كتاب 11

01:12 مساءً EEST

أصيلة!

فى واحد من مطاعم أصيلة، سألنى عامل مغربى عما إذا كنت من مصر. فلما عرف أنى منها صاح بعفوية فقال: بلد عظيم!

أما أصيلة، فهى مدينة مغربية خجولة ترقد على شاطئ المحيط الأطلنطى، وأما الذى منحها هذا الصيت فى بلدها، وفى بلاد عالمنا العربى، فهو رجل اسمه محمد بن عيسى الذى كان وزيرا للثقافة، أيام الملك الحسن الثانى، ووزيراً لخارجيته فيما بعد، ومن قبل كان سفيراً فى واشنطن.. وما لا يعرفه كثيرون عنه أنه تعلم فى القاهرة. وعاش فيها، وخالط أهلها، وتنفس هواءها عندما كان هواؤها لا يزال هواء يمكن تنفسه، ويعرف ابن عيسى عن عاصمتنا وعن بلدنا ما لا يعرفه بعضنا، وربما أغلبنا!

 

يؤمن الرجل بأن الإنسان قادر على أن يصنع ما يثير الإعجاب فى أى وقت، بشرط أن يتوافر له «المناخ» الذى يجب أن يعمل فيه، ولذلك كانت أصيلة فى ظل وجوده فيها، أول مدينة فى العالم تنال جائزة أغاخان فى العمران، فى عام 1988، ولذلك أيضاً، ارتبط اسمها بمنتدى دولى يقام فيها ويحمل اسمها كل عام من 36 سنة، وفى كل دورة من دوراته يضيف إلى ما سبق، حتى صار واحدا من المنتديات الفكرية التى تجذب أهل الشمال فى أوروبا، وليس فقط أهل الجنوب بيننا.

 

غير أن هناك بعداً آخر فى المدينة يهمنا، وأكاد أقول يخصنا، وهو يتعلق بالسياحة التى تنمو فيها كصناعة، عاما بعد عام، حتى صار الذين يزورونها من جميع أنحاء العالم أضعاف أضعاف عدد سكانها نفسه!

 

ربما غارت أصيلة من إسبانيا على الشاطئ المواجه لها فى أوروبا.. فإسبانيا، كما نعلم، يزورها فى كل عام سياح يزيد عددهم على عدد سكانها، ولن تتصور أنت معنى ذلك إلا إذا قلت لك إن ما تشهده إسبانيا سياحيا يشبه أن يزور مصر من السياح فى العام المقبل – مثلاً – مائة مليون سائح، أى أكثر من عدد سكاننا بعشرة ملايين!!

 

يحدث هذا عند الإسبان، منذ عدة أعوام مضت، ولايزال طموحنا نحن فى السياحة يتوقف عند حدود عشرة ملايين سائح سنوياً، مع أننا نملك من الشواطئ ما لا تملكه إسبانيا بجلالة قدرها، ومع أن عندنا مع الآثار ما ليس عندها ولا عند أوروبا كلها، ومع أن عندنا من الطقس بامتداد أغلب شهور السنة ما لا تعرفه سماؤها.. ومع.. ومع.. ورغم ذلك نطمح إلى عشرة ملايين وفقط. وحين جلست مؤخراً مع رجل السياحة ناصر عبداللطيف وجدته حزينا، لأن هذا هو سقف طموحنا، ولأن هذا السقف فى ظنه يجب ألا يقل فى كل أحواله عن 30 مليونا من السياح ينفق كل واحد منهم 1500 دولار فى المتوسط، فنحصل على 45 مليارا من الدولارات مع نهاية كل عام، وبسهولة شديدة!

 

قبل سفرى إلى المغرب، كنت قد التقيت سائحا عربيا بالصدفة فى الشارع، وروى لى كيف أنه ذهب يتناول طبقاً من الكشرى فى الحسين، وأن المطعم أجبره بعد أن تناوله على دفع 200 جنيه كاملة ثمناً للطبق، فذهب يشكو لضابط شرطة السياحة الذى رد عليه فقال: «اعمل له محضر»!!.. ثم كان أن تعرض السائح العربى ذاته لموقف مماثل عند الأهرامات، ولم يختلف رد ضابط الشرطة المختصة هناك، عن رد زميله فى الحسين!!.. وقد قلنا، ونقول، وسوف نظل نقول، لعل أحدا يهمه الأمر فيسمع وينصت: إن السياحة صناعة ثقيلة، لها قواعد وأصول وتقاليد، وليست فهلوة بأى حال.

التعليقات