كتاب 11

01:34 مساءً EEST

تجربة الهند مع لا مؤاخذة «المراحيض»

العالم منشغل بالأزمات الاقتصادية والحروب الإقليمية والمنظمات الإرهابية و السلم العالمى والسلم الاجتماعى والربيع العربى والخريف الأوكرانى أو العكس، والأفلام السينمائية ومهرجان البندقية وتوزيع جوايز إيمى، وأحدث الكتب وجائزة نوبل وأحدث ألبومات نجوم الغناء ومسابقات المواهب… ومئات الأشياء الأخرى المهمة جدا جدا، مادامت تصب فى صالح الرأسمالية والشركات عابرة القارات متعددة الجنسيات وصناعة الموت والدعارة والمخدرات والترفيه… إلخ.

خبر إنتاج شركة إنتكس الهندية لموبايل لن يزيد ثمنه على 33 دولارا يجذب الملايين فى الهند وخارجها على عكس خبر شنق بضع فتيات ريفيات فقيرات فى كاترا بشمال الهند، لم يفعلن إلا ما يفعله كل إنسان فى كل مكان فى العالم «التبرز»، نعم ببساطة وبدون خجل، تلك الفتيات كملايين غيرهن يخاطرن كل ليلة بالخروج للعراء ليتبرزن لأن بيوتهن ليس فيها مرحاض ولا القرية التى يعيشون فيها بها مراحيض عامة.

 

هل تستطيع أن تستوعب الأمر؟، هل تستطيع أن تتخيل مثل هؤلاء الصغيرات اللواتى لا تزيد أعمارهن على 15 سنة، وهن يخرجن كل يوم ليلا فى الظلام الدامس ليقضين حاجتهن، فيتبعهن فى أحيان كثيرة صبية من نفس أعمارهن وأحيانا رجال بالغين، يتحرشون بهن وقد تغتصب إحداهن اغتصابا جماعيا وفى النهاية يكون قتل الفتاة وسيلتهم لإخفاء الجريمة وعدم فضحهم من قبل الضحية.

 

تبعاً لأرقام منظمة الصحة العالمية، فإن هناك حوالى ستمائة مليون مواطن هندي ليس لديهم مراحيض خاصة بهم، تقريبا نصف عدد السكان.

 

ولقد حذر نائب الأمين العام للأمم المتحدة «يان إلياسون» من أن العالم رغم تقدمه لم يحل مشكلة بناء الحمامات، الأمر الذي يهدد صحة وأمن أكثر من 5 مليارات شخص.

 

وقال إلياسون لصحيفة الجارديان إن الأمم المتحدة تستعد لمناقشة الأمر في أعقاب حادث اغتصاب وقتل فتاتين فى الهند تعرضتا للعنف والاغتصاب أثناء قضاء حاجتهما في أحد الحقول، مشيرا إلى أن الفشل في حل مشكلة «الحمامات القذرة المفتوحة» سيكون كارثيا علي ثلث البشرية.

 

العالم الذى يفتخر برحلاته الاستكشافية فى الفضاء والمريخ عاجز عن توفير ثمن حمامات، العالم الذى يدفع كل يوم المليارات فى أسلحة الموت فى حروب مصنوعة ومدبرة، عاجز عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الإنسانية للبشر فى القرن الواحد والعشرين.

 

ولأهمية الأمر خصصت جريدة الجارديان الإنجليزية مساحة كبيرة يوم الأحد الماضى، لتحقيق حول هذا الموضوع، وخاصة مع بدء إحدى جمعيات المجتمع المدنى الهندى فى إنشاء 108 مراحيض فى مدينة كاترا فى شمال ولاية اوتار براديش بشمال الهند، وهى المدينة التى قتلت فيها الفتاتان.

 

ولقد صرح رئيس المنظمة الأهلية بأن هدف جمعيته توفير مرحاض لكل أسرة في الهند في المستقبل القريب.

 

وتشير تقديرات اليونيسف إلى أن ما يقرب من 50% من سكان الهند مرغمون على التبرز في العراء لعدم وجود شبكات صرف صحى وكذلك مراحيض فى بيوتهم، بسبب الفقر الحاد في هذه المناطق الريفية.

 

وتضطر نحو 300 مليون امرأة وفتاة هندية لجلوس القرفصاء خارج منزلها وفى العراء ليلا، وهى تتعرض بذلك لمخاطر المرض والعدوى البكتيرية، والخطر الأكبر تعرض النساء الهنديات إلى التحرش والاعتداء من قبل الرجال.

 

رئيس الوزراء الجديد ناريندرا مودي، أثار موضوعا محرما لم يثره مسؤول رفيع المستوى من قبل خلال خطابه بمناسبة عيد الاستقلال في أغسطس الماضى، حين قال: «نحن في القرن 21 وحتى الآن لا يوجد كرامة للنساء حين يذهبن إلى التبرز فى العراء، يمكننا أن نتخيل عدد المشاكل التي تواجهها المرأة بسبب ذلك. وعد مودى بإنشاء ما يقرب من خمسة ملايين مرحاض فى الهند خلال الـ100 يوم الأولى من حكمه، تم تنصيبه يوم 26 مايو الماضى بعد فوز حزبه حزب «بهاراتيا جاناتا» الهندوسي على حزب المؤتمر الحاكم فوزا ساحقا.

 

وعد مودى معناه بناء مرحاض جديد كل ثانية تقريباً. كما تعهد مودي بإنشاء مراحيض منفصلة للنساء في جميع المدارس الهندية، لأن نقص المراحيض المنفصلة في المدارس يعتبر من أسباب تسرب مئات الآلاف من الفتيات الصغيرات من المدارس.

 

ولقد تحدث رئيس الوزراء الهندى عن حالات الاغتصاب قائلا: إن الهند تشعر بالخجل بسبب جرائم الاغتصاب الجماعي التي وقعت مؤخرا، وطالب الهنود بوقف التمييز ضد الأطفال الإناث. ودعا مودي الآباء إلى مراعاة سلوك أبنائهم، مؤكدا أن الآباء يجب أن يعلموا أبناءهم الفرق بين الصواب والخطأ. وأضاف أن القانون سيقوم بدوره، إلا أن الآباء والأمهات يجب أن يعلموا أبناءهم كيفية معاملة النساء باحترام، وكمجتمع يجب على كل أب وأم أيضا أن يتحملوا مسؤولية تعليم أبنائهم الفرق بين الخطأ والصواب.

 

فقر الهند لا يخجل رئيس وزرائها وكذلك عورات مجتمعه، لكن الذى يجب أن يخجل منه أى سياسى أن يدير ظهره لمشاكل فقراء وطنه الذين يعانون منها وتحتاج لحلول عاجلة ، فمتى نحل مشكلة العشوائيات؟ وتكدس عائلة فى حجرة واحدة وما يترتب على ذلك من جرائم كزنا المحارم وغيرها، كيف يمكن أن نحل مشكلة أطفال الشوارع؟ وكيف يمكن أن يتحول هؤلاء من وصمة عار على جبين المجتمع المصرى، الذى يشيح بوجهه عنهم إلى تجربة رائدة لمصر بتعليمهم وتدريبهم وجعلهم جزءا من النسيج الاجتماعى وليس ورما خبيثا على جسد هذا الوطن.

 

النمو الاقتصادى وجذب المستثمرين ورجال الأعمال، وبيع الجنسية المصرية لمن يستطيع إليها سبيلا، كلها قضايا تجد من يدافع عنها ويتبناها لأن له مصلحة، ولكن قضايا الفقراء من يدافع عنها إن لم يكن رئيس الدولة ورئيس حكومته، الانحياز للفقراء ليس شعار ولكن فعل ينفذ على الأرض…. بس نبدأ.

وتحدث مودي أيضا عن تحويل الهند إلى مركز للتصنيع، والانتقال من الاقتصاد الذي يستند إلى الاستيراد إلى اقتصاد يهدف إلى التصدير.

التعليقات