مصر الكبرى

12:35 صباحًا EET

مؤتمرات الأحزاب فاترينة سياسية

أعد المقال في مدينة مانشستر الصناعية مع مؤتمر حزب العمال. الأسبوع الماضي، كتبت من برايتون حيث انعقد مؤتمر «الديمقراطيين الأحرار» وغدا (الأحد) نتوجه إلى بيرمنغهام لتغطية مؤتمر «المحافظين».

موسم المؤتمرات يبدأ في مطلع سبتمبر (أيلول) بالمؤتمر العام للاتحادات العمالية والمهنية.
تلعب نقابات العمال دورا محوريا في سياسة بريطانيا، ليس فقط لأنها الرحم الذي نما فيه جنين حزب العمال، بل هي الممول الأول للحزب، لذا يصوغ العمال برنامجهم الانتخابي بالتنسيق مع النقابات المهنية.
بعد مؤتمر النقابات، تأتي مؤتمرات الأحزاب الصغيرة وذات القضايا الأحادية (كالخضر، والبيئة، واستقلال المملكة المتحدة)، وأحزاب القوميات (كالقومي الاسكوتلندي، وويلز الوطني، وأحزاب آيرلندا الشمالية)، ثم مؤتمرات أحزاب «الديمقراطيين الأحرار»، فـ«العمال»، فـ«المحافظين».
الموسم مرهق لنا كصحافيين برلمانيين. فالنظام البرلماني – كبريطانيا وبلدان الكومنولث التي ترأس دولها جلالة الملكة إليزابيث – معناه أن قلب الحكم والحكومة وقرار الشعب هو البرلمان، وبالتالي لا بد من وجود المحررين السياسيين دائما في البرلمان (القسم السياسي في صحافة بريطانيا، مهمته تغطية البرلمان والوزارات والسياسة المحلية والأحزاب، وليس كالصحافة العربية حيث تعني السياسة الخارجية والإقليمية). وكمحررين برلمانيين، نغطي المؤتمرات الحزبية وتنقلات زعماء الأحزاب محليا، وقوميا ودوليا..
الصحافة تمنح مساحة ووقت بث متساويين لكل الأحزاب، لا فرق بين حزب حاكم أو معارض، فالمؤتمر فاترينة سياسية تعرض على الناخب طريقة صناعة البضاعة في كل حزب، وفلسفته السياسية، وما يطرحه من حلول للمشاكل.
في الديمقراطيات الناضجة، الناخب هو دافع ضرائب، ولذا فالاقتصاد هو القضية التي تحسم التصويت. يتبعه – نزولا – الصحة، فالتعليم، فالأمن، فالمواصلات. أما الإسكان والتوظيف، فليسا ضمن أولوياته. وقد يبدو الأمر غريبا للمصريين والعرب، حيث تسود ثقافة سياسية محورها الاعتماد على الدولة لتوفير المسكن وتوظيف الخريجين..
المسكن للناخب البريطاني أمر خاص، يشتريه باقتراض ثمنه من البنك بتقسيط على 25 عاما، ويقتصر دور الحكومة على توفير مناخ اقتصادي يحرك سوق العقار ويحفز البنوك على تخفيض سعر فائدة الإقراض، بينما توفير الخدمات للأحياء السكنية مقابل الضريبة العقارية المحلية (وهي غير ضرائب الدخل والسيارة ووقودها وتمغة القيمة المضافة، وكلها للخزانة العامة).
إحجام البنوك عن توفير قروض المساكن، وتمويل صغار رجال الأعمال، قضية أولية تناولتها كل الأحزاب في مؤتمراتها.
وظائف القطاع العام وتوفير المساكن الشعبية، هما ثقافة سياسية لقرابة ربع الناخبين (22 – 28%) في مجتمع السوق التجارية الحرة كبريطانيا.
ما يفوق ثلثي دخل الخزانة من الضرائب مصدره القطاع الخاص، وبالتحديد self – employed المشتغلين بالأعمال الحرة وأصحاب المشاريع الصغيرة، كالمحلات والمطاعم الصغيرة والورش، حيث لا يزيد عدد العاملين على ثلاثة – غالبا أولاد صاحب العمل (وصف نابليون إنجلترا بـ«أمة من أصحاب الدكاكين الصغيرة»). الثقافة السياسية لهؤلاء معاكسة لفكرة الاعتماد على الدولة.
يبزغ الصراع بين الثقافتين السياسيتين في موسم المؤتمرات الحزبية. فأصحاب المبادرات الفردية (المهاجرون المثقفون كالآسيويين الذين طردهم عيدي أمين من أوغندا في مطلع السبعينات، أو اليهود والمزارعون) أكثر ميلا لفلسفة «المحافظين»؛ يعملون ساعات طويلة بلا إجازات حتى وهم يعانون المرض. فإجازة مرضية تعني حرمان الأسرة من الدخل، والضرورة فرضت عليهم أهم قيم الصمود البريطانية: الاعتماد على النفس ومواجهة المصاعب بشجاعة وبرود أعصاب – أي الروح التي صمد بها السير ونستون تشرشل في الحرب العالمية الثانية ليقود تحالف نصرة الإنسانية على همجية الشمولية.
أما موظف القطاع العام أو الحكومة، فيأخذ إجازة مرضية لمجرد صداع بسيط استنادا إلى قوة ونفوذ اتحاده المهني، ولذا فهؤلاء يميلون للتصويت لحزب العمال (ومعهم المهاجرون الطفيليون).
النظام البرلماني أرسى تقليد تشكيل المعارضة لحكومة ظل، رئيس وزرائها هو زعيم الحزب المعارض، ومقابل كل وزير في الحكومة تجد وزير ظل، يناقشه ويعارض سياسته في البرلمان.
ولذا، قدم «العمال» في مانشستر مشروعا سياسيا بديلا وميزانية بديلة، ليكون أمام الناخب خيار آخر ووجه للمقارنة عندما يحين موعد الانتخابات العامة. مهمتنا – كصحافيين – أن نشرح للقارئ والمتفرج والمستمع ما إذا كانت ميزانية المعارضة ومشاريعها السياسية واقعية، يمكن بالأرقام المتاحة تطبيقها عمليا، أم مجرد كلام «ببلاش» على الهواء؟
البرامج الحوارية أثناء المؤتمرات هي أرض الامتحان، والصحافي ينازل السياسي مسلحا بالأرقام والمعلومات، (قارن ذلك بالبرامج الحوارية العربية، وهي عبارة عن منازلة لفظية وزعيق بين خصمين حول أفكار وشعارات، وليست استجوابا لبرنامج سياسي نيابة عن الناخب).
وزير مالية حكومة الظل أو المعارضة (حاليا إدوارد بولز، وكان وزيرا للخزانة في حكومة براون)، يواجه مأزق ما يعرف بخيار منتصف الدورة البرلمانية. فليست هناك انتخابات نيابية قبل عام 2015 (اللهم إلا إذا انفرط الائتلاف الحاكم بانسحاب (الديمقراطيين الأحرار)، وهو أمر مستبعد، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى مواجهتهم مصير الديناصورات إذا جرت الانتخابات غدا).
إذا قدم بولز مشروعه الاقتصادي البديل متضمنا أفكارا إصلاحية جيدة، يحتمل أن تسرقها الحكومة ويطبقها وزير المالية جورج أوزبورن فتزيد شعبيته.
أما إذا قدم اقتراحات «نص، نص»، يعرض نفسه لسخرية الصحافيين، خاصة أن أقلامهم سياط لاذعة لا ترحم. ولذا، أمسك بولز العصا من الوسط في مانشستر، واقترح مشروع بنك إقراض ائتماني تضمنه الخزانة، لتمويل أصحاب المشاريع الصغرى ومشاريع الإسكان بفائدة بسيطة.
الطريف أن وزير الأعمال والاستثمار، فينسيت كيبيل، كان قدم الاقتراح نفسه في مؤتمر «الديمقراطيين الأحرار» الذي ينتمي إليهم. اقتراح بولز تحول إلى قماش ثوب سخرية، ألبسته الصحافة لتقاريرها عن مؤتمر مانشستر، وأتاح لها فرصة إصابة حزبين بخبر واحد. فهمسات مؤتمر برايتون اتهمت كيبيل، وهو اشتراكي الميول، بأنه «يحرجم» (كلمة مصرية تعني مناورة للحصول على شيء مرغوب) على تزعم «الديمقراطيين الأحرار» بدلا من الشاب قليل الخبرة نيكولاس كليغ. صحافيون كشفوا تبادل كيبيل سرا رسائل نصية من الجوال مع بولز ومع زعيم العمال إدوارد ميليباند.
تساءلنا بسخرية: لماذا يروج وزير مالية المعارضة لمشروع وزير في الحكومة ويزيد من شعبيته؟ أيريده زعيما لـ«الديمقراطيين الأحرار»، ليدخل في ائتلاف حكومي مع «العمال»، إذا أتت الرياح الانتخابية ببرلمان معلق تشتهيه سفينة ميليباند الذي رفع شعار «الأمة الموحدة»؟
ونترك القراء يهضمون السؤال، بينما نتربص بفريسة لأقلامنا في بيرمنغهام في مؤتمر «المحافظين» الأسبوع المقبل. كمحررين في صحافة حرة في نظام ديمقراطية السوق التجارية المفتوحة، ليس لنا ولاء لحزب أو آيديولوجية، فولاؤنا فقط للقارئ (أو المستمع أو المتفرج) وحده، لا غير.

التعليقات