مصر الكبرى

03:52 مساءً EET

شهادتي.. تجربتي الشعرية المتواضعة تبحث عمن يحاكمها

دايتي الشعرية هي بداية كل شاعر وجد نفسه في حياة صعبة أعزل تقتله وحدته منذ طفولته وتحرمه من كل الأشياء إلا من سريرته التي علمته شرط الوجود أيًا تكن درجة المعاناة والألم، قأيقن أنه لا وجود له إلا بالكلمة، لذلك، لا أقول إن الصدفة هي التي قادتني إلى القصيدة، بل الضرورة التي تتغذى على شرطها الإنساني،

في هذه الضرورة ضبطت نفسي متورطًا بالشعر، أذكر الآن كيف كانت تلك الأيام الأولى لكتابة القصيدة تتقاسم معي صباي، وكيف كان يؤرقها، مثل أرقي، الحلم بواقع بديل غير واقع شظف العيش والحرمان الذي عانيته، وقتها كنت أرى أن الشعر هو ما يحمله كتاب النصوص المقرر في مدارسنا الذي بينه وبين الإباع المعاصر خصومة بالغة، ولا أخفيكم سرًا كان ما يقدم لي في تلك المرحلة سببًا في سذاجة البدايات ولا علاقة له بحجم الموهبة، حتى وقع بين يدي أول كتاب دخلت منه إلى عوالم عدة، الشعر والمسرح والسياسة، نعم لقنني هذا الكتاب الدرس الأول في تسيس الفن، ألا وهو الجزء الأول من ثلاثية الراحل المبدع نجيب سرور، وعنوانه (بهية وياسين)، بعدها أدركت أن الإبداع حمَّال أوجه، فمثلت وأخرجت وكتبت الشعر والمسرح، وأخلصت لذلك كله، سيما وفتح هذا الكتاب صغير الحجم شهيتي على قراءة الأدب، فانطلقت أبحث عن عبد الصبور ودنقل ويحيى الطاهر عبد الله وإدريس والحكيم والسياب ونازك الملائكة وغيرهم، لكنني اخترت أن أكتب قصائدي بالعربية المصرية، واجتهدت في هجر القواميس المستهلكة، وحاولت الاعتماد على قاموس خاص يرتقي بالمفردة، معتزًا بالصورة الشعرية التي أتمسك بها حتى اليوم، حتى بعدما فرط أغلب شعراء جيلي في كنز المجاز، لا أنسى هنا، أن ما اعتنقته من أشعار سرور طلت بعنفوانها فيما أكتبه، وسرعان ما كافحت ذلك، وأعترف بأن أشعار عبد الصبور أسكرتني حتى الثمالة، ودفعتني للترنح على الورق، لكنه ترنح إيقاعي بديع لا يخلو من عمق، بعدها حاولت أن أطالع الشعر غير العربي، فأدركت أن المدى مفتوح، ومن الممكن أن يعبر الشعر عن كل الأشياء ومختلف الأمور.
ولأني ممكن لا يجيدون استثمار العلاقات تأخرت كثيرًا، رغم التضخم الفيزيقي للكثيرين من أبناء جيلي، ولم يمنعني خفوت ضوئي من الاستمرار في الحياة والكتابة. أفكر في جان كوكتو وهو يصرخ: "الشعر ضرورةٌ"، وللآن لم أعرف سر ضرورته!!.
وتجربتي الشعرية لا تزال فتية، من الممكن أن أتوقف عن الكتابة لزمن طويل، لكنني يوميًا أتعلم كيف أنصت إلى تجربتي وأطالبها بالتفرد قدر المستطاع، أمضي في تجربتي بحذر وحساسية، إذا عدت إلى ما كتبت في ديواني، وفي ما تفرق من شعري تجدني منحازًا إلى شعر التفعيلة الذي يتحرك داخل جماليات اللغة العربية رغم أنها كما يقولون "قصائد بالعامية المصرية"، لا يعنيني في الأشكال الشعرية التي أختبرها بقدر عنايتي بالفكرة الشعرية من جهة، وبوعائها حتي يشف، بدرجة مهمة، عن شرطها الإنساني والوجودي. لقد كتبت الشعر العمودي، وطورت حاستي الشعرية في شعر التفعيلة، كما أن قصائدي تتماهى في بعض الأحايين من جماليات قصيدة النثر دون أن تتخلى عن عناصر ارتباطها بمصطلح "القصيدة"، ويظهر جليًا في أشعاري ملمح الاستمالة لقافية المقطع، للحد من صخب الموسيقى، ولم أنشغل يومًا مثلما انشغل كثيرون من شعراء جيلي بموضة شعرية تلقى رواجًا.
ولا أخفي سرًا كان القلق طوال حياتي ملازمًا للشعر، وما أرهب ما نسمع من أبي الطيب المتنبي نداؤه المهيب: "على قلق كأن الريح تحتي".
وتبقى وتظل تجربتي الشعرية على تواضعها، في انتظار من يحاكمها بعد أن تقدم العمر بالشاعر ومازالت القصيدة على صباها متألقة متأنقة متطوِّسة.
وتطول التجربة وتضيق السطور، وربما التقينا ثانية، تصبحون على شعر يليق بآثار مبدعين وحضارة أمة، أجمل ما قدمته للبشرية جمعاء هو "الإبداع".

التعليقات