كتاب 11

11:42 صباحًا EET

مراهقة قطر (1-2)

عالم الاجتماع العربي ابن خلدون له نظرية معروفة في تشبيه الحضارات الإنسانية بالكائن الحي، حيث طبق عليها قانون الطبيعة، فذكر أن الحضارة تمر بمراحل وأطوار كالإنسان الذي يولد صغيرا ضعيفا، ومع الأيام يشتد عوده وينمو جسده ويكبر حتى يبلغ تمام النضج والاكتمال، وبعدها يبدأ المنحنى في الهبوط شيئاً فشيئاً؛ حتى إذا ما أدركته الشيخوخة بدت عليه مقدمات النهاية ثم الموت الذي يعقب الهرم. لهذه النظرية مؤيدون ومعارضون. المعارضون يرون أنه تجاوز غير دقيق فما ينطبق على الفرد لا يمكن تطبيقه على حضارة تضم شعوبا يختلف فيها كل فرد عن الآخر. هذه النظرية تلائم الفكر العربي الذي يميل إلى التعميم والتبسيط والتنميط، وبما أنني أنتمي لهذا الفكر بصورة أو بأخرى، فإنني أعول عليها أحيانا لتفسير سلوك بعض الدول والحضارات.

هل يمكن تفسير سلوك دولة قطر دون التفكير بمنطق أنها تمر بمرحلة المراهقة؟ في هذه المرحلة نجد المراهق يتمرد على أسرته وأهله، خاصة سلطة الأب ونصائح الأم، يحاول أن يجرب كل شيء، ويصل الأمر أحيانا إلى تجربة الشيء وضده، ويتحمس لهذا كما يتحمس لذاك، تصرفاته غبر مبررة بل طائشة، تؤذيه قبل أن تؤذي الآخرين، لكنه يشعر دائما أن تفكيره هو الأفضل، وأن من ينصحه لا يريد له الخير بل السيطرة.

تاريخ قطر كدولة مستقلة يبدأ متأخرا، في عام 1971، بعد استقلالها عن بريطانيا، وحينذاك حكم الشيخ أحمد بن علي آل ثاني الذي أطيح به بانقلاب عسكري نفذه ابن عمه الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، وقام خليفة بتوطيد حكمه عن طريق تسليم مفاصل الدولة لأولاده، وفي هذه الفترة كانت قطر تعتبر السعودية بمثابة الأب الروحي أو زعيمة المنطقة التي تنصح فتطاع، وكانت العلاقة بينهما على خير ما يرام، وعند تأسيس مجلس التعاون الخليجي انضمت قطر إليه لتكون واحدة من دوله الست.

ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وذاق الشيخ خليفة من نفس الكأس التي تجرع منها ابن عمه، ولكن هذه المرة كان على يد ابنه البكر «حمد» الذي تولى مقاليد الحكم في يونيو عام 1995 إثر انقلاب على والده أثناء غياب هذا الأخير في سويسرا. ولم يعجب ذلك السعودية الدولة الملكية ذات التقاليد الراسخة في الحكم وولاية العهد، وحاولت أن تقف بجانب الأب وتبعد «حمد» عن السلطة لكن المحاولة اكتشفت وفشلت، ولم ينس «حمد» موقف السعودية، وبدأت بوادر الشقاق بين هذه الإمارة صغيرة الحجم والسكان وبين السعودية كبرى دول الخليح مساحة وثقلا سياسيا واستراتيجيا.

حاول الشيخ «حمد» الذي تعلم في بريطانيا أن يجعل لإمارته ميزة واختار الإعلام والاتصالات مجالي تميز وهما لا يحتاجان سوى لميزانيات ضخمة وتمويل يسمح بالوصول لأفضل الكوارد والتقنيات الحديثة، وكانت قناة الجزيرة بداية لهذا الطريق، التى أصبح لها وزن وقوة تأثير كبير في المنطقة العربية كلها، خاصة بعدما اعتبرها ثوار الوطن العربى شريكا في ثوراتهم المسماة ثورات الربيع العربي.

أحدث الأمير «حمد» الكثيرمن التغيير فى سياسات قطر الخارجية والخليجية، ولم يحاول أن يسير على نهج أبيه، وأراد لبلده دورا أكبر ودفع بسخاء لذلك، وساعد بشكل مباشر وغير مباشر أطرافا في صراعات عربية وإقليمية؛ مما أدى إلى إرباك المشهد وحساب التوازنات الإقليمية، ولم تعد قطر بالنسبة لدول المجلس التعاون الخليجى الشقيقة الصغرى ولكن الشريك المخالف.

وزاد الأمر حدة مع انقلاب الأمير تميم على والده، أو طبقا للرواية الرسمية تنازل حمد عن الحكم لصالح ابنه وولي العهد الأمير تميم… وحكم الأمير الشاب في فترة تحولات إقليمية عصيبة.. وللحديث بقية في مقالي القادم بإذن الله.

التعليقات