرهود و جنوده رد آخر لن تنحنى رؤوسنا للظلم لحظة ..لن نقضى ما تبقى من أعمارنا ، نحصى عدد السياط التى ضربنا بها فرهود و جنوده ..مثلك أيها الحمار العجوز صاحت الحيوانات ،و فى صدرها الغضب من فرهود،و اتجهوا ناحية قصره، يتقدمهم الشبل مندور ، يزأر فيهم محمسا العار على الأسود حين يحكمهم فأر ..يسقط فرهودارتبكت خطوات فرهود ، و قد بدأت تصل إلى آذنيه زئير مندور و غيره ، و أيقن أنه لا مفر من الهرب إلى جحر يأويه ،و يعصمه من بطش الغاضبين ..و احتفلت الحيوانات بمزرعتهم السعيدة ،التى كانت تعيسة فى عهد فرهود ،فلن يحكمهم فأر احتفل شعب المزرعة برحيل فرهود ، و اجتمعوا من أجل اختيار ،حاكم جديد فقال الشبل مندور من الآن لن تحكمنا غير الديمقراطية رد الخروف شمهور أوافقك الرأى ،فشريعة مزرعتنا لا تعارض الديمقراطيةو تقدم المرشحون لحكم المزرعة ،و فاز الحمار شمهور بأعلى الأصوات ،و اقيم حفل كبيير ، نقله تليفاز المزرعة الرسمى على الهواء ..افتتح الثعلب مليجى الكلمات المهنئة ،بعد أن وقف الجميع لتحية النشيد الوطنى الجديد يا حمار كرامته من كرامتنا يا حمار عزه عزنا يا حمار روحه مقدسة المجد لك و لزوجك و للمزرعة من بعدك شمهور ..شمهور ..شمهور امسك الحمار شمهور بالمذياع و بدأ ناهقا ..فقاطعه القرد شلش يالها من نهقة رائعة امتلىء صدر الذئب شمشور غيظا من رفيقه القرد شلش و وقف مادحانهقة سيادتك كم هى أنغام موسيقية رائعة يعجز العقل البشرى عن ابداعها.. إنها منحة ربانية و قال الكلب دندش نحن نستمد من نهقتك الكريمة الآمان سيدى القائد ،كم أنت بائس أيها العالم بدون القائد الوديع شمهور..انتفخ صدر شمهور بهواء الزهو و الفخر و عاود حديثه لقد عادت المزرعة لنا جميعا ،سنبنيها بسواعدنا ،سننجز أحلامنا ،احلموا معى لغد أفضل سيتحقق صفق الحاضرين لشمهور ،حتى كادت الآذان أن تصم ،و مرت الأيام و شمهور كما هو يخطب و الحاضرون يصفقون ،حين تنتفخ أوداجه و يحمر وجهه و يصيح زاعقا و هو يشير بذيله مهددا لن يعود فرهود مجددا ،ماراح لن يجىء و على هذا الحال ظلت الحيوانات ،بنفس البطون الخاوية يتسلحون بسلاح الصبر ،لكن السلاح قد نفد ،فزأر مندور صائحا لن نصبر على هذا الحال كثيرا رد الحمار العجوز ذو الأهداب البيضاءلكن لو رحل شمهور فستكون مفسدة و مهلكة كبيرة لمزرعتنا  رد الخروف و هو يهز رأسه موافقا على كلام الحمار العجوزاستند إلى حائط الأمل يابنىفرد آخر غاضبا فليذهب شمهور إلى حيث ذهب فرهود صاحت المزرعة ، و زأرت الأسود ، و رحل شمهور ، و اقيمت الحفلات لرحيله ،نقلها التليفاز الرسمى ،و امسك الثعلب مليجى المذياع و قال مهنئا شعب المزرعة من اليوم  لن يحكمنا حمار ! إبراهيم القاضى..روائى و قاص شاب..صدرت له اول رواية مطبوعة فى 2012 بإسم “القرية”.

التعليقات