ثقافة

09:08 صباحًا EET

إبراهيم القاضي يكتب : و انتصرت الوحدة الوطنية ! (قصة قصيرة)

حينما ينتصف الليل .. يعلن متولى حظر التجوال و الولوج إلى مقهاه القائم على حرف الترعة الكبيرة بجوار قضيب السكك الحديدية ، الذى يقسم مدينتنا إلى شطرين..فالمقهى محجوزلأعيان المدينة ، الذين يزعجهم وجود الواغش من الناس ..ففى هذه اللحظات ..ترتطم كاسات الخمر ببعضها ، و يسمع صوتها أهل المدينة الراقدون فى بيوتهم، و تتصاعد أعمدة الدخان البيضاء على هيئة سحابة من الحشيش .

و إذا كان مسلموا المدينة يختلفون إلى المساجد فى اليوم خمس مرات..و مسيحيوها يختلفون إلى الكنائس أيام الآحاد..فإن الحاج مغاورى أبوكف و الحاج عادل جرجس لا يختلفون إلا إلى مقهى متولى ..قبل دخولك مقهى متولى ، سيخطف انتباهك لافتة أعلى باب المقهى مكتوبة بماء الذهب .." مقهى متولى موحد عنصرى المدينة يرحب بكم " تعج المقهى بالزبائن من عنصرى المدينة ..حتى إذا انتصف الليل انصرف الجمع ..و احضر متولى الكرسيين الوثيرين ، ليجلس الحاج مغاورى و الحاج عادل بينما يفترش هو أرض المقهى ،ليرص أحجار الحشيش لهما فى ذلك اليوم ..كان الرجلان على غير عادتهما ،حاضرين بجسديهما فقط ..و كان الصمت يحكم قبضته على المكان ،وسط نظرات مستغربة من متولى ،ماذا حدث لهما ؟ أين المزاح ؟! أين الضحكات ؟!توغل الصمت حتى قارب الساعة ، فقرر متولى مقاطعته بنكتة من نكاته القبيحة التى عادة ماتجلب ضحكاتهم عنوةاسمعوا النكتة دى ..مرة واحدة خاينة ..جوزها…… لم يكمل متولى ،بعدما أشار إليه الحاج مغاورى بالصمت و قال موجها حديثه للحاج عادلبلغنى انك بتلف ورا الحكومة علشان حتة الأرض رد الحاج عادل محصلش يا حاج مغاورى ..و حياة النعمة دى محصلش (أشار بيده ناحية زجاجة الويسكى )رد مغاورى بعينين زائغتين غريبة ولاد الحرام ماخلوش لولاد الحلال حاجة .. قال ايه الحاج عادل أخويا و حبيبى ..لف على المحافظ عشان يحط ايده على الأرض رد الحاج عادل هاخدها ازاى بس يا حاج ..دى بتاعت الحكومة ..احنا قد الحكومة يا جدع !رد الحاج مغاورى على رأيك ده حتى قط الحكومة جملو انفضت الجلسة حين اخترقت خيوط الصباح شباك المقهى ،و انصرف كل إلى بيتهو مرت أيام قليلة حتى وصل إلى مسامع الحاج مغاورى ، خبر استيلاء صديقه الحاج عادل على قطعة الأرض ..أحمر وجهه من الغضب و أخذ يضرب الأرض بعصاه الغليظة و هو يتميز من الغيظ بقى كده يا عادل الكلب !رغم براكين الغضب التى تجتاح صدر الحاج مغاورى ، لكنه تمالك نفسه، و خاصة حين سمع صوت المؤذن ينادى لصلاة الفجر ،فذهب ليؤدى فرض الله .. سيطرت الدهشة على وجوه المصليين، و خاصة من ذوى اللحى الكثة و الجلاليب البيضاء القصيرة ، فهم لم يروا الرجل يوما يختلف إلى مسجد ..و الأن يصلى بجوارهم الكتف بالكتف و القدم بالقدم ، و يبكى بكاء مريرا ، حتى انتهوا من أداء الصلاة ..فوقف الحاج مغاورى و بيده مسبحته الفوسفورية ، و قال بصوت فيه خشوع إخوانى فى الله ..إخوانى فى الإسلام ..أنا بعدت عن ربنا كتير .. و كنت كل مرة أقول لنفسى ياواد يا حاج مغاورى عيب كده ..هو ربنا هيفضل صابر عليك لحد امتى ..بس ربكم و الحق ..كنت حاسس إن ربنا بيحبنى ..أى و الله زى مابقولكم كده يا رجالة ..و النهارده اتأكدت ..لما عرفت ان ربنا جاعلنى سبب ..علشان امنع  الكفرة ، قال ايه عايزين ياخدوا أرض الحكومة اللى جنب شريط القطار..و يبنوا كنيسة فوقها ..يرضيكم يا رجالة؟ رد المصلون بصوت غاضب لالالالالالالاو نهض أحدهم زاعقا يلا بينا يا رجالة على هناك..بالروح بالدم نفديك يا اسلام انفرجت أسارير الحاج مغاورى ،و قال بصوت يبدو فيه خشوع و تذلل هى لله ..هى لله .. ثم انزوى بعيدا و اخرج هاتفه المحمول و قال بصوت خفيضألو يا حاج عادل ..سلملى على حتة الأرض ..ثم أغلق الهاتف
ارتبك الحاج عادل ، لكنه تذكر أن هذا صباح يوم الأحد ، فذهب إلى الكنيسة ،ارتسمت علامات السعادة على وجوه المصلين مع كثير من الدهشة ،فهم لم يروا الرجل يوما يختلف إلى كنيسة ، و بعدما انتهوا من صلواتهم ، التفوا حوله مصافحين إياه ..فقال بصوت يبدو فيه الانكسار عارف انى مقصر ..عشان كده قولت لازم اتقرب للرب و ابنى كنيسة ..بس المسلمين مش راضيين ..يرضيكوا يا رجالة ..تبقى الدار دار أبونا و الغرب بيطردونا ؟؟ردوا جميعا غاضبين لالالالالالالالاثم وقف أحدهم زاعقا يلا بينا يا رجالة ..بالروح .. بالدم نفديك يا صليب و اندلعت معركة ..كانت أقل أدواتها طلقات الرصاص الحى ..التى انهمرت كالأمطار،و اختلطت صيحات الله أكبر.. بصيحات بالروح بالدم نفديك يا صليب، و ملىء غبار المعركة فضاء مدينتنا، حتى لم نعد نميز أعضاء الفريقين ..كانوا يتساقطون على الأرض كما تتساقط أوراق الخريف الذابلة من أغصانها ..لا أحد يقوى على الصمود فى وجه طوفان الغضب ،حتى رجال الشرطة وقفوا مكتوفى الأيدى ،يكتفون بإحصاء أعداد القتلى و المصابين .. إلى أن جاء محافظ مدينتنا الداهية ، فارسل للحاج مغاورى و شقيقه الحاج عادل ، ليلتقيا به فى مقهى متولى .فصاح الحاج عادل غاضبا عايز يستولى على الأرض بتاعتى يا سيادة المحافظرد الحاج مغاورى دى بتاعتى أنا يا سيادة المحافظ فرد المحافظ غاضبا ايه رأيكوا نقسمها عليكم انتم الاتنين ؟؟تظاهر الحاج عادل و الحاج مغاورى بالغضب فأعاد المحافظ السؤال قلتوا ايه ؟رد الرجلان القول قولك سيادتكو آخيرا .. نجحت مساعى المحافظ ،ولثم كل منهما  جبين الآخر أمام كاميرات التليفزيون المحلية و العالمية ، و توقفت المعركة ..و شيع كل  فريق قتلاه إلى مثواهم الآخير ..و بنى الحاج مغاورى و الحاج عادل سوق تجارى كبير على الأرض التى كانت محل نزاع ..و انتصرت الوحدة الوطنية !
 إبراهيم القاضى..روائى و قاص شاب..صدرت له اول رواية مطبوعة فى 2012 بإسم "القرية "

التعليقات