آراء حرة

01:33 مساءً EET

مصطفى الفقي يكتب : نظرة إلى صعيد مصر

مازلت مؤمناً بأن الصراع السياسي القائم في مصر هو غطاء فوقي لصراعٍ طبقي مكتوم، ولا أذهب في ذلك وراء التفسير “الماركسي” للتاريخ، ولكنني أمضي وراء تحليل الخارطة الاجتماعية لمصر والعلاقة بين التاريخ والجغرافيا في تكوين شعبها بعبقرية الزمان والمكان كما عبَّر عنها جمال حمدان، لذلك فإن مصر عصيَّة على الاختطاف صعبة الاحتواء، وهي وطن فريد ليس فقير الموارد البشرية أو الطبيعية، ولكنها بلد يعاني من انخفاض مستوى معيشة الفرد بالإضافة إلى تدني الخدمات وإخضاع التنمية الاقتصادية للعملية السياسية، وهو ما يعني تأثر الإنتاج القومي بالوضع السياسي بشكل ملحوظ .

ولقد تحدث نظام الرئيس الأسبق مبارك عن أسلوب للتعامل مع القرى المصرية الفقيرة لمواجهة ذلك “الغول” الذي ينهش جسد الفقراء، إذ يجب أن يكون واضحًا أمام أبناء مصر بلد الكرامة والكبرياء، أن مئات الألوف فيها ولا أقول الملايين ينامون كل ليلة من دون وجبة العشاء، والذي يتجول في ربوع الوطن سوف يكتشف أن شبح الفقر هو أخطر ما يهدد استقرار البلاد وشيوع السلام الاجتماعي وتشكيل مجتمع سوي لا تمزقه “الفوارق الطبقية”، كما لا يهدده أيضاً “صراع أجيال” .
ولقد كان التفكير من قبل هو اختيار محافظة من “الوجه البحري” وأخرى من “الوجه القبلي” من بين تلك المحافظات التي تعاني انخفاضاً في الدخل الفردي مثل كفر الشيخ في الدلتا وسوهاج في الصعيد، والاختيار هنا لمجرد ترتيب الأوليات ولا يعني انتقاصاً من قيمة هاتين المحافظتين المرموقتين، وقد رفع الحزب الوطني السابق وقتها شعار (لنبدأ بمائة قرية هي الأكثر عدداً والأشد فقراً)، ولكن الأمور أخذت منحىً مظهرياً وحزبياً أكثر منها محاولة جوهرية تتصل بالمضمون أو تدخل مراحل التنفيذ، والآن دعونا نبسط بعض ما أجملناه:
* أولاً: إن الذي يتأمل ردود الفعل للأحداث الأخيرة التالية على انتفاضة 30 يونيو/حزيران 2013 سوف يدرك أن المحافظات المحرومة خصوصًا في صعيد مصر كان لها ردود فعل تستحق التأمل بحيث وجدت جماعة “الإخوان المسلمين” في بعضها بيئة خصبة للترويج لأفكار مغلوطة ودعايات مسمومة، بينما كانت الظروف الطاحنة المحيطة بالمواطنين المصريين الفقراء هي المناخ الطبيعي الذي استثمرته الجماعة وحلفاؤها .
* ثانياً: ألا نتذكر أن اعتصامي “رابعة العدوية” في “القاهرة” و”ميدان النهضة” في الجيزة  كانا مركز جاذبية للمحتاجين من محافظات الشمال والجنوب على حد سواء، وما لم ندرك هذه الحقيقة ونعي أبعادها فإننا نكون كمن يحرث في البحر فهو يبذل كل الجهد ولكن بلا عائد أو مردود، فالبداية في ظني هي ضرورة رفع مستوى الفقراء حتى يصبحوا أقوياء أمام “صندوق الانتخابات” لأنه لا إرادة لمحتاج ولا حرية سياسية من دون حرية اقتصادية ولا ديمقراطية بلا تنمية .
* ثالثاً: إن صعيد مصر لم ينل حقه من حجم الاستثمارات الكلية في مصر ولا من مشروعات البنية الأساسية أيضاً فالتعليم متراجع والرعاية الصحية محل تندر، وتكفي جولة واحدة من وزير التربية والتعليم ومعه وزيرة الصحة ليتفقدا الخدمات التعليمية والصحية في بعض محافظات الصعيد وعندها سوف يدركان أن معاناة أبناء الوطن أكبر مما يتصور الجميع، خصوصاً أولئك المتحدثين في “نوادي القاهرة” وصالوناتها الفكرية وفضائياتها الزاعقة، وسوف يقول الوزيران عبارة خالد محمد خالد الشهيرة (من هنا نبدأ) .
* رابعاً: إن مصر ليست دولة فقيرة بالمعنى المطلق ولكن مشكلتها الحقيقية هي طريقة التعامل التقليدي الذي اعتمدناه أسلوباً وحيداً للتفكير والتنفيذ، بينما الأمر يقتضي المضي في حلول غير تقليدية إذا كنا نبغي رفعة هذا الوطن والحفاظ على استقراره ودفعه نحو مستقبله الموعود .
* خامساً: لقد حصد “الإخوان المسلمون” في الانتخابات البرلمانية والرئاسية جزءاً كبيراً من أصوات الصعيد، على الرغم من أن جماعة “الإخوان المسلمين” أكثر رسوخاً في محافظات “الدلتا” و”السواحل” ولكن الذي جرى هو أن معظم الأحداث المتسارعة كانت تشير إلى أن درجة الاستجابة في الصعيد أكثر منها في العاصمة أو الشمال، وتفسير ذلك هو ما يعانيه أبناء جنوب مصر من ظروف معيشية صعبة وحياة لا تتوفر فيها الخدمات المطلوبة، فكان من الطبيعي أن يستجيب أهلها لمن يقول أنه يسعى لتطبيق “شرع الله” ويحمل إليهم الهدايا التموينية والدعم المالي عند اللزوم .
وهنا لا يجب أن نغفل دور “الجماعة الإسلامية” ذات الجذور الراسخة في بعض محافظات الصعيد، ولذلك فإنني أدق ناقوس الخطر منبهاً إلى أن من يريد الإساءة إلى مصر الوطن المتجانس الموحد يسعى دائماً إلى زرع الفتنة بين المسلمين والأقباط، وشحن أبناء الصعيد ضد وطنهم الكبير مثلما زرعوا في سيناء عناصر إرهابية، وهذه كلها أمور تصب في خانة تمزيق الوطن والنيل من تجانسه ووحدته .
* سادساً: لابد أن نعترف أن صعيد مصر يحمل الجزء الأكبر من التراث الفرعوني العظيم الذي نباهي به ونفاخر ونتغنى بأمجاده، كما أن صعيد مصر يقذف الوطن بعبقريات وزعاماتٍ ليس أولها “مينا” أو جمال عبدالناصر” وليس آخرها العقاد أو المنفلوطي وعلماء بيت عبدالرازق والشيخ المراغي وعائلات بطرس غالي ومكرم عبيد وفخري عبدالنور ومحمود سليمان، كما أن مدينة “أسيوط” وحدها تعتبر مركز إشعاع في وسط الصعيد ازداد بريقه مع ميلاد الجامعة التي عكف على إنشائها الجغرافي الكبير د .سليمان حزين وهي مدينة عائلاتٍ ذات إسهام في التاريخ الوطني مثل خشبة وعلوبة وغيرهم، فالصعيد إذاً غني ثقافيًا ثري وطنيًا وقد انعقد البرلمان المصري خارج مقره في “دار الشريعي” بالقاهرة رمزًا لعائلة عريقة من صعيد هذا الوطن الكبير .
* سابعاً: إن الاهتمام بتنمية الصعيد اقتصادياً ودفع الاستثمارات إلى مدنه وقراه أصبح أمراً ضرورياً حتى يشعر الجميع بالشراكة الحقيقية في وطن ننتمي إليه جميعاً ولا تمييز بين أبنائه، لذلك فنحن مطالبون بإعادة توزيع خريطة الاستثمارات وتوطين الصناعات مع تخصيص للمناطق الأكثر حاجة والأشد معاناة وهو أمر تتصدر فيه بعض محافظات الصعيد القائمة .
 . . إننا نريد أن نخرج من الحلقة الشريرة لفقر الخيال وانعدام الرؤية أقول ذلك كله وقلبي على وطن مستهدف من كل اتجاه، من الخارج والداخل، من الحدود والتخوم، فالكل يحسده على عبقرية الزمان والمكان التي بشَّر بها جمال حمدان .

التعليقات