كتاب 11

12:30 مساءً EET

احسبوها بالورقة والقلم.. والمليم

ابتداء من اليوم، أول يوليو، تتجه قطاعات الدولة، على اختلافها، إلى إقرار الحد الأقصى للأجر الذي حدده الرئيس السيسى، يوم تنازل عن نصف راتبه وثروته، وهو 42 ألفاً في كل شهر.

ومن أخطر ما سمعت من كثيرين متخصصين، تحدثت إليهم على مدى أيام مضت، أن مسؤولين كباراً في الدولة لديهم اعتراضات وجيهة على مثل هذه الخطوة، وأنهم، مع ذلك، لم يصارحوا الرئيس بها، ولا ناقشوه فيها، ووجدوا حرجاً في الكلام عنها معه، وفضلوا أن ينفذوا توجيهاته كما هي، دون نقاش!

وأظن أننا مدعوون ونحن نناقش حكاية الحد الأقصى للأجر إلى أن نكون أصحاب عقول منفتحة على الدنيا من حولنا، ثم على كل ما يحقق المصلحة العامة، وألا نكون عبيداً هكذا للرقم الذي أعلنه الرئيس، وأن نصارح الرئيس، ومعه الدولة كلها، بأن تطبيق حد أقصى من هذا النوع على قطاع البنوك، مثلاً، لن يكون في صالحها، بل قد يؤدى إلى تبديد خطوات من الإصلاح مضت فيها البنوك، طوال سنوات عشر ماضية!

وقد يكون الاتجاه إلى تنفيذ توجيه الرئيس، بهذا الشأن، دون مناقشته بعقل مفتوح، راجعا، في أساسه إلى أننا لا نعرف إلى اليوم، مستشارين للرجل، على المستويين السياسى والاقتصادى تحديداً، ليكونوا هم القناة الممتدة بينه وبين الناس.. غير أن هذا يظل، في حد ذاته، مسألة أخرى، سوف نعود إليها، ليبقى أن نقول إنه من الأفضل للدولة وللبنوك معاً أن يكون الحد الأقصى للأجر مفتوحا فيها، بشرط أن تكون الـ42 ألفاً هي السقف المعفى من الضرائب، وأن يكون كل جنيه فوقها خاضعاً لضريبة عالية، يجرى تحديدها بوضوح، سلفاً، وتتصاعد كلما ارتفع الراتب شهرياً، حتى لو وصل إلى مائتى ألف في آخر كل شهر.

وبمعنى أوضح، فإننا لو افترضنا أن رئيس أي بنك حكومى سوف يتقاضى 180 ألفاً، مثلاً.. مثلاً، فإن الوضع في هذه الحالة يصبح على النحو الآتى: 42 ألفاً من المبلغ معفاة من الضريبة، ثم يخضع ما تبقى وهو 138 ألفاً لضريبة تصل إلى 40٪ في شريحة أولى منه، و50٪ في شريحة ثانية، و60٪ في شريحة ثالثة.. وهكذا.. وهكذا.. حتى نستوفيه كله!

عندئذ، سوف تكون، كدولة، قد ضمنت شيئين: أولهما أن تكون رواتب رجال البنوك العامة على علاقة بالرواتب حولها، وخصوصاً في البنوك غير العامة، وألا تكون بينهما فجوة تتسرب منها مهارات بنوك الحكومة إلى غيرها هرباً من رواتبها المتدنية. وثانيهما أن الخزانة العامة سوف تستقبل عائداً كبيراً لا ينقطع، مع نهاية كل شهر، وسوف يكون مثل هذا العائد مؤكداً، لأنه سوف يكون محسوباً بالورقة والقلم.. وبالمليم.

شىء من هذا، في شتى القطاعات، وليس في البنوك وحدها، يمكن أن نعوِّل عليه في البناء، وفى التنمية، ونحن مطمئنون، لأنك، والحال هكذا، تتكلم عن مبالغ محسوبة سوف تأتيك كحكومة بانتظام، وسوف تستطيع أن تبنى عليها وأنت مطمئن تماماً.. بعكس حكاية التبرعات، مثلاً، التي تظل مورداً محتملاً، مهما كان حجمه، وليست مورداً مؤكداً!

هكذا تعمل الدول التي نجحت، وهكذا تتصرف، ولن نكون نحن بدعاً عندما نمشى في هذا الطريق، كما لن نكون في حاجة إلى اختراع العجلة من الأول، لأنها مخترعة، وجاهزة، وليس علينا إلا أن نأخذها لنكمل بها طريقنا، لا أن نبدأه من عند أول خطوة، وكأننا نعيش وحدنا على الأرض!

الضرائب الواضحة، والثابتة، والحاسمة، هي مصدر الحياة الأساسى في أي دولة ناجحة، ولذلك وصفوا الضرائب عندهم بأنها كالموت تماماً، لا يمكن الهرب منه، وربما لهذا السبب يظل المتهرب من الضرائب في مثل هذه الدول شخصاً ساقط الاعتبار، فأعيدوا الاعتبار للضرائب، كنظام، بقوة وعزم لا يعرفان التراجع في أي لحظة، وعندئذ سوف يعاد الاعتبار للدولة نفسها!

التعليقات