كتاب 11

12:49 مساءً EET

كيف طاوعك قلبك يا سيادة الرئيس؟!

لا أكاد أصدق أن يقول الرئيس لرؤساء التحرير، فى لقائه معهم، أمس الأول، إن الدولة لا تملك آليات كافية لضبط الأسواق!.. لا أكاد أصدق أبداً!

ولا أكاد أصدق أن يكمل الرئيس كلامه فى الاتجاه نفسه فيقول إن الحكومة، لهذا السبب، قد خاطبت ضمائر التجار حتى لا يرفعوا الأسعار على الناس!.. لا أكاد أصدق مطلقا!

 

ولولا أن زميلنا الأستاذ عماد الدين حسين، رئيس تحرير الشروق، قد قال، فى صدر صحيفته، إنه بنفسه سأل الرئيس سؤالاً، فكان جوابه هكذا، ما كنت قد صدقت بأى حال!

 

ولا أعرف لماذا لم يراجع الأستاذ عماد الرئيس فى خطورة جواب من هذا النوع؟!.. ولماذا لم يصارحه بأن نشر كلام مثل هذا على المواطنين معناه بث اليأس الكامل فى نفوسهم، لأن كل مواطن سوف يشعر، والحال هكذا، بأن ظهره إلى الحائط فى مواجهة كل تاجر، يفعل به ما يحب وما يشاء، فى غياب الحكومة والدولة!

 

ليس هذا فقط، وإنما سوف يشعر كل تاجر مستغل، وبلا ضمير، وما أكثرهم، بأنه مطلق اليد تماماً فى تقدير مدى الزيادات الجديدة على أسعار أى سلعة، وأنه، كتاجر، يستطيع أن يفتش جيب أى مواطن، يقع بين يديه، فيأخذ منه ما يكفيه، وليس مهماً أن يبقى شىء بعدها للمواطن يعيش به.. لا.. ليس مهماً!

 

هذا الكلام الذى صدر عن الرئيس، حتى ولو كان يعبر عن حقيقة قائمة على الأرض، لا يجوز التصريح به هكذا أبداً، بل يجب أن يقال عكسه تماماً، وبنسبة مائة فى المائة، لأن الوسطاء الجشعين، وما أكثرهم مرة أخرى، سوف يشعرون، وقتها، بأن عين الدولة مسلطة عليهم، وبأنها لهم بالمرصاد، وبأنها تراقبهم على بعد، وتترقبهم، وبأنها.. وبأنها… إلى آخر مثل هذه المعانى التى تردع بطبيعتها أى مستغل فى ظروفنا الحالية، وتحول دون وقوع المواطنين فريسة بين يديه!

 

بل إننى أتصور ما هو أبعد من ذلك، وأتخيل الرئيس وهو يقول إن كل وسيط يستغل المصريين سوف يجد فى انتظاره محاكمة عاجلة، أمام دوائر قضائية خاصة، من نوع تلك الدوائر التى يقف أمامها الإرهابيون سواء بسواء.. إذ لا أظن أن أحدا سوف يختلف معى حول أن الذين يتاجرون بأقوات الناس، فى هذه الظروف القاسية، ليسوا أقل خطراً على البلد، وأمنه، واستقراره، من الإرهابى الذى يخرج علينا بالسلاح.. ليسوا أقل خطراً أبداً، وإنما هم فى الخطورة سواء!

 

ولنا أن نتصور تاجراً، أو وسيطاً، أو سمساراً، أياً كان اسمه، قد وقع فى قبضة الدولة، لأنه مارس استغلالاً لخلق الله، ورفع عليهم الأسعار، ودن رادع من قانون، ولا حتى ضمير.. لنا أن نتصور رجلاً ارتكب جريمة كهذه، فأخذته الحكومة، ثم علقته من رقبته فى أوسع ميدان، أو بمعنى آخر عقدت له محاكمة سريعة، وعاقبته بما يتعين أن تعاقبه به، وبشدة، ودون رحمة.. هل نتوقع، بعدها، أن نصادف تاجراً واحداً يكرر ما فعله التاجر المستغل؟!.. مستحيل.. لأن كل واحد سوف يتعامل معنا، كمستهلكين، عندئذ، بينما صورة زميلهم المعلق من رقبته تتمايل أمام عينيه!

 

أعتقد أن الرئيس فى حاجة إلى أن يراجع ما صدر عنه، بهذا الخصوص، وبسرعة، لأن عبارة كهذه، عندما تصدر عن رأس الدولة، بوجه عام، ثم عن الرئيس السيسى بشكل خاص، بكل ما يملكه من ثقة فيه عند الناس، إنما هى دعوة – غير مقصودة طبعاً – لأن يشعل أى تاجر النار فى أى مستهلك يقابله.. ولا تحدثنى يا سيادة الرئيس هنا عن الضمير لدى التاجر.. فهذه مسألة، كما تعرف ونعرف، فيها نظر!

التعليقات