مصر الكبرى

10:48 صباحًا EET

حاتم ندا يكتب : عكس عقارب الساعة

لعل المازق الحقيقى للثورة المصرية هو انها تسير عكس عقارب الساعة ويغلب عليها الطابع السياسى فقط من رفض الاستبداد المطلق لنظام مبارك والرغبة فى ازاحته ووحد نفسية الجماهير واختزلها فى عملية انتخابية عقيمة لاختيار مجلس شعب ومن بعده اختيار بديل للرئيس مما جعلها فى النهاية فريسة للمزاج الشعبى المتقلب الخاضع تماما للاعلام الموجه الذى يتحكم فيه فلول النظام بما يملكون من نفوذ ومال سياسى .

فى حين نرى حركات التحرر التى مرت بدول الغرب قد بدات بالثورة ضد الطغيان المستند لما يسمى بالحق الالهى فى الحكم والتوظيف السياسى للاستبداد باسم الدين فقد كانت ثورات عقلية وثقافية بامتياز لعب فيها التنويريين والمفكرين الدور الاكبر ومهدت للثورات والتحرر السياسى الذى بدوره كان الاساس لتشكل مفهوم الدولة الحديث وانطلاق دول الغرب نحو افاق الريادة.
واعتقد ان هذه هى المعركة الحقيقة للثورة المصرية فزوال الاستبداد السياسى هو مسالة وقتية اما المعركة الحقيقية هى المعركة ضد التوظيف السياسى للدين ومحاولة تشكيل وعى حقيقى للجماهير يحل مكان الحالة المزاجية فتحرر العقل هو الضمانة الحقيقية والوحيدة لتحقيق هدف الثورة الازلى من الوصول الى حالة مواطنة حقيقية لكل افراد الشعب .
ورغم الصورة الضبابية لمسار الثورة لكن اعتقد ان اهم مكاسب ثورة مصر هو بداية تحرك العقل المصرى نحو التفكير وتشكل مايسمى بالعقلية النقدية للجماهير رغم اننا لازلنا فى بداية الطريق لكن الاهم اننا قد وضعنا ارجلنا على بداية الطريق نحو تشكل وعى قومى حقيقى يكون الاساس لبناء هوية قومية نفتقدها منذ ردح من الزمان تلك الهوية هى الطريق الوحيد لمواجهة التحديات التى تقف حجر عثرة امام تحرر الشعب المصرى وكذا باقى شعوب المنطقة.
ولعل تشوه الطبقة الوسطى وعدم اكتمال بنيتها الاجتماعية كان السبب الرئيسى لتعثر الثورة على الرغم من ان طليعة شباب تلك الطبقة هم من فجر تلك الثورة ذلك التشوه افقدها القدرة على افراز قوى سياسة تعبر عنها وتقود الثورة كذا افقدها القدرة على اكتمال وعى قومى جماعى كان لازما كوقود لاكمال الثورة وجعل رؤيتها مشوشة تجاه المستقبل واكتفاءها بمجرد رحيل الدكتاتور وكان ما حدث مجرد حالة افاقة من غفلة ثم عودة مرة اخرى الى حالة الغفلة ساعد على ذلك الحرب النفسية الاعلامية التى نجحت فى استعداء الشريحة الادنى منها كذا استعداء الطبقات الفقيرة التى تخضع للحالة المزاجية والمعيشية ضد الثورة مما افقدها فى النهاية الدعم  والسند الشعبى كما افقدها حالة التوحد اللازمة لاكتمال مسيرة النضال الثورى ناهيك عن افتقادها دعم قوى نافذة فى الدولة من نخبة اصلاحية او نخبة عسكرية كانت فى امس الحاجة اليه.
ويبدو فى النهاية ان الطبقة الوسطى وهى عقل الثورة الحقيقى قد عقلت فكرها عند مجرد ازاحة المخلوع والاكتفاء بتسليم قلبها الى الاسلام السياسى كطريق للتطهر وتسليم عقلها الى النخبة العسكرية كطريق للعودة الامنة الى حياتها السابقة البائسة.     

التعليقات