مصر الكبرى

08:18 صباحًا EET

رحيل آرثر سولزبرغر ناشر «نيويورك تايمز»

غيب الموت آرثر أوكس سولزبرغر، الذي قاد صحيفة «نيويورك تايمز» وشركتها الأم على مدار فترة طويلة، ومضطربة في بعض الأحيان، من التوسع والتغيير على نطاق لم يسبق له مثيل منذ تأسيس الصحيفة عام 1851. ورحل سولزبرغر عن عالمنا صباح السبت الماضي في منزله في ساوثهامبتون بمدينة نيويورك عن عمر يناهز السادسة والثمانين، بعد صراع طويل مع المرض.

وامتدت مسيرة سولزبرغر كناشر للصحيفة وكرئيس ومدير تنفيذي لشركة «نيويورك تايمز» على مدار 34 عاما، من مجد الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية القرن العشرين، ومن عهد الرصاص الساخن وآلات اللينوتيب وحتى ميلاد العالم الرقمي.
وفي عام 1963، أصبح سولزبرغر ناشر الصحيفة التي ظلت على مدار عقود طويلة تحظى بالاحترام والنفوذ، والدفاع عن أجندة وطنية في كثير من الأحيان، ولكنها كانت أيضا تعاني من عدم استقرار مالي، ومن العزلة بعض الشيء، حيث كان يتم السيطرة عليها من قبل عائلة سولزبرغر منذ عام 1896، عندما قام جده أدولف أوكس بشرائها.
وخلال فترة التسعينات من القرن الماضي نقل سولزبرغر الأب المسؤولية لنجله آرثر سولزبرغر، كناشر عام 1992، ثم كرئيس عام 1997، وهو ما أحدث نقلة نوعية في الصحيفة، حيث كانت الصحيفة لا تتعدى النطاق الوطني، ولكنها أصبحت بعد ذلك نواة لعملية إعلامية متنوعة بمليارات الدولارات تشمل الكثير من الصحف والمجلات والمحطات التلفزيونية والإذاعية والمشاريع عبر الإنترنت.
ويعكس هذا التوسع إيمان سولزبرغر الراسخ بأن أي منظمة إخبارية يجب أن تحقق أرباحا في المقام الأول، إذا ما كانت ترغب في الحفاظ على استقلاليتها وحيويتها. وعن ذلك يقول الرئيس السابق لشركة «آي بي إم» وعضو مجلس إدارة شركة «نيويورك تايمز» لسنوات طويلة جون أكيرز: «تحقيق أرباح تمكننا من الاستمرار في تقديم صحافة جيدة كان هو الشغل الشاغل بالنسبة لنا طوال الوقت».
ويوم السبت الماضي، أعرب الرئيس الأميركي باراك أوباما عن شعوره بالحزن العميق لسماعه خبر وفاة سولزبرغر، واصفا إياه بأنه «كان شخصية ذات إيمان راسخ بأهمية الصحافة الحرة والمستقلة، والسعي وراء الحقيقة أيا كانت ومحاسبة المسؤولين ونشر الأخبار التي ينبغي نشرها».
وكان سولزبرغر مصرا على أن يقدم صحافة مستقلة، وهو ما اتضح جليا في القرار الذي اتخذه عام 1971 بأن يقوم بنشر تقارير حكومية سرية عن حرب فيتنام، والتي تعرف باسم «أوراق البنتاغون». وفي الحقيقة، كانت هذه بمثابة لحظة حاسمة بالنسبة له، كما يرى الكثير من الصحافيين والمؤرخين أنها أفضل لحظات حياته على الإطلاق.
ويحكي هذا الأرشيف السري للغاية، في آلاف الصفحات، إرث واشنطن الكبير من الخداع والتهرب، بعدما تورطت في تلك الحرب التي لا تحظى بتأييد شعبي. وعندما تم نشر «أوراق البنتاغون» في سلسلة من المقالات في شهر يونيو (حزيران) عام 1971، شعرت إدارة الرئيس الأسبق نيكسون بحرج شديد وأمرت بوقف النشر على الفور، بداعي أنها تؤثر على الأمن القومي الأميركي، ولكن صحيفة «نيويورك تايمز» رفضت الانصياع لأمر نيكسون، على أساس التعديل الأول للدستور الأميركي، وحصلت على حكم في صالحها من المحكمة العليا في الولايات المتحدة في حكم تاريخي يعكس حرية الصحافة.
ونجح سولزبرغر في إعادة هيكلة «نيويورك تايمز». وفي منتصف السبعينات من القرن الماضي، كانت الصحيفة تعاني من صعوبات مالية أخرى وكان يمكن أن يتراجع سولزبرغر ويقلص النفقات، ولكنه وسع نشاط الصحيفة من قسمين إلى أربعة أقسام، وأنشأ أقسام مستقلة لأخبار الأعمال، وأقسام أخرى جديدة تستهدف المستهلك. وكانت هذه الخطوة تمثل مغامرة كبيرة، على أمل جذب قراء جدد، ولا سيما من النساء، وكذلك المعلنون.
وانتقد البعض الأبواب المخصصة للمواضيع الخفيفة التي تتناولها صحيفة جادة بحجم «نيويورك تايمز»، ولكن هذه الأبواب (الاثنين الرياضي، وأوقات العلم، والحياة، والمنزل، ونهاية الأسبوع) حققت نجاحا كبيرا، دون المساس بالمواضيع الجادة التي تقدمها الصحيفة. ونتيجة للنجاح الكبير الذي حققته هذه الأبواب، لجأت الصحف والمجلات الأخرى إلى نفس الأمر وبدأت في إصدار أبواب مماثلة.
وعلى مدى العقدين اللاحقين، ضخت الصحيفة استثمارات بقيمة مليار دولار في مرافق الطباعة الجديدة وتقديم أفكار مبتكرة، مثل إصدار عدد محلي، وأعداد إقليمية خاصة، علاوة على الاستخدام اليومي للصور والرسومات الملونة.
وعندما استقال سولزبرغر من منصبه كرئيس للصحيفة عام 1997، قال ريتشارد غيلب، وهو عضو مجلس إدارة صحيفة «نيويورك تايمز» على مدى سنوات طويلة: «دائما ما نتذكر أدولف أوكس بأنه الرجل الذي أسس هذا المشروع العظيم، في حين سنتذكر آرثر أوكس سولزبرغر بأنه الرجل الذي نجح في تجديد هذا المشروع ونقله إلى مستويات أعلى من الإنجازات».
وقد نجح هذا المشروع العظيم في الاستقرار من الناحية المالية، ولكن عائلة سولزبرغر لم تتخل عنه أو تتركه مطلقا وظلت هي التي تسيطر على إدارته، ونجحت صحيفة «نيويورك تايمز» في تجنب النزاعات والصراعات الداخلية والغيرة التي دمرت الصحف والشركات الأخرى.
وحتى بعد وفاة سولزبرغر، يتم إدارة الصحيفة عن طريق الجيل الرابع من عائلته، وهو أمر نادر الحدوث في عصر يتم فيه إدارة معظم الصحف الأميركية من قبل مجالس إدارات شركات بعيدة عن الصحف. إنها الثقة التي تتميز بها أسرة سولزبرغر، والتي لم تتأثر بعد وفاته، هي التي أدت إلى استمرار أحفاد أدولف أوكس في إدارة «نيويورك تايمز».
ولم يكن من قبيل الصدفة، على حد قول سولزبرغر، أن نجد أن أرقى وأنجح الصحف مملوكة لعائلات. وفي تعليقه على ذلك، قال سولزبرغر بحسه الفكاهي المميز ذات يوم: «استنتاجي بسيط للغاية، إنها المحسوبية والوساطة».
* بطل «أوراق البنتاغون»
* من الممكن أن يصبح ناشر أي صحيفة مديرا تنفيذيا لإحدى الهيئات التجارية، ولكن رئيس مؤسسة «نيويورك تايمز» أصبح يتم النظر إليه على أنه رائد في الدفوع القانونية في التعديل الأول من الدستور الأميركي، عندما قرر نشر «أوراق البنتاغون» على الرغم من المعارضة الحكومية.
وقال سولزبرغر في ذلك الوقت: «لا يعد هذا انتهاكا للأمن القومي، لأننا لم ننشر أي أسرار تتعلق بالأمن القومي، كما أننا لم نعرض أي جندي أميركي أو قوات البحرية الأميركية بالخارج للخطر. ما أسهل أن يقول أي شخص معرض للإحراج من موضوع إنه سري ولا يجب نشره!».
وقد حصلت الحكومة على حكم مؤقت من حاكم فيدرالي في مانهاتن، وكانت هذه هي أول مرة في تاريخ الولايات المتحدة أن تصدر محكمة قرارا، لأسباب أمنية وطنية يمنع صحيفة من نشر موضوع بعينه مقدما. وسرعان ما قامت صحيفة «واشنطن بوست» بنشر المواد الخاصة بها استنادا إلى نفس الوثائق، ورفعت الصحيفتان دعويين قضائيتين أمام المحكمة العليا. وفي نهاية شهر يونيو أصدرت المحكمة قرارا برفض الحجج التي ساقتها الإدارة الأميركية وأيدت حق الصحف في نشر هذه الوثائق في مواجهة الجهود الحكومية التي تهدف لـ«تقييد حرية الصحافة بشكل مسبق».
وقد تمت مناقشة أهمية هذا الحكم بالنسبة لمستقبل العلاقات بين المؤسسات الصحافية والحكومة، ولكن الشيء المؤكد هو أن هذا الحكم قد منح أولوية لحرية الصحافة في مواجهة إصرار الحكومة على السرية. وخلال الأربعين عاما التالية لإصدار هذا الحكم، لم يكن هناك أي مثال آخر على منع الحكومة أي صحيفة أميركية من نشر معلومات سرية لأسباب أمنية وطنية.
وفي حديثه لمجموعة من الصحافيين عام 1996، قال سولزبرغر في تعليقه على نشر تلك الوثائق، إنه «ليس لديه أدنى شك في أن الشعب الأميركي من حقه أن يطلع على تلك الوثائق وأنه يتعين علينا في (نيويورك تايمز) أن نقوم بنشرها».
وقال سولزبرغر، إن تلك الوثائق كانت شيقة للغاية، مضيفا: «عندما كنت أقرأ (أوراق البنتاغون)، لم أكن أعرف أنه كان يمكن القراءة والنوم في نفس الوقت»، كما أنه لم يكن يعرف السبب الذي جعل الرئيس ريتشارد نيكسون يقاتل بقوة من أجل «إخماد تلك الأوراق»، على حد قوله.
وقال سولزبرغر: «كنت أعتقد أنه سوف يتحسر على نشر هذه الوثائق، ويلقي باللوم على ليندون جونسون، وينتقل إلى ووترغيت، ولكنني لم أتمكن من فهم واشنطن مطلقا».
وفي عام 1998، قال سولزبرغر إنه تمكن من إدراك المخاطر التي كانت تحيق به بسبب نشر «أوراق البنتاغون»، حيث كان من الممكن أن يتعرض لغرامات مالية باهظة وتشويه سمعة الصحيفة، وربما اعتقاله هو وكبار محرري الصحيفة آنذاك. وقال سولزبرغر إنه لم يكن بإمكان أي رئيس تحرير بمفرده أن يتخذ قرارا بهذه الأهمية، وكان يتعين عليه هو أن يكون صاحب القرار وأن يتحمل تبعاته.
* هيئة تحكيم وليس رئيس تحرير
* في الحقيقة، كان سولزبرغر يترك مهمة طبع الصحيفة للأشخاص الذين تم تعيينهم لهذه المهمة، وهم مديرو النواحي التجارية والمحررون في غرفة الأخبار. وقال ماكس فارنكل، وهو أحد المديرين التنفيذيين الخمسة للصحيفة عندما كان سولزبرغر رئيسا لها: «كان لديه ثقة تامة في الأشخاص الذين اختارهم. لم يكن يريد التدخل في عمل الجريدة، ولكن كان دوره يقتصر على الفصل في المنازعات ووضع المعايير والقيم التي تتبعها الصحيفة».
وكان سولزبرغر يحضر معظم الاجتماعات التي يعقدها المحررون بهدف تحديد شكل الصفحة الأولى للجريدة في اليوم التالي، ولكنه كان يحضر حتى يكون على علم بما يحدث، لا أن يشترك في تلك المناقشات. وبصفة عامة، كان سولزبرغر لا يتدخل في المقالة الرئيسية للصحيفة، وباستثناء بعض المواضيع المثيرة للجدل ودعم بعض التوجهات السياسية، لم يكن يعرف ما يتم كتابته في مقالات الرأي في الصحيفة إلا عندما يفتحها في اليوم التالي في منزله بمانهاتن.
ومع ذلك، كان هناك بعض الاستثناءات، لعل أشهرها هو ما حدث عام 1976 عندما أصر سولزبرغر على أن تقوم «نيويورك تايمز» بدعم دانيال باتريك موينيهان على حساب بيلا أبزوغ في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك، وهو ما لاقى معارضة شديدة من جانب جون أوكس، الذي كان مسؤولا عن تحرير المقالة الافتتاحية، والذي حصل على موافقة لتسجيل اعتراضه بصورة غير عادية، حيث كتب خطابا من 40 حرفا إلى بريد القراء. وفي الحقيقة، كان أوكس يبعث بهذا الخطاب لنفسه! وحتى بعد استقالة أوكس بسنوات طويلة، ظل يشعر بالغضب كلما تذكر هذه الواقعة، ولكنه اعترف بأن مثل هذا التدخل من الطابق الرابع عشر هو الطابق الذي يوجد به مكتب الناشر في صحيفة «نيويورك تايمز» كان نادر الحدوث.
ولم يكن سولزبرغر يفرض رأيه مطلقا، وعلى الرغم من أنه قد دفع أوكس للتقاعد، فإن أوكس نفسه قد قال: «إنها مرات معدودة على أصابع اليد الواحدة التي تم التدخل فيها في المقالة الافتتاحية». يذكر أن أوكس قد رحل عن عالمنا عام 2001.
وعندما كان يريد سولزبرغر ممارسة صلاحياته وإخبار الجميع بالأشياء التي يريدها والأشياء التي لا يريدها، عادة ما كان يفعل ذلك من خلال إرسال مذكرات بين المكاتب المختلفة للصحيفة، وكان يوقع عليها باللقب الذي كان يحمله منذ طفولته هو «بانش».
ربما تكون المواضيع التي يتدخل فيها تحظى بأهمية كبرى من الناحية الوطنية، مثل تكوين هيئة الأركان المشتركة، وكان سولزبرغر يولي اهتماما خاصا بالجيش، حيث كان جنديا سابقا في مشاة البحرية الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية. وعندما كان يشعر بأن حدود الذوق العام قد انتهكت، كان يخبر المحررين بذلك على الفور، كما كان يكتب بعض الملاحظات عن الأمور الدنيوية، ففي عام 1976، اشتكى لروزنتال، الذي كان يشغل منصب رئيس التحرير التنفيذي، عن وصفة نشرت عن ثعبان البحر المطبوخ، وقال: «لماذا لا تهتم صفحات الطعام عندنا بالمأكولات التي يحبها الناس؟».
يذكر أن آرثر قد ولد في الخامس من شهر فبراير (شباط) عام 1926. وعندما تدهورت صحة والده عام 1961 واستقال من منصبه كناشر للصحيفة، لم يكن ينظر إلى آرثر على أنه الخليفة المحتمل لوالده، ورأى الكثير من المديرين التنفيذيين في «نيويورك تايمز» والأقارب أن آرثر كان صغيرا ولا يمكن أن يتحمل تحديات هذا المنصب الرفيع، ولذا اتجهت العائلة إلى درايفوز، وهو زوج الابنة الأكبر لسولزبرغر، ماريان، والذي كان مسؤولا تنفيذيا بارزا في «نيويورك تايمز» لسنوات كثيرة.
* ترقية غير متوقعة
* وتوفي درايفوز بعد عامين فقط من توليه هذه المنصب، واتجهت أنظار العائلة إلى سولزبرغر الذي كان في السابعة والثلاثين من عمره، والذي أصبح أصغر ناشر في تاريخ صحيفة «نيويورك تايمز».
وقالت والدته، التي رحلت عن عالمنا عام 1990 عن عمر يناهز السابعة والتسعين، في مذكراتها إن اختيار سولزبرغر لهذا المنصب كان «نوعا من المقامرة»، لأنه لم يكن لديه الخبرات الكافية وكان شغل مناصب في مستويات أقل في الشركة، كأمين للصندوق على سبيل المثال. وكان سولزبرغر نفسه يدرك جيدا أن الآخرين ينظرون إليه باستخفاف. وعقب انتهاء أول يوم له في هذا المنصب، قال سولزبرغر لشقيقته روث: «لقد اتخذت قراري التنفيذي الأول، وقررت الاستمرار وعدم التخلي عن منصبي».
ولم يستغرق الأمر طويلا حتى أثبت سولزبرغر أن شكوك الآخرين كانت خاطئة وأنه كفء لهذا المنصب الرفيع. وكتبت والدته في مذكراتها تقول: «كان من الملحوظ للغاية أن بانش قد أثبت أنه يتمتع بالمبادرة والحسم». وبعد عدة أعوام، قال روزنتيل عن سولزبرغر: «إنه أكثر الناشرين الذين لم يأخذوا حقهم في الصحافة الأميركية الحديثة».
ومن الصعب أن ينكر أي شخص أن «نيويورك تايمز» كانت هي الصحيفة الرائدة في الولايات المتحدة عام 1963، وربما يكون تأثيرها على السياسات الوطنية آنذاك أكبر من تأثيرها في العصر الحالي المشبع بالمعلومات والقنوات الإخبارية على مدار الساعة ووسائل الإعلام الاجتماعية وشبكة الإنترنت.
ومع ذلك، كانت «نيويورك تايمز» تمر بأزمة مالية آنذاك، نتيجة قلة الموارد وارتفاع تكلفة العمالة، وكانت قد خرجت لتوها من أزمة اضطراب عمال المطابع الذي استمر لمدة 114 يوما، وهو ما كان يمثل ضغطا هائلا على درايفوز.
وعندما بدأ هذا الإضراب عام 1962، كان هناك 7 صحف رئيسية يومية تصدر في مدينة نيويورك، وكان جميعها تقريبا مهددا بسبب المنافسة الشرسة من جانب القنوات التلفزيونية، علاوة على الأعباء الأخرى المتمثلة في ارتفاع التكاليف وانخفاض الدخل. وفي غضون خمسة أعوام فقط، انخفض عدد الصحف إلى 3 فقط، وهي «نيويورك تايمز» و«ديلي نيوز» و«نيويورك بوست».
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» تصدر في شكل نسخة صباحية فقط، وكانت تفكر في إصدار نسخة مسائية حتى تكون قادرة على منافسة صحيفة «نيويورك بوست» التي كانت تصدر نسخة مسائية. وفي عام 1967 ذهبت الصحيفة إلى ما هو أبعد من ذلك، وفكرت في إصدار صحيفتين أخريين، ولكنها تخلت عن هذا المشروع في نهاية المطاف بعدما رأت أنه سيستنزف موارد الشركة.
وكان 1963 هو أول عام تتعرض خلاله صحيفة «نيويورك تايمز» للخسارة منذ عام 1898، وحتى خلال السنوات التي لم تتعرض خلالها الشركة للخسارة كانت الأرباح ضئيلة للغاية، وما زاد الأمر سوءا هو أن الصحيفة كانت تصدر في مدينة تعاني من مشاكل اقتصادية ولم تكن قادرة على إيقاف نزوح الكثير من السكان الأثرياء من مدينة نيويورك، بما في ذلك قراء المجلة ومعلنوها، إلى الضواحي.
ويتذكر سولزبرغر ما حدث آنذاك قائلا «أنا شخصيا لم يساورني أي قلق باحتمال عدم قدرة الصحيفة على الاستمرار في عملها، ولكن كان واضحا بالنسبة لي أن هناك مشكلة في الجانب التجاري، كما كان هناك مشكلة في هيكل العمل والطريقة التي كنا نعمل بها معا، أو لكي أكون أكثر دقة، الطريقة التي لم نعمل بها معا».
وتحرك سولزبرغر سريعا لكي يحل المشاكل المالية التي تعاني منها الشركة ويثبت لمن يشكك في قدراته أنه يستحق أن يشغل هذا المنصب الرفيع. وكانت خطواته الأولى في هذا الإطار تشبه ما يقوم به أي رجل أعمال يعاني من مشاكل مالية في عمله، ولكن بالنسبة لصحيفة «نيويورك تايمز» في تلك الحقبة، كان ينظر إلى هذه الخطوات على أنه ثورية للغاية. وأصر سولزبرغر على أن يعمل القسم الإخباري في الصحيفة في ضوء ميزانية محددة، وهو ما كان شيئا جديدا ومبتكرا في ذلك الوقت، كما عمل على تقليل عدد العاملين بالشركة والذي كان يصل لنحو 5400 عامل، وهو ما يفوق عدد العاملين بالصحيفة في الوقت الحالي. وعلاوة على ذلك، عمل سولزبرغر على توحيد الجهود بين قسمي الإعلانات والتوزيع، حيث كان كل قسم يشعر بالغيرة من امتيازات القسم الآخر.
وفي الحقيقة، كان سولزبرغر بارعا بالسليقة، وكان يفكر في إنهاء حالة الفوضى المعتادة على مكاتب الصحافيين، وكان لا يرى أي معنى لأن يتم إصدار صحيفتي «نيويورك تايمز» و«صنداي» بشكل منفصل وأن تكون هناك منافسة بين بعضهما البعض. وفي عام 1964، قرر سولزبرغر أن يتم إصدار الصحيفتين تحت قيادة رئيس تحرير تنفيذي واحد، وهو تورنر كاتليدج.
ولم تنفذ هذه الخطة بسهولة، حيث كان يتم إدارة صحيفة «صنداي» من قبل ليستر ماركل، الذي كان شخصية لامعة ولكنها متعجرفة ومتغطرسة، لم تكن لتقبل أي تدخل من أي شخص، ولا سيما عندما يكون هذا التدخل من شاب صغير في السن مثل سولزبرغر. ولذلك، قرر سولزبرغر أن يقوم بدمج الصحيفتين دون أن يخبر ماركل. وخلال حديث له عام 1971 يتذكر كاتليدج ما حدث قائلا «يمكن أن يكون الشباب قاسين للغاية، دون أن يدركوا ذلك».
وكتب كاتليدج يقول: «سرعان ما أثبت آرثر أنه أكثر عدوانية من سولزبرغر أو درايفوز. كان هذان الرجلان، اللذان ارتبطا بالصحيفة ارتباطا وثيقا، يعتبران أنفسهما وصيين على الصحيفة، ولكن آرثر كان يشعر بأنه مالكها، وهو الإحساس الذي لم يشعرا به».
وفي شهر يناير (كانون الثاني) عام 1964، قرر سولزبرغر إغلاق نسخة «نيويورك تايمز» التي كانت تصدر في غرب الولايات المتحدة، والتي كانت قد بدأت قبل نحو 15 شهرا فقط تحت إدارة درايفوز. وكانت هذه النسخة تطبع في ولاية لوس أنجليس ويتم توزيعها في 13 ولاية غربية، ولكن تم إيقافها بسبب قلة الإعلانات والتوزيع.
وقد أثار هذا القرار حالة من الفزع في غرفة الأخبار بالصحيفة، بعد أن تم تسريح عدد من الموظفين في إجراء قلما تشهده الصحيفة. واعترف سولزبرغر بهذه الصدمة في وقت لاحق عندما قال: «كانت هذه هي المرة الأولى التي نستسلم فيها ونقول (لا يمكننا القيام بذلك). ولم تكن هذه هي الطريقة المعتادة التي نتبعها في القيام بعملنا».
ومع ذلك، قامت الصحيفة بالشيء نفسه عام 1967، عندما أغلقت النسخة الدولية التي كانت تتكبد خسائر كبيرة، والتي كان قد تم تأسيسها عام 1949 وتتخذ من العاصمة الفرنسة باريس مقرا لها. وتم دمج نسخة باريس مع صحيفة «نيويورك هيرالد تريبيون» التي كان قد تم إغلاقها في وقت سابق وتم تكون كيان جديد هو «ذي إنترناشيونال هيرالد تريبيون»، والذي أصبح مملوكا من قبل صحيفة «نيويورك تايمز» بشكل منفرد الآن، بعد فترة طويلة من الشراكة مع شركة «واشنطن بوست».
وكانت شركة «نيويورك تايمز» في عام 1963 تتكون من صحيفة «نيويورك تايمز» ومحطتي إذاعة «نيويورك دبليو كيو إكس آر – إيه إم» و«إف إم»، علاوة على حصة في شركة «سبروس فولز باور آند بيبر» في أونتاريو. وخلص سولزبرغر إلى أن شركة «نيويورك تايمز» بحاجة إلى مشاريع جديدة تحقق لها أرباحا تمكنها من تجنب المخاطر المستقبلية والأزمات الاقتصادية في ولاية نيويورك أو انخفاض العائدات الإعلانية.
ولكن هناك مشكلة أخرى تتمثل في أن هذا التوسع يحتاج إلى الكثير من الأموال التي لا يمكن جمعها من خلال شركة صغيرة محافظة تحقق هامشا ضئيلا من الربح. وتغير كل ذلك عام 1969 عندما بدأ تداول ملايين الأسهم من شركة «نيويورك تايمز» في بورصة الأوراق المالية الأميركية (يتم تداولها في بورصة نيويورك للأوراق المالية منذ عام 1997)، وهو ما مكن الشركة من جذب مستثمرين من الخارج.
* مكالمات من البيت الأبيض
* كان سولزبرغر يعلم جيدا أن هناك ضغوطا خارجية بشأن ما ينبغي وما لا ينبغي نشره، ففي عام 1963، حاول الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي إقناعه بأن يستبدل مراسل الصحيفة في فيتنام الجنوبية ديفيد هالبيرستام، ولكن سولزبرغر لم يستجب لتلك الضغوط وأبقى على المراسل.
وفي عام 1967، عندما اشتد وطيس الحرب في فيتنام، اتصل وزير الخارجية الأميركي آنذاك دين راسك بسولزبرغر ليعرب له عن قلقه العميق من مراسل آخر للصحيفة وهو هاريسون ساليسبيري، الذي كان يكتب من العاصمة الفيتنامية هانوي.
ولكن هذه المكالمات كانت أقل مما يعتقد البعض، حسب تصريحات سولزبرغر بعد تقاعده والتي قال خلالها: «يبدو أن المسؤولين الحكوميين يكرهون اللجوء إلي بشكل مباشر».
وخلال إدارة ريغان، تمت دعوة سولزبرغر لتناول الغداء في المكتب البيضاوي. ويتذكر سولزبرغر هذه الزيارة قائلا «عندما كنت هناك قمت بإجراء مكالمة هاتفية مع والدتي وقلت لها: أمي، تخيلي مع من أتناول الغداء الآن؟ وردت هي قائلة: من يا عزيزي؟ وقلت لها: مع الرئيس ونائبه ووزير خارجيته، فقالت: هذا شيء رائع، ولكن ماذا يريدون منك؟». وأضاف سولزبرغر وهو يضحك: «لم أعرف أبدا ماذا يريدون مني في حقيقة الأمر».
وعلاوة على ذلك، كانت الصحيفة تتلقى شكاوى من بعض المعارف بشأن التغطية الإخبارية، وخير مثال على ذلك أن قطب الإعلام والتر أنينبيرغ كان غاضبا للغاية من أحد المقالات التي نشرتها الصحيفة حول الجوانب السيئة في ماضي عائلته، ولذا قام بسحب إعلاناته من الصحيفة لعدة أشهر.

التعليقات