كتاب 11

11:41 صباحًا EEST

الصحافة.. الوطن.. المستقبل

قبل رحيله بخمس سنوات، استجاب لي أشهر وزير ثقافة مصري، الفارس النبيل ثروت عكاشة، ووافق على إجراء حوار صحفي بعد إلحاح لطيف مني، فقد كان يرفض تماما إجراء أية حوارات أو مقابلات إعلامية، وذهبت في الموعد الذي حدده إلى فيلته في شارع 15 بالمعادي، واستقبلني بترحاب وهو يقول لي بأدبه الرفيع إنه شعر بالثقة تجاهي، وسيتحدث معي في كل شيء، لكنه اشترط عدم نشر الحديث كله، فقط ما يصلح منه للنشر في مجلة نادي المعادى، وليس في أي صحف أخرى، وقال لي: هذا استثناء لأن مجلة النادي تخاطب أسرة كبيرة لها طابع خاص، يعني المسألة في بيتها،

جلست في حضرة الفارس مرتين وامتدت كل جلسة لأكثر من ساعتين، تحدث باستفاضة، وبكل راحة وصراحة في كثير من أمور السياسة، وذكرياته مع شخصيات كبيرة، وأثناء حديثه عن واقعة بعينها طلب مني إغلاق المسجل، وضغطت على زر إيقاف التسجيل، لكنني أثناء تفريغ الشريط اكتشفت أن المسجل لم يتوقف لأنني لم أضغط بالقوة الكافية لإيقاف التسجيل، وأصبح بين يديّ تسجيل نادر بصوت ثروت عكاشة يتحدث فيه عن أسرار شخصية سياسية لم يتحدث عنها من قبل، أصبح لديّ وثيقة تساوي الكثير، وكان من الممكن أن يحقق لي انفرادا كبيرا لو نشرته على صفحات جريدة الأخبار التي كنت أعمل بها وقتذاك ولديّ صور تجمعني به في منزله توثق الحدث، وصور أخرى للدكتور ثروت منفردا على مكتبه وهو يهديني ترجمته لكتاب «النبي» لجبران، صور كلها تعتبر انفرادا، أما شريط التسجيل الثاني فكان عن حياته الشخصية وبه الكثير من الأسرار التي لا يعرفها أحد حتى هذه اللحظة، لكنني حافظت على وعدي والتزمت بعدم النشر احتراما لمهنتي وشخصي معا، وامتدت صداقتي بالفارس بعد نشر جانب بسيط من حديثه في مجلة النادي، ولم أشعر يوما بالتقصيرأو أنني اهدرت فرصة.

 

تكرر ذلك الأمر مع د. هشام الشريف في مكتبه في الزمالك قبل ثورة يناير، واجهته ببعض الأسرار التي عرفتها من محيط معارفه المقربين، وانزعج الدكتور، واتهمني بأنني مدفوعة من جهة ما لأنصب له فخا، وأنني أتعمد حرقه وإحراجه، كانت غضبته مسجلة وتعليقاته العفوية المرتبكة كفيلة بخبطة صحفية لجريدة «المصري اليوم» التي أعمل بها في ذلك الوقت، لكنني ببساطة شديدة أخرجت الشريط من الكاسيت وأعطيته له، اندهش الرجل واعتذر عن انفعاله، ووعدنى بحوار صريح طويل ولكن في الوقت المناسب، تغيرت الظروف ولم نلتق مجددا.

 

حين أعطيت شريط التسجيل للدكتور هشام كنت أدرك أن عملي ليس فضح الأشخاص أو تخريب صورتهم دون هدف إلا التشويه، الصحافة يجب أن يكون لها رؤية تدير بها الأسرار التي في حوزتها، فالإخفاء والإظهارأسلوب يجب على الصحفي أن يعرف كيف يتعامل معه وكيف يوظفه بشكل يخدم مهنته ويتماشى مع القيم والأخلاق، فعلى سبيل المثال الصحف والمجلات الغربية تتسابق في نشر صور النجمات عاريات، فهل من المناسب نقل الصور على صفحات صحفنا؟ هذه الإشكالية أثيرت حين أعيد نشر الصور المسيئة للرسول الكريم وأعتبر أن مجرد إعادة نشرها خطأ لا يغتفر، ويكاد يبلغ لمستوى جرم من رسمها.

 

تذكرت كل هذا، وأنا أتابع تهديدات إحدى الصحف لوكيل جهاز المخابرات العامة السابق اللواء ثروت جودة، إما الاعتذار أو نشر التسجيل الصوتي للحوار معه. نعم حقق الحوار صدى واسعا، وكنت قد تساءلت وأنا أقرأ الحوار: ماذا تريد الجريدة من نشر الحوار في هذا التوقيت؟ وتعجبت كيف لرجل مسؤول أن يصرح بمعلومات تحرج الجهاز الذي ينتمى إليه بهذه الصورة؟ فالحوار بصورته التي نشر بها والتي تم تداولها على موقع الجريدة الإلكترونى ومواقع التواصل الاجتماعي- يسيء لجهاز المخابرات، حيث يبدو من العناوين وجود مؤامرة من أجهزة الدولة لإفشال حكم مرسي وعدم مده بالمعلومات، أو التعاون معه، بل تقديم معلومات مغلوطة، ولكن بعد القراءة الثانية وجدت أن الحوار يؤكد أن المخابرات جهاز وطني يعرف دوره جيدا، والحرص على ذلك قد يستدعي الاحتراز من الرئيس مرسي الذي كان انتماؤه لجماعة وليس لمصر، وأنه من الخطر على الدولة المصرية أن يكون بين يدي هذا الرئيس أسرار قد تستخدم ضد البلد.

 

بالتأكيد إن حوار جودة أقلق بعض الأجهزة، ومن ثم تراجع جودة عن بعض ما جاء في الحوار، بل حاول التنصل منه وكتب على صفحته على فيس بوك يتهم الصحيفة بالتلفيق، ووصل الأمر إلى التلويح برفع الأمر للقضاء، وردت الصحيفة بتهديد مقابل رافعة شعار «الشريط بيننا».

 

وتساءلت: هل هذه المعارك لصالح الصحافة، أم أنها «خبطات» عابرة قد تسيء مستقبلا للعلاقة بين الصحفي ومصادره، ما يعيدنا إلى النظرة القديمة التي كانت تعبتر الصحفي مجرد شخص فضولي غير مؤتمن يسعى لالتقاط خبر من هنا، وتصريح من هناك لتحقيق «فرقعة» حتى لو على سمعة الناس ومصالحهم؟ وقارنت ذلك بحق الصحف في إخفاء أسماء مصادرها حفاظا عليها، فالأصل هو حماية المصدر وعدم الإضرار به ضمن رسالة تستهدف الخير للمستقبل والقيم الإنسانية، فليس كل ما نعرفه يصلح للنشر، لأن هذه الأنانية والرغبة في إحداث ضجة قد تؤديان إلى انهيار جسر الثقة بين المصادر والصحف، فحين يشعر المصدر بأن الصحافة تبحث عن نجاحها على حساب صورته، وتستخدمه وسيلة لزيادة التوزيع وتغذية سوق من النميمة، فسوف يأتي وقت وتفقد فيه الصحف مصادرها وتتحول إلى مهنة منبوذة.

 

وهذا ما أخشاه في ظل غياب ميثاق شرف يحدد المعايير الأخلاقية والقواعد الفنية، التي تجعل من الصحفي مبدعا وليس مجرد شخص يفرغ الشرائط ويتمسك بالكلمات دون اعتبار للرسالة والمعنى العام، وهذا المناخ هو الذي سيجرنا إلى التربص، و«تسخين» العناوين لجذب القارئ رغم مخالفتها المتن، أو فصلها عن سياقها، خاصة أن قطاعا كبيرا من القراء يكتفون هذه الأيام بقراءة العناوين والمقدمة، ولا يقرأون تفاصيل الحوار.

 

أيها الزملاء، تعالوا نتفق على إصلاح شأن مهنتنا التي تعاني وتئن، كفانا عيشة السداح مداح، فهى لن تبني وطنا ولن تأخذنا إلى المستقبل.

التعليقات