مصر الكبرى

11:38 صباحًا EET

حمدي طايع يكتب : خمسة في سيره خلقه

اشرأبت رؤوس الجالسين علي المقهى واتجهت جميع الأنظار نحو سيارة الأجرة القادمة من مدينة قنا ذات الألوان المميزة ابيض وروزي، فعادة تزور تلك السيارات بلدنا عندما يكون شخص آتي من سفر وخاصة من القاهرة ، او عندما تأتي فتيات البلدة الطالبات بجامعة قنا او المعاهد الخاصة في المحافظة، وعلي بعد 100 متر من المقهي توقفت السيارة ونزل منها شاب في الثلاثينات من العمر ليصافح بحرارة وأحضان علي الحاج ابو فهد الجالس علي حجره الشهير أمام الضريح، ثم نزلت بميوله أنثوية ودلال بناتي شابة في عشرينات العمر، وبعد دفع أجرة السيارة التي أصر أبو فهد دفعها إكراما لضيفه سار ثلاثتهم نحو دار أبو فهد.

وظلت رؤوس الجالسين تغلي ، لا تستطيع أن تنسي مشهد الأغراب دون معرفة من هم ، وشردت عقولهم في تفاصيل ماهية ضيفي ابو فهد، تركوا ألعابهم ورغبوا عن تسلية التلفاز وأعادوا شحن نرجيلاتهم المتوقفة فبدا الدخان يتدفق منها من جديد كقطار الفحم، وارجعوا عمامتهم الي الخلف وتلاقت أعينهم في إشارة الي بدء المداولات والمشاورات وتبادل المعلومات والتكهنات والتخمينات حول ضيفي ابي فهد، فقد وجدوا اخيرا شئ يشغلهم عن ملل الحياة التي يعيشوها هكذا.
فقال أصغرهم وهو احدب الوجهة ذو بياض مصفر وعينان طائرتان وفم علي صغره الا انه من الصعب ان يظل مقفولا ولسان كلسان الثعبان لا يخرج الا سما وأذنان صغيرتان تسمعان أخبار صغيرة ليحيلها لسانه بعد ذلك الي أحداث جسيمة ، هوايته الوحيدة هي جمع أخبار الخاصة الناس، وموهبته الوحيدة هي تحويل تلك الاخبار دون التحقق من مصداقيتها الي مواضيع عامة للحوار في البلدة، يخلط أحيانا الأخبار الممللة الغير شيقة ببعض من حكاياته التي نسجها من خياله الخصب، واحيان تكون البلد هادئة فيفتعل فيها الأحداث ويضع عليها بهارات ويزينها ويزفها علي انها اخبار بكر لا احد يعرفها من قبله، النميمة بالنسبة اليه ان تظل نائما عن الأخبار، والغيبة يراها بأنك تكون غائبا عن ساحة القيل والقال.
فقال "ان ضيفي ابي فهد لزوج وزوجة، فكان هذا واضحا عندما قام الشاب بوضع يداه حول خصر الفتاة ولا يفعلها الا زوج لزوجته، وانهما لقريبي ابي فهد من القاطنين في القاهرة فهذا واضح من ملبسهما علي الطريقة القاهرية، وقد اتيا في القطار الاسباني الذي ينطلق من محطة رمسيس الساعة 12:30 بعد منتصف الليل ووصلا الي محطة قنا الساعة 10:30 صباحا بتاخير ساعة كاملة عن ميعاده الأصلي، ثم استقلا سيارة أجرة من محطة قنا حتي وصلا الي هنا. واني علي ذلك من القاسمين.
لم يلق ذلك استحسانا لدي بقية الحضور فلم ياتي بجديد، وكأنه من عرف الماء بالماء، فالكل يعرف تلك التفاصيل ، ولكن السؤال مازال بدون إجابة الا وهو من هؤلاء. واستمرت التكهنات واختلفت في درجة واقعيتها وقربها من الحقيقة فمنها مثلا بان هذا الشاب ما هو الا عريس قد جاء ليتقدم لخطبة بنت ابي فهد ، ويعزز هذا الاقتراح حول فسخ خطبتها منذ فترة من ابن عمها، او ان هذه عروسة قد جاءت مع أخيها ليراها محمد ابن ابي فهد حتي يتزوجها، واقتراحات اخري تخوض في الأعراض خوضا تنزع عنها لباس التقوى والإيمان، وفي خضم تلك المهاترات والتخمينات ، اخرج واحد منهم لم يستطع الصبر جهاز الموبيل الخاص به، فظن الجميع انه يريد معرفة الوقت، الا انه قال لا انا أريد ان اتصل علي شخص ما، وكانت هذه مفاجأة لدي الجميع لان هذا الشخص معروف ببخله وشحه، ولم يحدث ان اتصل بأي احد من قبل، ولكن ان عرف السبب زال العجب."الو ابو فهد، أتمني ان تكون في صحة جيدة، الآن خطرت علي بالي، فأردت ان اطمأن عليك لاني لم أرك لا البارحة ولا اليوم، فارجوا من الله ان يكون المانع خير، هل من الممكن ان أزورك الان ام انك خارج الدار، …طيب وهل موجود هناك بمفردك ام معك ضيوف، ….طيب هل هم من البلدة ام أغراب فقط لأعرف حتي نقوم معهم بواجب الضيافة، من أي بلد هم.، من هم………ياراجل، وانهي المكالمة وابتسامة عريضة علي وجهه.
هل تريدون معرفة من هما ضيفي ابي فهد …..ام انكم تعيبون علي اهل البلدة القيل والقال والتدخل فيما لا يعنيهم. فلايجب علينا التركيز علي البعد السياسي للثورة فقط بل هناك انحطاط اخلاقي في المجتمع يحتاج لالاف الثورات.

التعليقات