كتاب 11

10:00 مساءً EET

حلاوة روح الثورة!

القصة في مصر أكبر بكثير من أزمة فيلم «حلاوة روح» وما إذا كان رئيس الحكومة المهندس إبراهيم محلب على حق في قراره إعادة عرض الفيلم على الرقابة مجدداً أم أن الإجراء يثير مخاوف من تدخلات في المستقبل «لخنق» الناس والتأثير في الإبداع! فالقصة قديمة وتجددت، والأمر سيتكرر في المستقبل طالما بقي بعضهم يعتبر الابتذال إبداعاً، علماً بأن بعض الذين يدافعون عن «الحلاوة» الآن هم أنفسهم كالوا التهم لمحلب ورموز الحكم الانتقالي، واتهموهم بالتسيب وإلهاء الناس بمشاهد العري والفن المبتذل قبل وقف الفيلم! ا

لمهم أن وقائع «حلاوة روح» عكست الاستخدام السياسي للابتذال والبذاءة، فالسينما المصرية، أحد أهم أدوات القوة الناعمة لمصر، في تاريخها أيضاً نماذج كثيرة من «الحلاوة» أو قل الابتذال، والجدل حول الموضوعات الساخنة والمشاهد الملتهبة لم ولن يتوقف، أما الابتذال السياسي وبذاءات السياسيين فظاهرة بدأت ولا يبدو أن نهايتها قريبة.

تصور بعض «الإخوان» أن العنف البدني سيُعيد الدكتور محمد مرسي إلى المقعد الرئاسي، فاخترعوا «المسيرات المسلحة»، وتماهوا مع الجماعات الراديكالية من «جند مصر» إلى «أنصار بيت المقدس» وغيرها، وحطموا قاعات الجامعات، وحرقوا السيارات، وهاجموا البيوت والمحلات، وأغلقوا الشوارع والطرق والميادين بل والأحياء، ولم يعد مرسي إلى الكرسي، وبقي ومعه باقي قادة الجماعة ورموزها داخل السجون من دون أن يشاهدهم أحد إلا وراء أسوار المحاكمات، حيث إشارة رابعة والهتاف بسقوط «الانقلاب».في سعيهم إلى العودة للحكم بالعنف حاكى «الإخوان» تجربة بعض «الثورجية» الذين احترفوا «التثوير» بعد سقوط نظام حسني مبارك، وورطوا البلد في صدام، بين الجيش الذي كان يحكم وقوى الثورة التي كانت تتحكم، أنتج حوادث ماسبيرو، ومحمد محمود، ومجلس الوزراء، وغيرها من المصادمات التي أدت إلى صعود الإسلاميين عموماً و «الإخوان» خصوصاً، وسقوط مزيد من الضحايا، واتساع المساحة بين الثورة وبين الناس الذين خرجوا في 25 كانون الثاني (يناير) 2011 للإطاحة بنظام اعتبروه فاسداً، آملين بنقل مصر إلى مصاف الدول المتحضرة والمتقدمة المتطورة، فوجدوا أنفسهم وقد أسقطوا نظاماً، لكن وقعوا في براثن المتصارعين على الفوز بإرثه. وتخيل بعض «الإخوان» أن إتباع أسلوب بعض رموز «الثورجية» في اللجوء إلى البذاءة سيغير الصورة الانطباعية الإيجابية لدى الناس عن الجيش والشرطة والمشير عبد الفتاح السيسي، أو رجال الحكم الانتقالي، أو كل من ساعد في إبعاد «الإخوان» عن أركان الحكم أو حتى منافسه في الانتخابات حمدين صباحي، فانتشرت لافتات تحمل عبارات منحطة وشتائم قذرة وعبارات خارجة. وخلط «الإخوان» في لافتاتهم بين السياسة ومشاجرات السوقة، وبين انطباعات الناس عنهم وبين الآراء حول ما حدث في 30 حزيران (يونيو) 2013، وبين الصراع السياسي والمنافسة من أجل خدمة الوطن وبين «الردح» وتقطيع الهدوم، وبين التخفي خلف أسماء وصفحات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي وبين مسؤوليتهم الأخلاقية عن ما يجري في تظاهراتهم وما يقال فيها أو الهتافات التي تتردد أثناءها. لو كانت أساليب بعض «الثورجية» من مستخدمي الشتائم ومحترفي البذاءات فلحت لأفلح «الإخوان»، فالناس تكره أي تجاوز أو خروج عن الأخلاق سواء صدر من «ثورجية» أو «إخوان» أو بعض «مطبلاتية» الحكم ومنافقيه. لجأ «الثورجية» ثم «الإخوان» و «المطبلاتية» أولاً إلى تبادل نشر الأكاذيب عبر شبكات التواصل ومواقع إلكترونية، بهدف الاغتيال المعنوي لكل منافس، وطاولت شظايا الكذب الكل، لكن بمرور الوقت ظهر أنها مجرد الأكاذيب ومحاولات للخداع، فكان السباب واستخدام الألفاظ السوقية وأحط الشتائم ضد المنافسين أسلوباً رخيصاً للنيل منهم. وكالعادة لجأت الجماعة إلى محاولة إقناع الناس بمبررات تستخدم الدين مجدداً لتفسير الانحطاط الأخلاقي ونشر الفحش دفاعاً عن الشرعية! وحتى بعض شيوخ السلفية الذين عارضوا سلوك «الإخوان»، وانتقدوا ما جرى في السنة التي جلس فيها مرسي على المقعد الرئاسي وتحكم مكتب الإرشاد في قصر الاتحادية و «أخونة» مؤسسات الدولة، لم يسلموا من البذاءة وطاولتهم الشتائم، وخصص «الإخوان» لهم صفحات على الإنترنت «للتريقة» عليهم!

أفرزت الثورة المصرية انفلاتاً أخلاقياً بعد الانفلات الأمني، وفجرت أطماعاً اجتماعية بعدما صُدِمَ الناس بأطماع السياسيين، وبدا وكأن «حلاوة روح» الثورة في بذاءتها، واعتقد بعضهم أن الكلمات الخارجة دليل على التحرر والانطلاق نحو المستقبل! وأن شتم المعارضين بدلاً عن جدالهم دليل قوة وتمكن، وكلما زاد الابتذال اعتقد أصحابه أنهم أكثر ثورية من غيرهم، وكلما علت الهتافات بالشتائم داعب حلم السلطة والنفوذ خيال الشتامين، ومقابل شكاوى الناس من تداعيات الثورة وتأثيرها على ظروفهم المعيشية التي ساءت وأحوالهم التي تدهورت ظهر من يبتذل ويشتم ويسب، ويعتقد أن البذاءة هي «حلاوة روح الثورة».

التعليقات