كتاب 11

01:48 مساءً EET

مبروك لمصر الهزيمة !

ليس بالماضي وحده يمكن أن نكون عظماء يجلنا العالم ويرفع لنا القبعة احتراماً وتقديراً. الهزيمة أيضاً يمكن أن تصنع نجوماً وأبطالاً. حين ندرك الحقائق كما هي ونعلم أن علينا إعادة بناء أنفسنا وبلادنا وحضارتنا الجديدة، لا مجرد الارتكان على حضارة مر عليها نحو سبعة آلاف عام!

إن الهزيمة الساحقة التي مُني بها المنتخب المصري أمام نظيره الغاني في المباراة “الفاصلة” للتأهل إلى مونديال 1014 في البرازيل، فيها درس عظيم يجب أن نتعلمه، وهو أن الهزيمة قد تكون مفتاح الإفاقة من أوهام الماضي. نعم لقد كانت مصر ذات يوم أم الدنيا بما صنعه أجدادنا الأوائل وما تلاهم في العصر الحديث من منجزات عديدة، نعم علمنا العالم العربي كثيراً وكانت البعثات التعليمية إلى هذه الدول سبباً في تحولها من عصور الظلام إلى عصور النور وفي كل المجالات تقريباً.. في الطب والهندسة والمعمار والأدب والعسكرية.. إلخ، في الوقت الذي تراجعت فيه مصر راهناً بعدما علمت الدنيا كل شيئ.

إن الإصرار على اجترار الماضي من دون التحرك خطوة واحدة نحو الأمام يعني تراجعاً مهيناً وهزائم متتالية في المجالات كافة، وتلك آفة المصريين، الذين يفخرون بأنهم بنوا الأهرامات وشيدوا المسلات والمعابد الفرعونية التي لا مثيل لها في العالم القديم أو الحديث في الوقت الذي نعيش فيه اليوم مأساة انهيار عشرات العقارات السكنية سنوياً. ونفتخر بأننا علمنا الدول العربية وبخاصة دول الخليج حتى صارت دولاً عظيمة وغنية بينما فشلت مصر في القضاء على مشكلة الجهل والتخلف الناتج عن سياسات التعليم الفاشلة العقيمة، وارتقى مستوى الإعلام في العالم العربي فظهرت قنوات تلفزيونية تعمل بمهنية فائقة تضاهي كبرى المحطات الأجنبية بل وتنجح في منافستها والتفوق عليها، بينما العاملون في التلفزيون المصري وبخاصة المذيعين لا يعرفون الفرق بين المرفوع والمنصوب، وأكثر ما برعوا فيه هو جمع الملايين في أرصدتهم البنكية وإشاعة البلبلة ونشر الإسفاف والابتذال باستخدامهم ألفاظ خارجة عن حدود الأدب والذوق.

وقس على ذلك تراجع المصريين في كل شيء.. الوساطة والمحسوبية التي تجعل إبن فلان زميلك في العمل لمجرد أنه ابن فلان على الرغم من أنه لا هو ولا فلان هذا يصلح لأي شيء. وتحولت المؤسسات الحكومية والهيئات المملوكة للدولة إلى مرتع لأبناء العاملين فتجد عائلات بأكملها تعمل في مجال واحد بينما المحترفون الحقيقيون ومن لديهم القدرة على خوض مجال ما وتحقيق نجاح باهر فيه خارج الحسبة!

أما الطامة الكبرى فتكمن في انهيار مصر علمياً وفكرياً وأدبياً وثقافياً وفنياً.. وهذا أمر غاية في الخطورة، وبخاصة إذا علمنا أن أي حضارة تنهض على أكتاف المبدعين في الآداب والفنون والنوابغ في العلوم، فأقصى نجاحاتنا هي اكتفاؤنا بحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الآداب، وحتى هذا الإنجاز حينما وصلنا إليه لم يرض بعض الجهلاء فكفروا الرجل وحاولوا اغتياله بطعنة سكين، وكذلك حصول الدكتور أحمد زويل على نوبل في العلوم، واتجاه البعض إلى التقليل من شأن إنجازه، وحصول الرئيس الراحل أنور السادات على جائزة نوبل للسلام، ثم اغتياله على أيدي إرهابيين!

إنه السخف بعينه والجهل كله. ولا أحسب أن الأمر يتوقف عند هذا الحد فحسب بل تمتد براعتنا في صناعة التخلف حين نتابع منتجنا في السنوات الأخيرة من أفلام سينمائية ومسلسلات درامية معظمها يكرس للعنف ويدعو إلى نشر البغاء والغباء والانحطاط الأخلاقي، فهذا بطل سكران وذاك بلطجي وهذه منفلتة أخلاقياً وتلك تفتخر بأنها راقصة لأن الرقص عمل شريف يحميها من انخراطها في معاشرة الرجال! أي منطق هذا الذي يشتغل عليه كتاب الدراما لكي يقنعوننا بأن كل الخطايا ومن يفعلونها شرفاء وأصحاب مبدأ؟!

وفي مجال كرة القدم، مازال المصريون يفتخرون بهدف وحيد لمجدي عبدالغني في كأس العالم عام 1990 الذي أقيم في إيطاليا، ولم نفكر أبداً في أن هذا الهدف مر عليه حتى الآن نحو ربع قرن من الزمان! وحين انهزمنا من غانا أخيراً بنصف دستة أهداف، أخذ المصريون يسخرون ويضحكون ويتبادلون النكات، وهذا في حد ذاته ليس أمراً محموداً، لأنه تكرر في كل أزماتنا التي مررنا بها منذ ثورة 25 يناير 2011. كل شيء حوّلناه إلى سخرية، واستمتعنا بتعليق العالم على هذه السخرية، وتمادينا في التهكم من أنفسنا ظناً منا أن العالم سعيد بكوننا شعب “دمه خفيف” أو يتمتع بخفة الظل!! ولكن الحقيقة أن العالم كان يضحك علينا حتى صرنا أضحوكة للعالم أجمع.

إن الحقيقة صادمة والطبيب النفسي يلجأ إلى مواجهة مريضه بأزمته لكى يصدمه أولاً بالحقيقة حتى يدرك المريض حالته وخطورتها قبل أن يبدأ فعلياً في مرحلة العلاج، وهذا بالضبط ما يجب أن يفعله المصريون أن يكفوا عن الضحك والسخرية من الفشل طوال الوقت، لأن المثل الدارج يقول “اللي يزيد عن حده ينقلب ضده”، علينا أن ندرك حجم المصيبة التي وقع فيها المصريون وأوقعوا فيها بلادهم العظيمة بتكريس التفاهة وصناعة الحكومات المتعاقبة للتخلف، وتعزيز فكرة أن النجاح مرتبط بأن تصبح ممثلاً تقدم شخصية العبيط أبو “لسان ثقيل” السكير، أو لاعب الكرة الذي تتسابق الأندية على شرائه بالملايين، أو المغني الجاهل التي تتحول تفاهات وانحطاطات أغنياته إلى أيقونة للطرب عند المصريين، رغم أن كلمات هذه الأغنيات على نمط “أديك في الأرض تفحر أديك في السقف تمحر” أو “سمكة على بلطية على وش المية” أو “هاتي بوسة يا بت”، ولا أحسب أن في هذه الكلمات أي إبداع، بل كان يجب تقديم من شارك في صناعة هذه الجرائم إلى محاكمات عاجلة.

لهذه الأسباب أكره التاريخ إذا لم يكن الشعب قادراً على حمايته والعمل على تزكيته بمنجزات حضارية جديدة، لأنه في هذه الحالة سيكون التاريخ “خسارة في هذا الشعب”، ومن هنا علينا أن نفرح بهزيمتنا أمام غانا، لعلها تكون نقطة البداية للإفاقة من غفوة التخلف التي غرقنا فيها، وفرصة لمراجعة حساباتنا بشأن واقعنا الذي نحياه، فهزيمتنا في “الكرة” أقل ما خسرنا، فقد خسرنا في السياسة بانقسامنا، وخسرنا في الدين بانقسامنا، وخسرنا في العلم والأدب والثقافة والفكر. علينا أن نبدأ مجدداً بالعمل الشاق والكد والاجتهاد، لا ننظر إلى الماضي إلا لأخذ العبر والنهل من منجزات أجدادنا والإضافة إليها، ولا نكتفي بهذا الماضي لأنه أصبح مجرد ماض، والشعوب الحقيقية لا تتوقف عن العمل والعطاء مهما كان ماضيها.

*********

كلمة أخيرة:

كذبوا علينا حينما قالوا إن من ليس له ماض ليس له حاضر أو مستقبل، فالحقيقة أن من ليس له حاضر لا ماض له ولا مستقبل، ولتتأكدوا من صدق كلامي انظروا إلى العالم من حولكم ستجدون دولاً عظيمة وناجحة اقتصادياً وفكرياً وفنياً وعلمياً لم يكن لها تاريخ قبل مئة عام وربما أقل، لكن شعوبها قررت أن تصنع حضارتها من منطلق رغبتها في الحياة والوجود. باختصار الحضارة الحقيقية هي أن نظل فاعلين في داخل التاريخ في كل لحظة يمر بها وعدم الاكتفاء بالماضي حتى لو كان عظيماً.. وإلا سنظل ننظر إلى الوراء بينما يتقدم العالم كله إلى الأمام. إذا أدركتم معنى هذا الكلام لن تندهشوا من عنوان المقال!!

[email protected]

التعليقات