كتاب 11

07:47 صباحًا EET

متظاهرون ولو كره الحاكمون !

هتافات ضد الحكومة. ضد وزارة الداخلية. ضد السلطة الحاكمة. أي عبث هذا الذي أعاد الاحتقان مجدداً إلى الشارع المصري! أظن أنه الغباء السياسي في إدارة المرحلة الانتقالية في البلاد، والذي تفتق عن إصدار قانون “التظاهر”، الذي أقره الرئيس المؤقت عدلي منصور، الأحد الماضي، وبدأ سريانه فعلياً بعد نشره في الجريدة الرسمية في صبيحة اليوم التالي، لتتجاوز مسؤولية الشرطة مجرد مواجهة التحركات الإخوانية على الأرض إلى مواجهة مفتوحة مع جميع التيارات، بما فيها التيار الثوري الذي وجد في قانون “التظاهر” عودة إلى نظام الدولة البولسية التي أسس لها الرئيس الأسبق حسني مبارك.

وبدا قانون التظاهر بمواده المثيرة للجدل وكأنه محاولة للتظاهر بأننا متظاهرين، رغم أن الواقع يقول أنه ينهي تماماً أي فرصة للتظاهر سواء كان سلمياً وغير غير سلمي، وبخاصة مع الشروط غير المنطقية التي حددها لتنظيم أي تظاهرة، من حيث الإبلاغ الاستباقي عن التظاهرة قبل حلول موعدها بمدة لا تقل عن ثلاثة أيام وتحديد العدد المتوقع للمشاركين فيها، ومسارها، وحتى الهتافات التي سوف يطلقها المتظاهرون.. يعني ببساطة لا توجد تظاهرة حقيقية.

وبعيداً عن توقيت إصدار هذا القانون، الذي لا أرى له مبرراً مع تراجع قدرة جماعة “الإخوان” المحظورة على الحشد الميداني، تتجلى حزمة تساؤلات مهمة: لماذا سُن هذا القانون من الأساس؟ أليست هناك بالفعل قوانين في مصر تجرم الأعمال التخريبية وتتصدى بحزم لكل من رفع السلاح واعتدى به على المواطنين أو هاجم منشأة أو مبنى سواء من الممتلكات الخاصة أو العامة؟ أليس لدينا قانون عقوبات؟ ما الحاجة إذاً إلى قانون يفجر عناقيد الغضب في الشارع من جديد؟

إن الأخطر في الأمر هو أن هذا القانون يبدو وكأنه الثغرة التي تحاول الولايات المتحدة الأميركية اختراقنا من خلالها مجدداً والبحث عن ذريعة للتدخل في شؤون مصر من بوابة الحرية والديموقراطية، وهو ما بدا واضحاً من خلال بيان أصدرته الخارجية الأميركية الثلاثاء الماضي بعد يوم واحد من بدء سريان القانون، أشارت فيه إلى قلقها بشأن إصدار هذا القانون وتحدثت فيه عن خشيتها أن يؤدي إلى تراجع مصر ديموقراطياً، وهو كله كلام في الهواء لمجرد إيجاد قشرة ضعيفة تضرب من خلالها على رأس مصر والعودة إلى نغمة حرية الرأي والتعبير التي تواكبت مع السنوات الأخيرة من حكم مبارك وتعززت بقوة إبان ثورة يناير 2011 وما تلاها وصولاً إلى 30 يونيو الماضي مع تحلحل الموقف الأميركي نوعاً ما، ووصول بوصلته إلى حد تأكيد وزير الخارجية الأميركي قبل أسبوع على أن ماحد ث في مصر ثورة قادها الشباب وسرقتها جماعة الإخوان.

الشارع الآن بات مهيئاً لمزيد من الفوضى والعبث، كون الجميع في الشارع، والجميع معترض على قانون التظاهر.. السلف والإخوان والثوار والتيارات السياسية والحزبية المختلفة. إنه حقاً نظام مغفل الذي يستعدي – وبمحض إرادته – كل ألوان الطيف المتاحة في المشهد السياسي، فلم تكن اشتباكات ميدان طلعت حرب وحدها التي خرجت الثلاثاء الماضي بدعوة من أصدقاء الشهيد الثوري جابر صلاح “جيكا” لإحياء ذكراه، ولا حتى الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها قوى سياسية وثورية ضد المحاكمات العسكرية للمدنيين أمام مجلس الشورى حيث مقر لجنة “الخمسين” لتعديل الدستور المُعطل، ولا هي التظاهرات التي هي بصدد الانطلاق في أي يوم من الأيام التي ستوافق حلول ذكرى أحداث ثورية مضت، لكن الطامة الكبرى ستكون في انتهاز أنصار الإخوان لهذه الفوضى الميدانية لاستعادة قوتها وقدرتها الحشدية للنزول إلى الشارع من جديد والاندساس وسط التظاهرات الرافضة للقانون وإحداث مزيد من الفوضى وتصويرها على أنها تظاهرات شعبية حاشدة ضد “الانقلاب العسكري” كما يقولون.

ولعل الخطة الإخوانية الجهنمية التي تم رسمها – كما أتصور – تكشف هذا البُعد الخطير الذي أتحدث عنه، وبخاصة حين نتخيل معاً الجماعة المحظورة وعبر ما يسمى بـ”تحالف دعم الشرعية” وقد بدأت الإعداد لسيناريو اختراق واستغلال الحشد الميداني من التيارات والقوى المختلفة، ضد قانون التظاهر، لتحقيق هدفها المنشود في إسقاط الداخلية والحكومة.. والدولة!

إن الخطة الإخوانية تكمن في شحذ همم أنصار الجماعة للنزول إلى الشوارع في تظاهرات سيحرصون على أن تبدو “سلمية” يرفعون فيها علامة “رابعة” وشاراتها الصفراء، مع ترديد هتافات ضد “الانقلاب” وتصويرها على نطاق واسع ليظهر أمام العالم وكأنها ثورة جديدة لاستعادة الشعب المصري ثورته المسلوبة من “جنرالات العسكر” كما يرددون دائماً، وإذا لم تتدارك السلطة الحالية خطورة هذا القانون الفاشل وتقوم فوراً بإلغائه سيتحقق المأرب الإخوانية الخبيث لأن وقتها سيكون الجميع في الشارع وليس الإخوان وحدهم، وسيرى العالم كله كيف أن التيارات الفاعلة في مصر جميعها تقف ضد السلطة بسبب هذا القانون، بل ربما لا يلتفت العالم إلى هذا القانون من الأساس بل سيرى الكل أن في مصر أزمة كبيرة أو قل ثورة جديدة!

الفعاليات الخبيثة التي قررت الجماعة المحظورة تنفيذها في الأيام المقبلة تتلخص في تكثيف العمل داخل أسوار الجامعات، وبخاصة جامعة الأزهر الشريف لا تحظى به لدى العامة من تأثير ديني قوي، بحيث يصير المشهد وكأن طلاب الأزهر المعتدلون الوسطيون في حالة انتفاض ضد السلطة الغاشمة، كما ستشمل الفعاليات مسيرات تجوب الشوارع ليلاً في جميع محافظات مصر، لمحاولات إثبات القوة والقدرة على الحشد وكذا تشتيت جهود الأمن في ملاحقة المتظاهرين في نقاط وبؤر مختلفة من أنحاء الجمهورية، ولإثبات ضعف الداخلية وعدم قدرة قوات الأمن على تطبيق القانون باعتقال ومواجهة كل هذه الأعداد المتوقع نزولها، بل إن حتى هذا الأمر لو حدث فسيكون أمراً مبهجاً للإخوان يسعون إليه ليبدو المشهد أمام العالم وكأن حملة اعتقالات واسعة جداً تشمل القبض يومياً على مئات المواطنين الذين يخرجون إلى الشوارع للتعبير عن رأيهم.

يبقى أن الشعب – وأي شعب حر ومتحضر – لا يمكن أن يفرط في حقه في التظاهر السلمي في أي وقت – بدون الشروط العجيبة التي يشترطها القانون الجديد – وسيظل هذا الحق مكتسباً من ثورتي 25 يناير و30 يونيو ولو كره الحاكمون. أما من يخرج يخرج القوانين ويروع أمن المواطنين ويهدد أمن البلاد فعلى الدولة أن تتعامل معه بموجب القوانين المتاحة أو تعيد صياغة قانون تظاهر جديد يحترم حرية المواطن.

**********

كلمة أخيرة:

إن أكثر ما يدهشني في قانون التظاهر هذا، تعارضه مع ما تم تضمينه من مواد في الدستور الجديد تكفل حرية الرأي والتعبير، ما يعني أن حكم قضائي بسيط من المحكمة الدستورية العليا سوف يقضي ببطلان هذا القانون على الفور، نظراً لعدم دستوريته، وبالتالي فإنني لا أجد مبرراً بأي حال لإصداره من الأساس، وإذا كنا لا نكتفي بالقوانين المتاحة التي تفي بالغرض، فما كان من المنطقي أبداً أن نصدر قانوناً كهذا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه قانون ليتظاهر كل مصري بأنه “متظاهر”.

[email protected]

التعليقات