كتاب 11

08:48 صباحًا EET

لعنة سخم ــ كا

من المؤكد أن العار سيلازم مدينة ومتحف نورث هاملتون الإنجليزيين؛ وهناك احتمال أن يمتد ويلحق بالبلد كله لأنه وفي سابقة نادرة في تاريخ المتاحف التاريخية يتم بيع تمثال أثري فرعوني عبر صالة مزادات بدعوى حاجة المتحف إلى المال للتطوير وترميم محتوياته! لقد باع من لا يملك لمن لا يستحق. التمثال وإن كان من مقتنيات المتحف الإنجليزي فهو أثر مصري خرج بشكل أو بآخر من موطنه، ولا يجوز أخلاقيا أن يصير سلعة تباع وتشترى في قاعات المزادات أو في الأسواق. ولن تنتهي قصة بيع تمثال سخم-كا بمبلغ 14 مليون جنيه إسترليني دون عواقب ودون رد فعل عملي على هذا العمل المشين.

وتمثال سخم-كا هو أحد أعمال فن النحت الفرعوني الرائعة؛ يرجع تاريخه إلى عصر الأسرة الخامسة من الدولة القديمة وقد تعدى عمره أربعة آلاف وخمسمائة سنة. وقد أهدي التمثال إلى نورث هاملتون في القرن 19. والتمثال من الحجر الجيري الملون ويمثل الموظف الكبير سخم-كا (أي قوى الروح) وهو جالس على مقعد من دون مسند للظهر وإلى جوار ساقه اليمنى تجلس إحدى بناته؛ وعلى قاعدة التمثال سجلت أسماء وألقاب سخم-كا.

إن المحزن في الأمر أن متحفا المفروض أنه يدار بعلماء يتحلون بخلق العلم ينقلبون إلى مجرد تجار وسماسرة يتاجرون فيما لا يملكون. وبعد أن كان التمثال معروضا للناس ومعروفا مكانه وموضعه أصبح مجهولا لا نعرف من قام بشرائه بالتليفون؟! ومن المضحك لحد البكاء أن القوانين تحمي رغبة من اشترى التمثال في التخفي ولا تحمي الأثر من أن يباع ويشترى؟! لقد كان الجشع وحب المال هو المسيطر على الأمر برمته ففرح المتحف بالمبلغ الكبير والذي سيتم اقتسامه بينه وبين دار المزاد؛ وليضيع من مصر أثر نادر! ولا يلتفت لدموع هؤلاء الواقفين أمام دار المزاد يرفعون لافتات التنديد.. رافضين عرض التمثال للبيع، وكان منهم مصريون وإنجليز وجنسيات أخرى! فبماذا نسمي ما حدث سوى أنه عمل من الأعمال الاستعمارية الجديدة.

ورغم الغضب والسخط من كل ما يحدث لنا من اعتداء على النفس وعلى التراث في شهر رمضان الذي يأبى من يكرهوننا إلا أن يقتلوا فرحتنا به؛ فإنه لا يجب أن نحط من مجهود من فعل أقصى ما في استطاعته لإنقاذ سخم-كا، وأعني هنا السفير أشرف الخولي -سفير مصر بلندن- فالرجل عمل أكثر مما طلب منه ليس من منطلق عمله كسفير ومكلف من قبل وزارة الخارجية المصرية وإنما من منطلق مصريته وإحساسه بمدى الظلم الواقع على حضارة أجداده.. وكانت صدمته ببيع التمثال قاسية وقد رأيناها جميعا. أما ما يجب أن نفعله فهو فتح تحقيق فوري في مصر مع الذي كان مسؤولا عن الآثار؛ وظل ملف التمثال على مكتبه لشهور طويلة قبل أن يعزل من منصبه ولم يحرك ساكنا ولم يفعل شيئا؟! كما يجب على منظمة المتاحف العالمية (ايكوم) معاقبة المتحف والمسؤولين عنه، والإسراع في إصدار تشريع تتبناه اليونيسكو لتجريم مثل هذه الأعمال. كذلك يجب أن يتم التأكيد على أن من يملك الأثر هو بلد الموطن سواء كان الأثر به أم خارجه.. سيظل ملف سخم-كا مفتوحا وستظل اللعنة تطارد من باع ومن اشترى إلى أن يعود التمثال إلى مصر.

التعليقات